الرضاعة الطبيعية هي حجر الأساس في تغذية الرضع واللبنة الأولى لبناء جسم سليم ومعافى منذ الولادة ولكن عندما يبلغ الطفل عمر ستة أشهر أو قبل ذلك بين عمر الأربعة والستة أشهر تبدأ أهم التحولات في حياته، هكذا بدأ الدكتور الدكتور محمد سلمان المالكي اختصاصي طب الأطفال بمستشفى الإرسالية الأمريكية حديثه معنا عن خطط التغذية الصحيحة للأطفال والرضع واستكمل قائلا «الانتقال من مرحلة الاعتماد الكلي على الحليب إلى اكتشاف عالم الطعام ولنقف هنا عند هذه البداية ولنفكر فيها بعقلية البالغ الذي تعرض عليه تجربة شيء جديد ليس شيئا واحدا وإنما أشياء متعددة تختلف في اللون والطعم والكثافة والرائحة وغيرها من الاختلافات الموجودة بين أنواع الطعام كيف ستكون ردة فعلنا لاستكشاف هذا الكم الكبير والمتنوع من أنواع الطعام وهذا ما يجب ان ننتبه اليه عند البدء في تغذية الرضع والأطفال فهم يمرون بمرحلة الاستكشاف هذه وعليه أن ندرك أن استجابتهم كذلك ستكون مختلفة بين القبول والرفض بين الامتناع والإدمان لنوع واحد أو أكثر من أنواع الاطعمة التي نقدمها لهم وهذه المرحلة الممتدة حتى عمر السنتين ليست مجرد مرحلة تغذية عادية بل هي فترة ترسيخ مبادئ، وكذلك هي الفترة التي يضع فيها الجسم والعقل الأسس الصحية أو الخاطئة التي قد ترافق الإنسان طوال حياته».
واضاف الدكتور سلمان تشير منظمة الصحة العالمية الى أن السنوات الأولى من العمر تمثل نافذة حاسمة في النمو، حيث يتطور الدماغ بشكل سريع خلال هذه الفترة ويحتاج خلالها الطفل الى تغذية سليمة ومتوازنة توفر له الطاقة والعناصر الأساسية كما أنها ترسخ العادات الغذائية عند الطفل من استحباب ورفض وتقبل وامتناع لأنواع معينة من الطعام تبقى ثابتة وعالقة في مخيلة الطفل طوال حياته، لذلك فإن نوعية الطعام الذي يحصل عليه الطفل في هذه المرحلة قد تؤثر على جهازه المناعي، ونموه الجسدي، وحتى قدراته الذهنية في المستقبل.
ولفت الى أهمية الغذاء الصحي للأطفال في قدرتها على دعم تطور الدماغ والجهاز العصبي وتقوية جهاز المناعة وتقليل خطر الاصابة بفقر الدم الناتج عن نقص العناصر الأساسية مثل الحديد إضافة الى المساهمة في الوقاية من الأمراض ومنها السمنة في مراحل لاحقة من الحياة.
عند بلوغ الطفل عمر ستة أشهر تزداد احتياجات الطفل للتغذية، وخصوصا لبعض العناصر المهمة مثل الحديد والزنك بالإضافة الى البروتين والكربوهيدرات والدهون الصحية والعديد من الفيتامينات والمعادن الضرورية وهنا تبدأ أهمية إدخال الأغذية التكميلية بشكل تدريجي ومدروس مع الاستمرار في الرضاعة الطبيعية قدر الإمكان، لكن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الكثير من الأسر اليوم هو اختيار الغذاء المناسب واكرر هنا ان المشكلة تكمن في اختيار الغذاء المناسب ، فمع انشغال الام في العمل خارج المنزل بعيدا عن الطفل ولفترات طويلة وتعدد كثرة المنتجات الغذائية في الأسواق باختلاف انواعها و مصادرها وتفاوت اسعارها اصبح اختيار الغذاء المناسب امرا صعبا واصبحنا نواجه مشكلة حقيقية في اختيار الغذاء للطفل في هذه المرحلة الحساسة من عمره وهنا اود ان اوضح انه من الضروري التركيز على مبادئ اساسية في تغذية الرضع والأطفال:
* الاعتماد على الاغذية والمكونات الطبيعية وتجنب الاغذية المصنعة. * تجنب الاطعمة ذات الإضافات الصناعية غير الضرورية مثل الالوان والمنكهات الصناعية والمواد الحافظة.
* التدرج في قوام الطعام يساعد على تطوير مهارات المضغ حيث انه من المهم ان يكون قوام الطعام مناسبا لعمر وقدرة الطفل على المضغ والبلع وعادتا ما تكون الوجبات الاولى مهروسة وناعمة وبعدها تدريجيا تزداد سماكة القوام ومع تقدم العمر يتم تقديم قطع صغيرة من الطعام مما يساعد الطفل على تطوير مهارات المضغ ويعزز استقلالية الطفل في تناول الطعام.
* توفير توازن غذائي يدعم ويساعد النمو وبناء الجسم، والمقصود بالتوازن الغذائي هو ان تحتوي الوجبات على العناصر الاساسية التي يحتاج اليها الطفل.
* الابتعاد عن السكر والملح وتقديم الطعام بطعمه الطبيعي دون اي إضافات للسكر أو الملح في السنوات الأولى من عمر الطفل مما يساعد على تطوير العادات الغذائية الصحية وتقلل من خطر الاصابة بزيادة الوزن والسمنة والأمراض المرتبطة بالتغذية لاحقا.
إن بناء علاقة صحية بين الطفل والغذاء يبدأ منذ هذه المرحلة المبكرة فالطفل الذي يتعرف على الطعام الطبيعي والمتوازن منذ الصغر يكتسب هذه العادات الغذائية الجيدة وتستمر معه في المستقبل على العكس فأن الطفل الذي يتعرف على السكريات والملح والمواد المنكهة والاضافات على الاطعمة فانه يكتسب عادات غذائية سيئة ويبدأ الجسم مرحلة ادمان السكريات وغيرها من العناصر المضافة وتستمر معه للكبر. كذلك ان التغذية الجيدة في السنوات الأولى لا تؤثر فقط على النمو الجسدي والعقلي بل تمتد لا كثر من ذلك في تعزيز المناعة وتطوير قدرات الاطفال على التعلم والتطور واكتساب المهارات.
ان الاهتمام بتغذية الأطفال في أول عامين من العمر مهم جدا وليس مجرد مسألة اطعام يومية بل يمثل استثمار حقيقي في صحة الأجيال القادمة ويعزز العادات الغذائية ويقلل من خطر الامراض ويكسبهم المناعة ضدالامراض.
على الرغم من ان جميع الأطفال يولدون وهم يحملون العديد من الصفات الوراثية وهذا ما قد يعزيه البعض في حدوث بعض الأمراض ومنها السمنة التي يقرنها بتوفر الجينات الوراثية ولكن يبقى تأثير المحيط الخارجي او ما يسمى (Epigenetic) عامل اساسي في ترسيخ أو تحييد العامل الجيني والوراثي فليس كل ابناء الاباء والامهات المصابين بالسمنة بالضرورة ان يعاني من السمنة ايضا وهنا تكون مرحلة السنتين الأولى من عمر الطفل من أهم مراحل النمو واكتساب العادات الغذائية التي ستؤثر مستقبلا على الطفل فخلال هذه الفترة من مرحلة النمو والتطور البدني والنفسي السريعة سيكون الطفل بحاجة الى تغذية متوازنة تدعم هذا النمو الجسدي والعقلي وايضا تبني عاداته الغذائية فيجب ان نهتم بإدخال الاغذية التكميلية بشكل تدريجي والتركيز على الأطعمة الطبيعية والغنية بالعناصر الغذائية الأساسية والخالية من الإضافات الصناعية والمعتمدة كليا على مكونات طبيعية توفر التوازن الضروري للنمو وتركز على تعريف الطفل على النكهات الطبيعية. وفي الختام أشار الدكتور سلمان الى ان مسؤولية بناء عادات غذائية صحية لا تقع على نوعية الطعام فقط، بل تشمل أيضا البيئة الأسرية وطريقة تقديم الطعام للطفل فالأطفال يتعلمون من عادات الأسرة، ولذلك من المهم أن تكون أوقات الطعام منظمة وفي بيئة ايجابية مع الاستمرار في تشجيع الطفل على تجربة أطعمة جديدة ومتنوعة ولكن دون إجبار. وهنا يظهر دور الاسرة الكبير والمحوري في بناء هذه العادات الغذائية الصحية والسليمة عند الأطفال والتي تستمر معهم لاحقا خلال حياتهم وتمثل الركيزة الاولى والاساسية في تجنبهم العديد من الأمراض. إن بناء نظام غذائي صحي للأطفال في هذه المرحلة المبكرة يمثل خطوة اساسية نحو تعزيز الصحة العامة للمجتمع فالأطفال الذين يحصلون على تغذية متوازنة وطبيعية خلال سنواتهم الأولى يتمتعون بفرص أفضل للنمو السليم والتطور المعرفي والصحة المستدامة في المستقبل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك