العدد : ١٧٥٣٣ - الأربعاء ٢٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٣ - الأربعاء ٢٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

حين تتحول الأزمة إلى اختبار وطني.. هل كانت خطوات طيران الخليج نعمة أم نقمة؟

بقلم: حمد أمين

الأربعاء ٢٥ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬أوقات‭ ‬الحرب،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬كفاءة‭ ‬شركات‭ ‬الطيران‭ ‬بعدد‭ ‬الرحلات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الصحيح‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭. ‬فحين‭ ‬أُغلقت‭ ‬الأجواء‭ ‬البحرينية‭ ‬وتوقفت‭ ‬الحركة‭ ‬الجوية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬طيران‭ ‬الخليج‭ ‬أمام‭ ‬أزمة‭ ‬تشغيلية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬امتحان‭ ‬وجودي‭ ‬حقيقي‭: ‬كيف‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬دورها‭ ‬كناقل‭ ‬وطني،‭ ‬وكيف‭ ‬تبقي‭ ‬البحرين‭ ‬متصلة‭ ‬بالعالم،‭ ‬ولو‭ ‬بحدٍّ‭ ‬أدنى،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفرّط‭ ‬في‭ ‬السلامة‭ ‬أو‭ ‬السمعة‭ ‬أو‭ ‬الثقة؟

الواقع‭ ‬أن‭ ‬الشركة‭ ‬اختارت‭ ‬المسار‭ ‬الأصعب،‭ ‬وربما‭ ‬الأذكى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاستسلام‭ ‬الكامل‭ ‬لشلل‭ ‬المجال‭ ‬الجوي،‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬استثنائي‭ ‬عبر‭ ‬الدمام،‭ ‬وفتحت‭ ‬حجوزات‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الرحلات‭ ‬الدولية،‭ ‬ووفرت‭ ‬نقلًا‭ ‬بريًا‭ ‬ومساندة‭ ‬في‭ ‬تأشيرات‭ ‬العبور،‭ ‬ثم‭ ‬وسعت‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬إلى‭ ‬وجهات‭ ‬إضافية‭. ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬هذه‭ ‬خطوة‭ ‬تحسب‭ ‬لها‭: ‬مرونة،‭ ‬وسرعة‭ ‬قرار،‭ ‬ورسالة‭ ‬واضحة‭ ‬بأن‭ ‬البحرين‭ ‬لن‭ ‬تُعزل‭ ‬بسهولة‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الطيران،‭ ‬كل‭ ‬حل‭ ‬طارئ‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬كلفة‭ ‬خفية‭. ‬فالتحويل‭ ‬عبر‭ ‬الدمام‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬“خطة‭ ‬بديلة”،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وأعلى‭ ‬كلفة‭ ‬وأشد‭ ‬إنهاكًا‭ ‬للراكب‭. ‬هناك‭ ‬تنسيق‭ ‬بري‭ ‬وجوي،‭ ‬وتأشيرات،‭ ‬ومواعيد‭ ‬متحركة،‭ ‬وتكاليف‭ ‬تشغيل‭ ‬غير‭ ‬معتادة،‭ ‬ومخاطر‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬المسافر‭. ‬ما‭ ‬يُنقذ‭ ‬الشبكة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬قد‭ ‬يرهق‭ ‬العلامة‭ ‬التجارية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬إذا‭ ‬شعر‭ ‬المسافر‭ ‬أن‭ ‬الرحلة‭ ‬أصبحت‭ ‬مغامرة‭ ‬لوجستية‭ ‬لا‭ ‬خدمة‭ ‬طيران‭ ‬مستقرة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المفارقة‭: ‬الخطوة‭ ‬نفسها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نعمة‭ ‬أو‭ ‬نقمة‭.‬

هي‭ ‬نعمة‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إليها‭ ‬بعين‭ ‬الإدارة‭ ‬الوطنية‭ ‬للأزمات‭. ‬لأن‭ ‬الأسوأ‭ ‬من‭ ‬التشغيل‭ ‬المكلف‭ ‬هو‭ ‬الصمت،‭ ‬والأسوأ‭ ‬من‭ ‬المسار‭ ‬الملتف‭ ‬هو‭ ‬انقطاع‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬العالم‭. ‬وطيران‭ ‬الخليج،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تنقل‭ ‬ركابًا‭ ‬فقط؛‭ ‬كانت‭ ‬تنقل‭ ‬رسالة‭ ‬سيادية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬البحرين،‭ ‬رغم‭ ‬الضيق،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬منفذ،‭ ‬وأن‭ ‬ناقلها‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬يختبئ‭ ‬خلف‭ ‬البيانات‭ ‬الباردة،‭ ‬بل‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬ممكن‭. ‬هذا‭ ‬مهم‭ ‬جدًا‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬قبل‭ ‬المقاعد‭.‬

لكنها‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬نقمة‭ ‬إذا‭ ‬جرى‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬نجاحًا‭ ‬مكتملًا‭ ‬لا‭ ‬حلًا‭ ‬اضطراريًا‭. ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬ترفع‭ ‬فقط‭ ‬مخاطر‭ ‬الإلغاء‭ ‬والتأخير،‭ ‬بل‭ ‬ترفع‭ ‬أيضًا‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬وتربك‭ ‬حركة‭ ‬الطائرات،‭ ‬وتضغط‭ ‬على‭ ‬الطواقم،‭ ‬وتضعف‭ ‬الطلب،‭ ‬وتدفع‭ ‬بعض‭ ‬المسافرين‭ ‬أصلًا‭ ‬إلى‭ ‬تأجيل‭ ‬السفر‭. ‬ومع‭ ‬تعليق‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬شركات‭ ‬عالمية‭ ‬كبرى‭ ‬لرحلاتها‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬والمنطقة،‭ ‬فإن‭ ‬العبء‭ ‬على‭ ‬الناقل‭ ‬الوطني‭ ‬يصبح‭ ‬مضاعفًا‭: ‬تشغيل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬معادية،‭ ‬وتسويق‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬خائفة،‭ ‬وتحمل‭ ‬كلفة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتآكل‭ ‬فيه‭ ‬الهوامش‭.‬

المشكلة‭ ‬الأعمق‭ ‬أن‭ ‬الناقل‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬صغيرة‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬رفاهية‭ ‬الخطأ‭. ‬شركات‭ ‬الطيران‭ ‬الكبرى‭ ‬قد‭ ‬تتضرر‭ ‬ثم‭ ‬تمتص‭ ‬الصدمة‭ ‬بحجمها‭ ‬وتحالفاتها‭ ‬واحتياطاتها‭. ‬أما‭ ‬شركة‭ ‬مثل‭ ‬طيران‭ ‬الخليج،‭ ‬فكل‭ ‬اضطراب‭ ‬طويل‭ ‬يضغط‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬نموذجها‭: ‬مركزها‭ ‬التشغيلي،‭ ‬ربطها‭ ‬العابر،‭ ‬ثقة‭ ‬المسافر،‭ ‬وتنافسيتها‭ ‬أمام‭ ‬ناقلات‭ ‬أكبر‭ ‬وأغنى‭. ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬كقرار‭ ‬تشغيلي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كقرار‭ ‬اقتصادي‭ ‬ووطني‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬منصفين‭: ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الشركة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬يعكس‭ ‬عقلية‭ ‬إدارة‭ ‬أزمة‭ ‬لا‭ ‬عقلية‭ ‬انتظار‭. ‬تعليق‭ ‬العمليات‭ ‬حين‭ ‬استلزمت‭ ‬السلامة‭ ‬ذلك،‭ ‬ثم‭ ‬تقديم‭ ‬إعادة‭ ‬حجز‭ ‬ورد‭ ‬مبالغ،‭ ‬ثم‭ ‬بناء‭ ‬جسر‭ ‬تشغيلي‭ ‬عبر‭ ‬الدمام،‭ ‬كلها‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشركة‭ ‬حاولت‭ ‬تقليل‭ ‬الضرر‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بإعلان‭ ‬العجز‭. ‬هذا‭ ‬جيد‭. ‬لكن‭ ‬الجيد‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭. ‬المطلوب‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬اتصال‭ ‬أكثر‭ ‬كثافة‭ ‬وشفافية،‭ ‬وتحديثات‭ ‬أسرع،‭ ‬وتبسيط‭ ‬أكبر‭ ‬لتجربة‭ ‬المسافر،‭ ‬لأن‭ ‬المسافر‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬فقط‭ ‬مقعدًا،‭ ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬وضوحًا‭ ‬وطمأنينة‭ ‬وشعورًا‭ ‬بأن‭ ‬أحدًا‭ ‬يمسك‭ ‬بالدفة‭.‬

الخلاصة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬طيران‭ ‬الخليج‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬ليس‭ ‬انتصارًا‭ ‬ولا‭ ‬فشلًا؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مناورة‭ ‬بقاء‭. ‬وقد‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬المناورة‭ ‬إلى‭ ‬نعمة‭ ‬إذا‭ ‬نجحت‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الثقة،‭ ‬وتقليل‭ ‬الفوضى،‭ ‬وإبقاء‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬خريطة‭ ‬الحركة‭ ‬ولو‭ ‬بأقل‭ ‬الإمكانات‭. ‬لكنها‭ ‬ستصبح‭ ‬نقمة‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬الحرب،‭ ‬وارتفعت‭ ‬الكلفة،‭ ‬وتآكلت‭ ‬تجربة‭ ‬المسافر،‭ ‬وتحولت‭ ‬الحلول‭ ‬المؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬دائم‭.‬

في‭ ‬الطيران،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السياسة،‭ ‬ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬العاصفة؛‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬منها‭ ‬وقد‭ ‬فقدت‭ ‬جمهورك‭. ‬واليوم،‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬أمام‭ ‬طيران‭ ‬الخليج‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬تُسيّر‭ ‬رحلة،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تُثبت‭ ‬أن‭ ‬الناقل‭ ‬الوطني‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬واقفًا‭ ‬حين‭ ‬تجلس‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬صالة‭ ‬الانتظار‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا