العدد : ١٧٥٤٢ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٢ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

صَخَبُ زَيْفِ الشِّعَار… وخَرابُ الدِّيَار

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

بقلبٍ‭ ‬منصفٍ،‭ ‬ولسانٍ‭ ‬صادقٍ،‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬الله‭ ‬جلّ‭ ‬جلاله‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تخفى‭ ‬عليه‭ ‬خافية؛‭ ‬إنّا‭ ‬لنرى‭ ‬من‭ ‬أعاجيب‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬ما‭ ‬تختلط‭ ‬فيه‭ ‬الأصوات،‭ ‬وتضطرب‭ ‬فيه‭ ‬الرايات،‭ ‬حتى‭ ‬يلتبس‭ ‬الحق‭ ‬بالباطل،‭ ‬ويتزيّا‭ ‬الباطل‭ ‬بزيّ‭ ‬الحق؛‭ ‬نظامٌ‭ ‬ثيوقراطيٌّ‭ ‬فُرِض‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬قسرًا،‭ ‬واتخذ‭ ‬من‭ ‬تحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬عنوانًا،‭ ‬ومن‭ ‬الخطاب‭ ‬الفارغ‭ ‬منبرًا،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬قد‭ ‬بذر‭ ‬الفتنة،‭ ‬ونمّى‭ ‬الطائفية،‭ ‬ومأسس‭ ‬الفئوية،‭ ‬وشقّ‭ ‬من‭ ‬الزيف‭ ‬نهرًا،‭ ‬ومن‭ ‬الباطل‭ ‬ممرًّا،‭ ‬ليُحوِّل‭ ‬المال‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أصلُه‭ ‬موردًا‭ ‬تعبُّديًا‭ ‬إلى‭ ‬مالٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬يُصَبُّ‭ ‬في‭ ‬حوضه‭ ‬الفارسي،‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الحصن‭ ‬العربي‭ ‬مجراه‭ ‬الشرعي؛‭ ‬حتى‭ ‬خُيّل‭ ‬للسامع‭ ‬أنّه‭ ‬للنصر‭ ‬باب،‭ ‬وللفتح‭ ‬أسباب،‭ ‬فإذا‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬فعله،‭ ‬وجدته‭ ‬نقيض‭ ‬قوله،‭ ‬وباطنه‭ ‬ضدّ‭ ‬ظاهره،‭ ‬فكأنّ‭ ‬قوله‭ ‬صخبٌ‭ ‬بلا‭ ‬صدق،‭ ‬ومشهده‭ ‬عرضٌ‭ ‬بلا‭ ‬موقف‭.‬

وما‭ ‬رأينا‭ ‬له،‭ ‬على‭ ‬علوّ‭ ‬ضجيجه‭ ‬وامتداد‭ ‬صيته،‭ ‬سهمًا‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬المواجهة،‭ ‬ولا‭ ‬أثرًا‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬المدافعة،‭ ‬بل‭ ‬رأيناه‭ ‬يصبّ‭ ‬بأسه‭ ‬في‭ ‬ديار‭ ‬العرب،‭ ‬ويُرسل‭ ‬بأسه‭ ‬على‭ ‬أوطانهم،‭ ‬يُشعل‭ ‬نار‭ ‬الفتنة،‭ ‬ويُؤجّج‭ ‬شرر‭ ‬الفرقة،‭ ‬ويُعمّق‭ ‬جراحًا‭ ‬صعبٌ‭ ‬أن‭ ‬تندمل،‭ ‬حتى‭ ‬غدا‭ ‬الخراب‭ ‬دليله،‭ ‬والاضطراب‭ ‬سبيله؛‭ ‬وصنع‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬أبطالًا،‭ ‬ومن‭ ‬الضجيج‭ ‬أمثالًا،‭ ‬حتى‭ ‬رُفعوا‭ ‬إلى‭ ‬مقام‭ ‬البطولة‭ ‬الزائفة،‭ ‬لا‭ ‬بصدق‭ ‬الفعل،‭ ‬بل‭ ‬بكثرة‭ ‬القول،‭ ‬ولا‭ ‬بميزان‭ ‬الحق،‭ ‬بل‭ ‬بارتفاع‭ ‬الصوت‭.‬

وفي‭ ‬خضمّ‭ ‬هذا‭ ‬الصخب،‭ ‬وبين‭ ‬بريق‭ ‬الشعار‭ ‬وزيف‭ ‬الادّعاء،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬ادّعاء‭ ‬تحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬الذي‭ ‬اتّخذه‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭ ‬رايةً‭ ‬زائفةً،‭ ‬وشعارًا‭ ‬خادعًا،‭ ‬انجرف‭ ‬بعض‭ ‬أبناء‭ ‬العروبة،‭ ‬فمالوا‭ ‬مع‭ ‬الضجيج‭ ‬حيث‭ ‬مال،‭ ‬وانقادوا‭ ‬للوهم‭ ‬حيث‭ ‬قاد،‭ ‬فإمّا‭ ‬مؤيّدٌ‭ ‬يُعلن،‭ ‬أو‭ ‬ساكتٌ‭ ‬يُضمر،‭ ‬لا‭ ‬ينكر‭ ‬عدوانًا،‭ ‬ولا‭ ‬يردّ‭ ‬باطلًا،‭ ‬وقد‭ ‬أصاب‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭ ‬عدوانٌ‭ ‬آثم،‭ ‬وهجومٌ‭ ‬ظالم؛‭ ‬فاختلط‭ ‬عندهم‭ ‬الميزان،‭ ‬واضطرب‭ ‬عندهم‭ ‬البرهان،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬الشعار‭ ‬عندهم‭ ‬دليلًا،‭ ‬لا‭ ‬الفعل،‭ ‬والضجيج‭ ‬حُجّة،‭ ‬لا‭ ‬العقل‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬أقام‭ ‬ذلك‭ ‬النظام،‭ ‬وهو‭ ‬إلى‭ ‬الزوال‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬صائر،‭ ‬بنيانه‭ ‬على‭ ‬فكرٍ‭ ‬فئويٍّ‭ ‬يفرِّق‭ ‬ولا‭ ‬يجمع،‭ ‬ويستنزف‭ ‬ولا‭ ‬يرفع؛‭ ‬فجعل‭ ‬الدين‭ ‬مطيّةً‭ ‬للجباية،‭ ‬لا‭ ‬سبيلًا‭ ‬للهداية،‭ ‬واستخرج‭ ‬من‭ ‬الفقراء‭ ‬أقواتهم،‭ ‬وسلب‭ ‬من‭ ‬المساكين‭ ‬حقوقهم،‭ ‬تحت‭ ‬شعاراتٍ‭ ‬ظاهرها‭ ‬التعبّد،‭ ‬وباطنها‭ ‬التملّك،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬أموالهم‭ ‬وقودًا‭ ‬لمشاريع‭ ‬لا‭ ‬تبني،‭ ‬وسلاحًا‭ ‬لأجندات‭ ‬لا‭ ‬تُغني،‭ ‬فلا‭ ‬دولة‭ ‬تُقام،‭ ‬ولا‭ ‬رفاه‭ ‬يُدام،‭ ‬بل‭ ‬عبثٌ‭ ‬يُدار،‭ ‬وخرابٌ‭ ‬يُستعار‭.‬

ولمّا‭ ‬خشي‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬انكشاف‭ ‬أمره،‭ ‬وانفضاح‭ ‬سرّه،‭ ‬أمام‭ ‬أهل‭ ‬العلم‭ ‬والحكمة‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬وأبناء‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬مهد‭ ‬الإسلام‭ ‬ومنبع‭ ‬الاعتدال،‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬إلا‭ ‬سلاح‭ ‬التكفير‭ ‬والتخوين،‭ ‬يرفعه‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬كل‭ ‬عاقل،‭ ‬ويُشهره‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬كل‭ ‬فاضل؛‭ ‬لا‭ ‬لفسادٍ‭ ‬في‭ ‬قولهم،‭ ‬بل‭ ‬لخوفٍ‭ ‬على‭ ‬سلطانٍ‭ ‬يزول،‭ ‬ومالٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬يَحول،‭ ‬فصار‭ ‬الاعتدال‭ ‬تُهمة،‭ ‬والحكمة‭ ‬جريمة،‭ ‬لا‭ ‬لأنّها‭ ‬باطلة،‭ ‬بل‭ ‬لأنّها‭ ‬كاشفة؛‭ ‬بل‭ ‬تجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حارب‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يؤمن‭ ‬بالولاية‭ ‬له،‭ ‬وخالف‭ ‬نهجه‭ ‬وسلك‭ ‬غير‭ ‬سبيله،‭ ‬فجعل‭ ‬الولاء‭ ‬ميزانًا،‭ ‬لا‭ ‬الحق،‭ ‬والانقياد‭ ‬معيارًا،‭ ‬لا‭ ‬البرهان،‭ ‬حتى‭ ‬ضاق‭ ‬صدره‭ ‬بالمخالف،‭ ‬وإن‭ ‬شاركه‭ ‬في‭ ‬الانتماء،‭ ‬وعاداه،‭ ‬وإن‭ ‬وافقه‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬والولاء‭.‬

ثم‭ ‬فلننظر‭ ‬إلى‭ ‬مسلكٍ‭ ‬آخر‭ ‬سلكته‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬دول‭ ‬النماء‭ ‬والازدهار،‭ ‬إذ‭ ‬اختارت‭ ‬طريق‭ ‬العقل،‭ ‬وسلكت‭ ‬سبيل‭ ‬الرشد،‭ ‬فرأت‭ ‬أن‭ ‬السلام،‭ ‬وإن‭ ‬شقّ،‭ ‬خيرٌ‭ ‬من‭ ‬حربٍ‭ ‬تُرهق،‭ ‬وأن‭ ‬حفظ‭ ‬الأرواح‭ ‬أولى‭ ‬من‭ ‬شعاراتٍ‭ ‬تُزهق؛‭ ‬فسعت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬الأرض‭ ‬والحقوق،‭ ‬ويحقن‭ ‬الدماء‭ ‬ويصون‭ ‬العروق،‭ ‬ولم‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬تحريمًا‭ ‬لصلحٍ‭ ‬يُحقن‭ ‬به‭ ‬الدم،‭ ‬بل‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬المقصود‭ ‬دفع‭ ‬الظلم،‭ ‬وردّ‭ ‬الحق،‭ ‬وصون‭ ‬الكرامة،‭ ‬لا‭ ‬إدامة‭ ‬الخصام‭.‬

وهكذا‭ ‬اجتمع‭ ‬في‭ ‬مسلك‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭ ‬فسادُ‭ ‬الدعوى،‭ ‬واضطرابُ‭ ‬الفعل،‭ ‬وسوءُ‭ ‬القصد؛‭ ‬خطابٌ‭ ‬يعلو‭ ‬بلا‭ ‬حق،‭ ‬وفعلٌ‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬صدق،‭ ‬ومنهجٌ‭ ‬يُقصي‭ ‬العقل‭ ‬ليبقى‭ ‬الوهم،‭ ‬ويُحارب‭ ‬الحكمة‭ ‬ليستمر‭ ‬الوهم؛‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الحق‭ ‬نصيب،‭ ‬لما‭ ‬احتاج‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الضجيج،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬التكفير،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الجباية،‭ ‬ولكنها‭ ‬سنّة‭ ‬الزيف‭: ‬يعلو‭ ‬صوته‭ ‬إذا‭ ‬خفتت‭ ‬حجّته،‭ ‬ويشتدّ‭ ‬إرهابه‭ ‬إذا‭ ‬ضعف‭ ‬برهانه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا