العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

مقالات

النفط كسلاح جيوسياسي.. هل يعود العالم إلى صدمة 1973؟

بقلم: الدكتور جلال حاتم.

الثلاثاء ١٠ مارس ٢٠٢٦ - 02:52

حين‭ ‬يقفز‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬خلال‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬في‭ ‬المائة،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬حركة‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬بل‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬دخل‭ ‬منطقة‭ ‬اضطراب‭ ‬جديدة‭. ‬

فأسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أسواق‭ ‬سلعية‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬أحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬قيام‭ ‬دول‭ ‬مجموعة‭ ‬السبع،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة،‭ ‬بالإفراج‭ ‬عن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬احتياطياتها‭ ‬النفطية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬تقني،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مؤشر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬يخيِّم‭ ‬على‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يناقشه‭ ‬وزراء‭ ‬مالية‭ ‬دول‭ ‬مجموعة‭ ‬السبع‭ (‬G7‭) ‬خلال‭ ‬اجتماع‭ ‬طارئ‭ ‬الإثنين‭ ‬الموافق‭ ‬9‭ ‬مارس‭ ‬2026م‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬القيام‭ ‬بإطلاقٍ‭ ‬مشتركٍ‭ ‬للنفط‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬300‭ ‬و400‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬–‭  ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬25‭ ‬إلى‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الاحتياطي‭ ‬البالغ‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬برميل،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬الارتفاع‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الخليج‭. ‬

إن‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البراميل‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬بدأت‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬باعتبارها‭ ‬صدمة‭ ‬طاقة‭ ‬محتملة،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬ارتفاع‭ ‬مؤقت‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

فالاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لم‭ ‬تُنشأ‭ ‬أصلاً‭ ‬إلا‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬استقرار‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭.‬

ولعل‭ ‬المفارقة‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬نفسها‭ ‬نشأت‭ ‬نتيجة‭ ‬الصدمة‭ ‬النفطية‭ ‬الكبرى‭ ‬عام‭ ‬1973،‭ ‬حين‭ ‬أدى‭ ‬الحظر‭ ‬النفطي‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬وتسبب‭ ‬في‭ ‬ركود‭ ‬اقتصادي‭ ‬وتضخم‭ ‬مرتفع‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬اللحظات‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬لأنه‭ ‬كشف‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬الطاقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬الدولية‭.‬

اليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يواجه‭ ‬احتمال‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مناخ‭ ‬مشابه،‭ ‬وإن‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬مختلفة‭. ‬

فالحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬تهدد‭ ‬منشآت‭ ‬النفط‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تهدد‭ ‬شبكة‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭ ‬بأكملها‭. ‬

ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬فقط‭ ‬توقف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬تخشى‭ ‬أيضاً‭ ‬تعطّل‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬والمخاطر‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬تسليم‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬استمر‭ ‬الإنتاج‭. ‬لكن‭ ‬خطورة‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭. ‬

فالتاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يبين‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬موجة‭ ‬تضخم‭ ‬كبرى‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬ارتبطت‭ ‬بصدمة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭. ‬فالنفط‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تشغيل‭ ‬المصانع‭ ‬ووسائل‭ ‬النقل،‭ ‬بل‭ ‬يؤثر‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬والسلع‭ ‬الأساسية‭ ‬وفي‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل‭ ‬عبر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يخشى‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬تضخمية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬تتعاف‭ ‬فيه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬التضخم‭ ‬المرتفع‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬

وإذا‭ ‬حدث‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬تجد‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬إبقاء‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬فترة‭ ‬أطول،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يبطئ‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

وتبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬مفارقة‭ ‬مهمة‭: ‬فالدول‭ ‬الأكثر‭ ‬تضرراً‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬ليست‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬والدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬المستوردة‭ ‬للطاقة‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭. ‬

فهذه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬استيراد‭ ‬النفط‭ ‬لتغذية‭ ‬صناعاتها‭ ‬الضخمة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬لأي‭ ‬ارتفاع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬فإن‭ ‬الأزمة‭ ‬تحمل‭ ‬وجهاً‭ ‬مزدوجاً‭. ‬فمن‭ ‬ناحية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬العوائد‭ ‬المالية‭ ‬للدول‭ ‬المصدّرة‭ ‬للطاقة‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬ومنحها‭ ‬هامشاً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬توسعها‭ ‬قد‭ ‬يعرض‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لمخاطر‭ ‬كبيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يضع‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬اضطراب‭ ‬اقتصادي‭ ‬عالمي‭. ‬

ماذا‭ ‬لو‭ ‬تجاوز‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬120‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل؟‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يبين‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬مستوى‭ ‬120‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فهذه‭ ‬المستويات‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬مجرد‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬انتقال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تضخم‭ ‬مرتفع‭ ‬وتباطؤ‭ ‬في‭ ‬النمو،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬أحياناً‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭.‬

ففي‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬عندما‭ ‬اقترب‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬147‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬بدأت‭ ‬الضغوط‭ ‬تتراكم‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنفجر‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬أدى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬تضخم‭ ‬دفعت‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬بأسرع‭ ‬وتيرة‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬

وإذا‭ ‬استمرت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬أو‭ ‬توسعت‭ ‬رقعتها،‭ ‬فقد‭ ‬يصبح‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬احتمالاً‭ ‬قائماً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬تأثرت‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬ارتفعت‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬والنقل‭ ‬البحري‭. ‬

وعندها‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬العالم‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬المتشابكة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والشحن‭ ‬العالمي،‭ ‬وزيادة‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬والسلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتباطؤ‭ ‬الاستثمار‭ ‬والإنتاج‭ ‬الصناعي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ضغوط‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة‭ ‬والدول‭ ‬الفقيرة‭.‬

وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬النفط‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬عامل‭ ‬اقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬رئيسي‭ ‬للتقلبات‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

هل‭ ‬يستطيع‭ ‬العالم‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬نفط‭ ‬الخليج؟‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬المتزايد‭ ‬عن‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نفط‭ ‬الخليج‭ ‬مازال‭ ‬يحتل‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭. ‬

فدول‭ ‬الخليج‭ ‬تمتلك‭ ‬أكبر‭ ‬احتياطيات‭ ‬النفط‭ ‬التقليدي‭ ‬منخفض‭ ‬التكلفة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬معظم‭ ‬المنتجين‭ ‬الآخرين‭.‬

وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬والكويت‭ ‬والعراق‭ ‬وقطر،‭ ‬تسهم‭ ‬بجزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬امتلاكها‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الاحتياطية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬أزمات‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

أما‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬فهو‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الذي‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬يومياً‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬فورية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬سيستغني‭ ‬عن‭ ‬نفط‭ ‬الخليج،‭ ‬بل‭ ‬متى‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭. ‬

فعملية‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬سيظل،‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المنظور‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬أحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬الأساسية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

أخيراً‭.. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬تبدو‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬تذكيراً‭ ‬صارخاً‭ ‬بحقيقة‭ ‬قديمة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي‭ ‬للطاقة‭: ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عنصر‭ ‬مركزي‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬القوة‭ ‬العالمية‭.‬

فحين‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعاره‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭ ‬لا‭ ‬تتأثر‭ ‬ميزانيات‭ ‬الدول‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تتغير‭ ‬أيضاً‭ ‬حسابات‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدول‭ ‬الكبرى‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬تقلب‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الطاقة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والجغرافيا‭ ‬السياسية‭.‬

ففي‭ ‬النهاية،‭ ‬يظل‭ ‬الدرس‭ ‬الذي‭ ‬يتكرر‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬واضحًا‭ ‬وجليًّا‭ ‬فحواه‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬اهتزت‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬اهتزَّ‭ ‬معها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬

 

‭* ‬مدير‭ ‬جامعة‭ ‬أم‭ ‬القيوين‭ ‬سابقًا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا