في أوقات الحرب، لا تُقاس كفاءة شركات الطيران بعدد الرحلات فقط، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح تحت الضغط. فحين أُغلقت الأجواء البحرينية وتوقفت الحركة الجوية، لم تكن طيران الخليج أمام أزمة تشغيلية عابرة، بل أمام امتحان وجودي حقيقي: كيف تحافظ على دورها كناقل وطني، وكيف تبقي البحرين متصلة بالعالم، ولو بحدٍّ أدنى، دون أن تفرّط في السلامة أو السمعة أو الثقة؟
الواقع أن الشركة اختارت المسار الأصعب، وربما الأذكى في الوقت نفسه. بدلاً من الاستسلام الكامل لشلل المجال الجوي، ذهبت إلى حل استثنائي عبر الدمام، وفتحت حجوزات لعدد من الرحلات الدولية، ووفرت نقلًا بريًا ومساندة في تأشيرات العبور، ثم وسعت هذه العمليات إلى وجهات إضافية. على الورق، هذه خطوة تحسب لها: مرونة، وسرعة قرار، ورسالة واضحة بأن البحرين لن تُعزل بسهولة.
لكن في عالم الطيران، كل حل طارئ يحمل في داخله كلفة خفية. فالتحويل عبر الدمام ليس مجرد “خطة بديلة”، بل عملية أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة وأشد إنهاكًا للراكب. هناك تنسيق بري وجوي، وتأشيرات، ومواعيد متحركة، وتكاليف تشغيل غير معتادة، ومخاطر أكبر على تجربة المسافر. ما يُنقذ الشبكة على المدى القصير قد يرهق العلامة التجارية على المدى المتوسط إذا شعر المسافر أن الرحلة أصبحت مغامرة لوجستية لا خدمة طيران مستقرة.
ومن هنا تبدأ المفارقة: الخطوة نفسها يمكن أن تكون نعمة أو نقمة.
هي نعمة إذا نظرنا إليها بعين الإدارة الوطنية للأزمات. لأن الأسوأ من التشغيل المكلف هو الصمت، والأسوأ من المسار الملتف هو انقطاع الدولة عن العالم. وطيران الخليج، في هذه اللحظة، لم تكن تنقل ركابًا فقط؛ كانت تنقل رسالة سيادية مفادها أن البحرين، رغم الضيق، لا تزال قادرة على إيجاد منفذ، وأن ناقلها الوطني لا يختبئ خلف البيانات الباردة، بل يحاول أن يعمل بما هو ممكن. هذا مهم جدًا في قطاع قائم على الثقة قبل المقاعد.
لكنها قد تصبح نقمة إذا جرى التعامل معها باعتبارها نجاحًا مكتملًا لا حلًا اضطراريًا. لأن الحرب لا ترفع فقط مخاطر الإلغاء والتأخير، بل ترفع أيضًا أسعار الوقود، وتربك حركة الطائرات، وتضغط على الطواقم، وتضعف الطلب، وتدفع بعض المسافرين أصلًا إلى تأجيل السفر. ومع تعليق أو تقليص شركات عالمية كبرى لرحلاتها إلى البحرين والمنطقة، فإن العبء على الناقل الوطني يصبح مضاعفًا: تشغيل في بيئة معادية، وتسويق في سوق خائفة، وتحمل كلفة في وقت تتآكل فيه الهوامش.
المشكلة الأعمق أن الناقل الوطني في دولة صغيرة لا يملك رفاهية الخطأ. شركات الطيران الكبرى قد تتضرر ثم تمتص الصدمة بحجمها وتحالفاتها واحتياطاتها. أما شركة مثل طيران الخليج، فكل اضطراب طويل يضغط مباشرة على نموذجها: مركزها التشغيلي، ربطها العابر، ثقة المسافر، وتنافسيتها أمام ناقلات أكبر وأغنى. لهذا فإن أي قرار في هذه المرحلة لا يجب أن يُقرأ كقرار تشغيلي فقط، بل كقرار اقتصادي ووطني في آن واحد.
ومع ذلك، يجب أن نكون منصفين: ما قامت به الشركة حتى الآن يعكس عقلية إدارة أزمة لا عقلية انتظار. تعليق العمليات حين استلزمت السلامة ذلك، ثم تقديم إعادة حجز ورد مبالغ، ثم بناء جسر تشغيلي عبر الدمام، كلها مؤشرات على أن الشركة حاولت تقليل الضرر بدل الاكتفاء بإعلان العجز. هذا جيد. لكن الجيد لا يكفي وحده. المطلوب الآن هو اتصال أكثر كثافة وشفافية، وتحديثات أسرع، وتبسيط أكبر لتجربة المسافر، لأن المسافر في زمن الحرب لا يريد فقط مقعدًا، بل يريد وضوحًا وطمأنينة وشعورًا بأن أحدًا يمسك بالدفة.
الخلاصة أن ما فعلته طيران الخليج حتى الآن ليس انتصارًا ولا فشلًا؛ بل هو مناورة بقاء. وقد تتحول هذه المناورة إلى نعمة إذا نجحت الشركة في حماية الثقة، وتقليل الفوضى، وإبقاء البحرين على خريطة الحركة ولو بأقل الإمكانات. لكنها ستصبح نقمة إذا طال أمد الحرب، وارتفعت الكلفة، وتآكلت تجربة المسافر، وتحولت الحلول المؤقتة إلى واقع دائم.
في الطيران، كما في السياسة، ليست المشكلة أن تعبر العاصفة؛ المشكلة أن تخرج منها وقد فقدت جمهورك. واليوم، التحدي الحقيقي أمام طيران الخليج ليس فقط أن تُسيّر رحلة، بل أن تُثبت أن الناقل الوطني يمكنه أن يبقى واقفًا حين تجلس المنطقة كلها في صالة الانتظار.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك