حين يقفز سعر النفط خلال بضعة أيام إلى أكثر من عشرين في المائة، لا يكون الأمر مجرد حركة في الأسواق، بل إشارة إلى أن النظام الاقتصادي العالمي دخل منطقة اضطراب جديدة.
فأسواق الطاقة ليست مجرد أسواق سلعية عادية، بل أحد الأعمدة التي يقوم عليها الاستقرار الاقتصادي العالمي. ولهذا فإن الحديث عن احتمال قيام دول مجموعة السبع، بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة، بالإفراج عن جزء من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية ليس مجرد خبر تقني، بل هو مؤشر واضح على مستوى القلق الذي يخيِّم على صناع القرار في الاقتصاد العالمي، وهو ما يمكن أن يناقشه وزراء مالية دول مجموعة السبع (G7) خلال اجتماع طارئ الإثنين الموافق 9 مارس 2026م للوصول إلى إمكانية القيام بإطلاقٍ مشتركٍ للنفط من الاحتياطيات الاستراتيجية، بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة يتراوح بين 300 و400 مليون برميل – أي ما يعادل 25 إلى 30 في المائة من إجمالي الاحتياطي البالغ 1.2 مليار برميل، يهدف إلى معالجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط بعد اندلاع الصراع في الخليج.
إن التفكير في الإفراج عن مئات الملايين من البراميل من الاحتياطيات الاستراتيجية يعني أن الدول الصناعية الكبرى بدأت تنظر إلى الأزمة الحالية باعتبارها صدمة طاقة محتملة، وليس مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار.
فالاحتياطيات الاستراتيجية لم تُنشأ أصلاً إلا لمواجهة الأزمات الكبرى التي قد تهدد استقرار الإمدادات العالمية.
ولعل المفارقة التاريخية أن هذه الاحتياطيات نفسها نشأت نتيجة الصدمة النفطية الكبرى عام 1973، حين أدى الحظر النفطي العربي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل غير مسبوق، وتسبب في ركود اقتصادي وتضخم مرتفع في الدول الصناعية. وقد كان ذلك الحدث أحد أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ الاقتصاد العالمي، لأنه كشف لأول مرة أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى أداة جيوسياسية قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة الدولية.
اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، يبدو أن العالم يواجه احتمال العودة إلى مناخ مشابه، وإن في ظروف مختلفة.
فالحرب الدائرة في الخليج لا تهدد منشآت النفط فحسب، بل تهدد شبكة الإمدادات العالمية بأكملها.
ويكفي أن نتذكر أن جزءاً كبيراً من تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، وهو أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن الأسواق لا تخشى فقط توقف الإنتاج، بل تخشى أيضاً تعطّل النقل البحري وارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر الجيوسياسية، وهي عوامل قد تجعل تسليم النفط إلى الأسواق أكثر صعوبة حتى لو استمر الإنتاج. لكن خطورة ارتفاع أسعار النفط لا تقف عند حدود سوق الطاقة.
فالتاريخ الاقتصادي يبين أن كل موجة تضخم كبرى خلال العقود الماضية ارتبطت بصدمة في أسعار الطاقة. فالنفط لا يدخل فقط في تشغيل المصانع ووسائل النقل، بل يؤثر أيضاً في أسعار الغذاء والسلع الأساسية وفي تكاليف الإنتاج والنقل عبر الاقتصاد العالمي بأكمله.
ومن هنا يخشى الاقتصاديون من أن يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى موجة تضخمية جديدة في الاقتصاد العالمي، في وقت لم تتعاف فيه الاقتصادات الكبرى بالكامل من آثار التضخم المرتفع في السنوات الأخيرة.
وإذا حدث ذلك، فقد تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة فترة أطول، الأمر الذي قد يبطئ النمو الاقتصادي العالمي.
وتبرز في هذا السياق مفارقة مهمة: فالدول الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار النفط ليست الدول المنتجة له، بل الدول الصناعية الكبرى والدول الآسيوية المستوردة للطاقة مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
فهذه الاقتصادات تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط لتغذية صناعاتها الضخمة، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي ارتفاع حاد في الأسعار.
أما بالنسبة إلى الدول العربية، فإن الأزمة تحمل وجهاً مزدوجاً. فمن ناحية قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تعزيز العوائد المالية للدول المصدّرة للطاقة في الخليج، ومنحها هامشاً أكبر من القوة الاقتصادية. لكن من ناحية أخرى فإن استمرار الحرب أو توسعها قد يعرض البنية التحتية للطاقة والممرات البحرية في المنطقة لمخاطر كبيرة، وهو ما قد يضع المنطقة بأكملها في قلب اضطراب اقتصادي عالمي.
ماذا لو تجاوز سعر النفط 120 دولاراً للبرميل؟ التاريخ الاقتصادي يبين أن تجاوز أسعار النفط مستوى 120 دولاراً للبرميل غالباً ما يشكل نقطة تحوّل في الاقتصاد العالمي. فهذه المستويات لا تعني مجرد ارتفاع في أسعار الطاقة، بل تعني انتقال الاقتصاد العالمي إلى مرحلة تضخم مرتفع وتباطؤ في النمو، وهو ما يسميه الاقتصاديون أحياناً الركود التضخمي.
ففي عام 2008، عندما اقترب النفط من مستوى 147 دولاراً للبرميل، بدأت الضغوط تتراكم على الاقتصاد العالمي قبل أن تنفجر الأزمة المالية العالمية. وفي عام 2022 أدى ارتفاع أسعار الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا إلى موجة تضخم دفعت البنوك المركزية الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة بأسرع وتيرة منذ عقود.
وإذا استمرت الحرب في الخليج أو توسعت رقعتها، فقد يصبح تجاوز هذا المستوى احتمالاً قائماً، خصوصاً إذا تأثرت حركة الملاحة في مضيق هرمز أو ارتفعت تكاليف التأمين والنقل البحري.
وعندها قد يجد العالم نفسه أمام سلسلة من التداعيات المتشابكة، من بينها ارتفاع تكاليف النقل والشحن العالمي، وزيادة أسعار الغذاء والسلع الأساسية، وتباطؤ الاستثمار والإنتاج الصناعي، فضلاً عن ضغوط إضافية على الاقتصادات الناشئة والدول الفقيرة.
وبعبارة أخرى، فإن النفط عند هذه المستويات يتحول من مجرد عامل اقتصادي إلى محرك رئيسي للتقلبات في النظام الاقتصادي العالمي.
هل يستطيع العالم الاستغناء عن نفط الخليج؟ على الرغم من الحديث المتزايد عن التحول نحو الطاقة المتجددة، فإن الواقع يشير إلى أن نفط الخليج مازال يحتل موقعاً مركزياً في منظومة الطاقة العالمية.
فدول الخليج تمتلك أكبر احتياطيات النفط التقليدي منخفض التكلفة في العالم، كما أنها قادرة على زيادة الإنتاج بسرعة أكبر من معظم المنتجين الآخرين.
وتشير تقديرات أسواق الطاقة إلى أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، تسهم بجزء مهم من الإمدادات العالمية، إضافة إلى امتلاكها جزءاً كبيراً من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية التي يمكن استخدامها عند حدوث أزمات في السوق.
أما العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة فهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية يومياً. ولهذا فإن أي اضطراب كبير في هذا الممر البحري قد يؤدي إلى صدمة فورية في الأسواق العالمية.
ولهذا السبب فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العالم سيستغني عن نفط الخليج، بل متى وكيف يمكن تقليل الاعتماد عليه.
فعملية التحول في أنظمة الطاقة العالمية تحتاج إلى عقود من الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية، وهو ما يعني أن النفط سيظل، في المستقبل المنظور على الأقل، أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد العالمي.
أخيراً.. وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الأزمة الحالية تذكيراً صارخاً بحقيقة قديمة في الاقتصاد السياسي للطاقة: أن النفط ليس مجرد سلعة اقتصادية، بل هو عنصر مركزي في معادلة القوة العالمية.
فحين ترتفع أسعاره بشكل حاد لا تتأثر ميزانيات الدول فقط، بل تتغير أيضاً حسابات السياسة الدولية والاستراتيجيات الاقتصادية للدول الكبرى. ومن هنا فإن ما يحدث اليوم في أسواق النفط قد لا يكون مجرد تقلب في الأسعار، بل إشارة إلى مرحلة جديدة من التوتر في العلاقة بين الطاقة والاقتصاد والجغرافيا السياسية.
ففي النهاية، يظل الدرس الذي يتكرر عبر التاريخ الاقتصادي واضحًا وجليًّا فحواه أنه كلما اهتزت أسواق الطاقة، اهتزَّ معها الاقتصاد العالمي بأكمله.
* مدير جامعة أم القيوين سابقًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك