الحوار والروتين.. مفاتيح حماية نفسية الأطفال
تعرض الأطفال المفرط للأخبار يزيد القلق
كتبت: ياسمين العقيدات
أكد عدد من المختصين في المجال النفسي والإرشادي، أن الأسرة والمدرسة والمجتمع يشكلون الركائز الأساسية لدعم الصحة النفسية للأطفال، وخصوصاً خلال فترات الأزمات والظروف غير المستقرة.
وأشار المختصون لـ«أخبار الخليج» إلى أن الأطفال يستمدون شعورهم بالأمان والطمأنينة من استقرار البيئة المحيطة بهم، وأن الطريقة التي يدير بها الوالدان المشاعر داخل المنزل، إلى جانب أسلوب المدرسة في التعامل مع الطلبة، تلعب دوراً محورياً في تعزيز قدرة الطفل على التكيف النفسي والتعامل مع الضغوط. وأجمعوا على أن من أهم الإجراءات العملية: الحفاظ على الروتين اليومي، إتاحة مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، تعزيز الحوار المفتوح داخل الأسرة، تحويل الطاقة السلبية إلى أفعال بنّاءة، إدارة النزاعات بذكاء، وتقليل التعرض المفرط للأخبار المقلقة، مع مراعاة الفروق العمرية للأطفال في تقديم المعلومات والدعم النفسي.
دور الأسرة والمدرسة
أكدت ليلى علي عبد العزيز، مرشدة اجتماعية، أن الأزمات والظروف غير المستقرة تعد من التحديات التي قد تؤثر بشكل مباشر في الصحة النفسية للأطفال، وخصوصاً في ظل الانفتاح الإعلامي وسرعة تداول الأخبار عبر المنصات الرقمية، مشيرة إلى أن دور الأسرة والمدرسة والمجتمع يبرز في هذه الظروف لتوفير بيئة آمنة تساعد الطفل على التكيف النفسي والتعامل مع الضغوط بطريقة صحية ومتوازنة.
وأوضحت أن من أهم الإجراءات التي ينبغي اتباعها هو الحفاظ على قدر من الاستقرار في حياة الطفل، مبينة أن الروتين اليومي مثل أوقات النوم والدراسة واللعب يمنح الأطفال شعوراً بالأمان، إلى جانب أهمية إتاحة مساحة لهم للتعبير عن مشاعرهم والاستماع إليهم من دون التقليل من مخاوفهم. كما شددت على ضرورة تقديم المعلومات للأطفال بطريقة مبسطة تتناسب مع أعمارهم، مع تجنب الإفراط في التفاصيل أو تعريضهم المتكرر للأخبار، لما لذلك من تأثير في زيادة القلق لديهم.
وأضافت أن المدرسة تلعب دوراً أساسياً في دعم الصحة النفسية للطلبة من خلال الأنشطة الإرشادية والتربوية التي تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم بشكل إيجابي، مؤكدة أن التعاون المستمر بين المدرسة والأسرة يعزز من فعالية هذا الدعم، إلى جانب أهمية نشر الرسائل التوعوية الإيجابية عبر المؤسسات المجتمعية والإعلامية لتعزيز الطمأنينة لدى الأطفال.
وأشارت إلى أهمية تعليم الأطفال مهارات التعامل الواعي مع المعلومات، من خلال توجيههم للتحقق من مصادرها وعدم الانسياق وراء الشائعات، مع تشجيعهم على مناقشة ما يشاهدونه أو يسمعونه لتقليل القلق وتصحيح المفاهيم. كما لفتت إلى أن سلوك الأهل يمثل نموذجاً مهماً في كيفية التعامل مع الأزمات، حيث يعزز الهدوء وإدارة المشاعر بشكل متوازن شعور الأطفال بالأمان.
احتواء القلق
والصدمات النفسية
أكدت الدكتورة عائشة الشيخ، استشارية نفسية، أن التعامل مع الصدمات النفسية والقلق الجماعي في أوقات الأزمات يبدأ بفهم أن مشاعر الخوف والقلق والارتباك تعد استجابة إنسانية طبيعية عند الشعور بتهديد الأمان، مشددة على أهمية عدم تجاهل هذه المشاعر بل احتوائها والتعامل معها بلطف مع النفس ومع الأطفال. وأوضحت أن أولى الاستراتيجيات للتعامل مع الصدمات النفسية تكمن في الاعتراف بالمشاعر وعدم إنكارها أو التقليل منها، لما لذلك من دور في منح الدماغ رسالة أمان، إلى جانب أهمية الحفاظ على الروتين اليومي حتى وإن كان بسيطاً لما يوفره من شعور بالاستقرار، مع تقليل التعرض المستمر للأخبار والحرص على أوقات النوم والطعام وتعزيز التقارب مع العائلة والأصدقاء، مشيرة إلى أن الأطفال يحتاجون إلى حضور الكبار الهادئ أكثر من حاجتهم إلى تفسيرات معقدة.
وأضافت أن القلق يمكن تحويله إلى طاقة إيجابية من خلال توجيهه نحو أفعال مفيدة، مثل العناية بالنفس أو دعم الآخرين أو تنظيم اليوم، مبينة أن الأنشطة البسيطة كالمشي أو الكتابة أو الرسم أو مساعدة الأطفال تسهم في تحويل القلق إلى طاقة بناءة.
ولفتت إلى وجود علامات تحذيرية تستدعي تدخل مختص، مثل الكوابيس المتكررة، أو الخوف الشديد من النوم، أو الانسحاب من العائلة، أو نوبات الغضب والبكاء غير المعتادة، أو الشكاوى الجسدية المتكررة، أو التراجع السلوكي والدراسي، مؤكدة أن طلب المساعدة في هذه الحالات يعد خطوة واعية لحماية الصحة النفسية.
احتواء المشاعر وإدارة الأزمات داخل الأسرة
أكدت جليلة إسماعيل الخباز، مدير إداري بمركز عائشة يتيم للإرشاد الأسري وأخصائي نفسي وأسري مرخص، أن استقرار الأسرة لا يعتمد فقط على تقديم النصائح، بل يتطلب امتلاك مهارات عملية تسهم في احتواء المشاعر وإدارة الأزمات داخل الأسرة، مشيرة إلى أن من أبرز هذه المهارات تنظيم المشاعر من خلال تسمية المشاعر والاعتراف بها من دون التقليل منها، لما لذلك من دور في تحقيق الهدوء النفسي.
وأوضحت أهمية تنظيم الحوار الأسري وتجنب النقاشات في لحظات الانفعال، مع ضرورة الاتفاق على أوقات مناسبة للحوار، إلى جانب تدريب أفراد الأسرة على تحويل المشاعر القوية مثل الغضب إلى سلوكيات إيجابية كالنشاط البدني أو الكتابة.
وأضافت أن الأطفال يستمدون شعورهم بالأمان من تماسك الوالدين، ما يجعل ضبط انفعالات الكبار أمراً أساسياً، مؤكدة أهمية تقديم معلومات صادقة ومبسطة للأطفال، مع تقليل تعرضهم للأخبار المقلقة، وإشراكهم في أنشطة تساعدهم على تفريغ التوتر.
الأسرة ركيزة الأمان
أكدت خديجة العويناتي، أخصائي نفسي إكلينيكي، أن الأسرة تمثل المصدر الأساسي للأمان النفسي لدى الأطفال خلال فترات التوتر والأزمات، مشيرة إلى أن الطفل يستمد إحساسه بالطمأنينة من استقرار البيئة المحيطة به، وأن طريقة إدارة الوالدين للمشاعر داخل المنزل تنعكس بشكل مباشر على قدرة الأبناء على التكيف مع الظروف المختلفة.
وأوضحت أن العديد من المشكلات لا تنشأ من وجود مشاعر القلق أو الخوف بحد ذاتها، بل من غياب المساحة الآمنة للتعبير عنها، مؤكدة أهمية تشجيع الحوار المفتوح داخل الأسرة، وإتاحة الفرصة للطفل للتعبير عن مشاعره من دون التقليل منها أو تجاهلها، لما لذلك من دور في تعليمه فهم مشاعره وإدارتها بشكل صحي. كما أشارت إلى أن بعض الأطفال قد لا يعبرون عن القلق بالكلام المباشر، وإنما يظهر ذلك من خلال سلوكيات مثل التوتر أو صعوبة النوم أو التعلق الزائد، ما يستدعي انتباه الأهل والتعامل مع هذه المؤشرات بالاحتواء والطمأنة.
وأضافت أن مراعاة الفروق العمرية في التعامل مع الأطفال أمر ضروري، حيث يحتاج الأطفال الصغار إلى رسائل بسيطة تعزز شعورهم بالأمان، مع تقليل تعرضهم للأخبار المقلقة، في حين يمكن تقديم معلومات واقعية للأطفال الأكبر سناً بأسلوب هادئ ومطمئن، مبينة أن الحوار المبسط أفضل من التجنب، لأنه يساعد الطفل على فهم ما يحدث من دون تضخيم المخاوف.
توعية الأطفال
أكدت ليلاء العرادي، اختصاصي إرشاد نفسي وتربوي، أن الخوف الذي قد ينشأ عن الأزمة الحالية يتكون من جزأين، خوف فطري المنشأ يتمثل في الصوت العالي والمفاجئ، وخوف مكتسب ناتج عما يراه الطفل من ردود أفعال الآخرين، مشددة على أن الطفل يمتص ما يحيط به من معطيات ويتعامل مع الأحداث وفق ما يكتسبه ويراه.
وأوضحت أن الخوف الفطري قابل للسيطرة ما دام هناك توجيه سريع للفكر نحو الهدوء والسكينة، لافتة إلى أن التفاعلات البسيطة والدعم المناسب تسهم في إعادة توازن مشاعر الأطفال وتحويل الخوف إلى اطمئنان، بدءًا من تقديم القدوة المتزنة التي تعكس الهدوء في التعامل مع المواقف المفاجئة، إلى جانب أهمية زرع القيم الإيمانية عبر التأكيد بأن الله سبحانه وتعالى معنا وهو يحمينا، مع الحرص على ترديد الأذكار وقراءة السور التي تبعث الطمأنينة في النفس.
وأشارت إلى ضرورة توعية الأطفال بماهية الأحداث الجارية بصورة تتناسب مع أعمارهم، مبينة أن الطفل الذي يشاهد ما يحدث قد يواجه تساؤلات متعددة، الأمر الذي يتطلب تقديم معلومات مبسطة تغذي لديه الحذر من دون إثارة الخوف، مع أهمية تحويل الأجواء المشحونة داخل المنزل إلى بيئة مستقرة من خلال ضبط طبيعة الحديث المتداول وما يُعرض من مرئيات ومسموعات، إضافة إلى إتاحة الفرصة للطفل للتعبير عن مشاعره وفهم ما يدور في ذهنه لاحتوائه وتهدئته، إلى جانب إشغاله بأنشطة نافعة تجمع بين المتعة والفائدة.
وبينت أن للمدارس دورًا محوريًا في تقديم الدعم النفسي للأطفال عبر تعزيز قنوات التواصل مع الأسرة، بما يسهم في تكامل الجهود الداعمة، موضحة أن استمرار التعليم عن بعد لا يلغي أهمية دور المعلم والمرشد والإدارة في دعم الطلبة، حيث يجب أن يكون تواصل المعلم خلال الحصص الدراسية مدروسًا، يوازن بين العملية التعليمية وإتاحة المجال لتفريغ المشاعر من خلال الأنشطة المتنوعة كالرسم والرياضة، في حين يقدم المرشد النفسي دعمًا عبر محتوى إرشادي وتقنيات تساعد على الهدوء مثل التنفس العميق وطرق التعبير عن المشاعر، فضلًا عن تقديم الاستشارات للطلبة وأولياء الأمور والعاملين في المدرسة، بينما يتركز دور الإدارة في وضع سياسات مرنة تدعم جميع أطراف العملية التعليمية لتحقيق مخرجات متوازنة.
وأضافت أن من الضروري الحد من وصول الأطفال إلى الأخبار الرقمية، مع تعليمهم أن ما يصلهم من معلومات عبر المنصات المختلفة قابل للشك ويتطلب التحقق من مصادره الرسمية، مؤكدة أن الثورة الرقمية فرضت التعامل مع الأخبار بوعي ومسؤولية، وأن التفاعل غير المسؤول معها قد يعرّض الطفل للمساءلة القانونية، ما يستدعي عدم تداولها أو التعليق عليها أو حتى المزاح بشأنها.
وأكدت أن الأهل يمثلون صمام الأمان للطفل والمدرسة الأولى في تشكيل سلوكياته، إذ يتعلم منهم كيفية التعامل مع الأحداث من خلال تفاعلهم الفردي ونقلهم للمعلومات وترسيخهم للسلوكيات،

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك