مقولة «أول ما يموت خلال الحرب هو الحقيقة»، مقولة معروفة وصحيحة الى حد كبير كما يؤكد الخبير العقاري أشرف علام، حيث يصعب معرفة الحقيقة حتى من خلال وسائل التواصل وغيرها.
ولكن ما علاقة ذلك بالقطاع العقاري؟
يشرح أشرف علام ذلك من واقع خبرته الطويلة في سوق دبي العقاري والتي تمتد لعشرين عاما قائلا: بعيدا عن الشائعات الحروب الإعلامية، يمكن طرح سؤال مهم: لماذا سوق دبي صامد حتى الان وبقوة ولم يحدث شيء كما حدث إبان أزمة الرهن العقاري عام 2008؟ لماذا لم يشهد القطاع أي اهتزازات تذكر، وتسير الأمور بشكل عادي. لماذا لم يغادر المقيمون والمستثمرون دبي أو الامارات؟
في الواقع، يختلف الوضع حاليا عن الازمات السابقة سواء عام 2008 أو ما بعدها من أزمات. فمثلا لا يمكن مقارنة دبي اليوم كدبي عام 2008، حين كانت دبي تعتبر ناشئة ذلك الوقت، والسوق العقاري جديد الى حد ما، واغلب المقيمين كانوا حديثي عهد بالمدينة ولم يتخذوها مقرا دائما لإقامتهم. لذلك عندما بدأت الازمة، كان أول إجراء اتخذته الشركات هو التخلي عن نسبة من العاملين فيها. وهؤلاء كان لديهم التزامات وقروض وأقساط. وهؤلاء تركوا كل شيء خلفهم وغادروا.
ولكن الوضع حاليا مختلف تماما. فنسبة تسريح الموظفين صفر، ولا توجد شركة تخلت عن موظف واحد. بل سمحت الشركات للموظفين بالعمل عن بعد.
الأمر الآخر، أن دبي استقرت وصارت مدينة ناضجة، والقطاع وصل الى مراحل متقدمة من الاستقرار والنضج، وهذا ما شجع اعدادا كبيرة على اتخاذ قرار السكن الدائم فيها، وذلك لعوامل عدة أهمها الإحساس بالأمان.
وهذا ما يقود الى سؤال آخر، أين هو الأمان في زمن الحروب؟
هنا -يتابع أشرف علام- يجب الإشارة الى ان مفهوم الأمان بالنسبة للمقيمين يأخذ أبعادا أخرى، فالأمان الذي ينشده الشخص ويجده في دبي قد لا يجده في أي مدينة أخرى. الشخص مثلا يترك منزله ويتجه الى عمله وهو آمن، بل يترك باب شقته او فلته من دون قفل ولا يقلق عليها.
وكذلك الامر بالنسبة للسيارات، يمكن تركها تعمل في وسط الشارع دون الخشية عليها او على ما فيها. وهو وضع لا يقارن باي مدينة أخرى.
ويعزز ذلك الإحساس بالأمان من قبل الشرطة ووزارة الداخلية، وبأن الشخص محمي من قبل الجهات المعنية بشكل لا يوجد في أي مدينة أخرى. ومن أبعاد ذلك ان أي شخص لا يمتلك الجرأة على مخالفة القانون، ويعلم انه مراقب في كل لحظة، وأي خطا مصيره العقوبة او الترحيل.
أضف الى ذلك، أن النساء والأطفال هم أكثر افراد المجتمع احتياجا للشعور بالأمان. وفي دبي يمكن للمرأة او الطفل السير في الطرقات بأي وقت من اليوم بكل أمان.
وهناك جانب لا يقل أهمية وهو سهولة الحصول على أي خدمة حكومية بسهولة وسرعة لا يمكن تخيلها. وسهولة الحياة معيار هام للأفراد.
والأهم من ذلك كله والذي يعتبر سببا رئيسيا في صمود القطاع من جانب، وعدم خروج المقيمين من جانب اخر، هو مستوى الشفافية والمصداقية والثقة الموجودة، حيث يصدق الجميع ما تقوله الحكومة، ويثقون بالتعامل معها ويحبونها. وهي حالة نادرة بهذا المستوى.
وكل هذه المميزات غير موجودة حتى في أوروبا، حيث يشعر الشخص بكرامته وانسانيته وانه محمي. وكل ذلك شجع الجميع على البقاء وعدم التفكير في السفر خارج الإمارات.
ومن جانب اخر، تعتمد وزارة الداخلية في حالة وجود مخاطر على رسائل نصية فقط ترسل للجميع وتشير إلى ان هناك احتمالية مخاطر ويرجى البقاء في المنازل حتى وصول رسالة أخرى مطمئنة. وهذا ما يجعل الحياة والحركة شبه اعتيادية.
الخلاصة ان المقيمين في دبي يشعرون أنهم من أهل البلد، يحبونها ويشعرون بالأمان فيها وليسوا مستعدون لمغادرتها حتى في الازمات.
والسؤال هنا: كيف انعكس ذلك على القطاع العقاري بدبي؟
أول ما يمكن التأكيد عليه هو ان الأسعار لم تتأثر تماما، سواء العقارات الجاهزة او تلك التي تحت الانشاء. نعم ربما قل عدد المعاملات العقارية، وهذا أمر طبيعي. ولكن عند مقارنة الأرقام خلال الأيام الـ12 الأولى من يناير وفبراير ومارس لهذا العام 2026، نجد أن سوق العقارات تحت الانشاء، أنجزت حوالي 3000 صفقة عقارية من مطورين عقاريين خلال اول 12 يوما من شهر مارس الجاري. وهو اقل 37% من نفس الفترة في فبراير حيث كانت 5334 معاملة. ولكن نجد ان قيمة المعاملات لصفقات مارس كانت أعلى منها في فبراير بنسبة 3%. صحيح ان العقود تحت الانشاء قد لا تكون معيارا أساسيا على اعتبار انها ليست جديدة، ولكن لو كانت هناك حالة من الخوف والقلق لدفعت الكثيرين الى التوقف وإلغاء العقود.
المؤشر الأكثر أهمية هنا هو سوق إعادة البيع وسوق الايجارات، فهو المقياس الحقيقي. فطالما الإيجارات والمعاملات مستمرة، لن يحدث الانهيار في أي سوق.
وعندما ننظر الى الأرقام المتعلقة بسوق إعادة البيع خلال اول 12 يوما من شهر مارس، نجد ان هناك 1655 صفقة، وهذا ما يعني هبوطا بلغ 40% عن نفس الفترة من شهر فبراير، وقيمة الصفقات نزلت 24%. الا ان الامر الهام هنا أن المكاسب التي حققها البائع بلغت نسبا عاليا، ووصلت في بعض الأحيان 255%. وكذلك أسعار الفلل شهدت أرقاما كبيرة بلغت في بعض الحالات 80 مليون درهم وحقق مالكها مكسبا بلغ 142%. والميزة هنا هو سرعة انجاز المعاملات في هذه العقارات في فترات قد لا تزيد عن 48 ساعة. لو كانت هناك مشكلة تتعلق بالقلق من السوق لتراجع أو تردد الكثير من المستثمرين او المشترين او حتى البائعين عن هذه الصفقات.
أما بالنسبة للعقارات التي تخطت قيمتها المليون دولار، فعددها أكبر بكثير من الأقل من المليون. ولم تنخفض الأسعار أبدا. وهذا ما يعطي مؤشرا ان المستثمرين الأكبر هم أكثر ثقة بالسوق من صغار المستثمرين الذين ربما يقلقون او يترقبون.
ما يمكن تأكيده هو ان السوق متماسك ولن يشهد إشكاليات حقيقية كما الازمات السابقة. وهناك حالة من الاطمئنان والثقة من قبل المقيمين والمستثمرين. فالتاريخ يؤكد ان دولة الامارات ودبي تحديدا تخرج بعد أي أزمة تمر بها بشكل اقوى، والاسعار أعلى. وما حدث ويحدث الان هو لمصحة دبي، حيث ستثبت للعالم أنها فعلا مكانا امنا ومستقرا للاستثمار. والمقيمين فيها يعتبرونها وطنهم. وهذا ما يرفع ثقة العالم بدبي بشكل أكبر مستقبلا.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك