العدد : ١٧٥١٨ - الثلاثاء ١٠ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٨ - الثلاثاء ١٠ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ رمضان ١٤٤٧هـ

مقالات

«البحرين بخير.. ما دام إنتوا أهلها»
التطوع في الأزمات.. صورة ناصعة لانتماء أبناء البحرين

بقلم: الدكتور مصطفى السيد.

الثلاثاء ١٠ مارس ٢٠٢٦ - 02:40

‮«‬البحرين‭ ‬بخير‭.. ‬ما‭ ‬دام‭ ‬إنتوا‭ ‬أهلها‮»‬‭ ‬كلمة‭ ‬أطلقها‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬وهو‭ ‬يخاطب‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬والمقيمين‭ ‬فيها،‭ ‬فكانت‭ ‬شعاراً‭ ‬لحملة‭ ‬وطنية‭ ‬للتطوع‭ ‬وفي‭ ‬لوحة‭ ‬وطنية‭ ‬نابضة‭ ‬بروح‭ ‬الانتماء،‭ ‬تعكس‭ ‬أصالة‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬وتلاحمه،‭ ‬شهدت‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬لفتح‭ ‬باب‭ ‬التسجيل‭ ‬للتطوع‭ ‬إقبالًا‭ ‬لافتًا،‭ ‬جسّد‭ ‬بوضوح‭ ‬عمق‭ ‬المسؤولية‭ ‬المشتركة‭ ‬وصدق‭ ‬الانتماء‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن‭ ‬المعطاء،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬وحرص‭ ‬أبناء‭ ‬المجتمع‭ ‬الدائم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬الأولى‭ ‬لخدمة‭ ‬وطنهم،‭ ‬ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬التفاعل‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بقيادة‭ ‬سيدي‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬وبتوجيهات‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬تمضي‭ ‬بثبات‭ ‬نحو‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬التطوع‭ ‬باعتبارها‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬من‭ ‬ركائز‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬ودليلًا‭ ‬حيًا‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭ ‬وتلاحم‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الظروف‭.‬

ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬التطوع‭ ‬لخدمة‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬يمثل‭ ‬إحدى‭ ‬أسمى‭ ‬صور‭ ‬الانتماء‭ ‬والولاء‭ ‬الوطني‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المجتمعية،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬توترات‭ ‬أو‭ ‬تحديات‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمن‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬تتجلى‭ ‬القيم‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمجتمعات،‭ ‬حيث‭ ‬يبرز‭ ‬المواطن‭ ‬الواعي‭ ‬الذي‭ ‬يسارع‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬جهده‭ ‬ووقته‭ ‬لخدمة‭ ‬وطنه‭ ‬ودعم‭ ‬استقراره‭.‬

وفي‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التطوع‭ ‬يومًا‭ ‬أمرًا‭ ‬مستغربًا‭ ‬أو‭ ‬جديدًا‭ ‬على‭ ‬أبنائها،‭ ‬فقد‭ ‬أثبت‭ ‬البحرينيون‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬المحطات‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬التكاتف‭ ‬والتلاحم‭ ‬و«الفزعة‮»‬‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭. ‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬البلاد‭ ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬حين‭ ‬لبّى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬ألف‭ ‬متطوع‭ ‬نداء‭ ‬الوطن،‭ ‬واضعين‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬مجتمعهم،‭ ‬مجسدين‭ ‬أروع‭ ‬صور‭ ‬العطاء‭ ‬والتضحية‭. ‬وقد‭ ‬أطلق‭ ‬المبادرة‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬وبقيادة‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ممثل‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬للأعمال‭ ‬الإنسانية‭ ‬وشؤون‭ ‬الشباب،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حملة‭ ‬‮«‬فينا‭ ‬خير‮»‬‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬نموذجًا‭ ‬ملهمًا‭ ‬للعمل‭ ‬التطوعي‭ ‬المنظم‭.‬

إن‭ ‬التطوع‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬يحقق‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفوائد‭ ‬الوطنية‭ ‬والمجتمعية؛‭ ‬فهو‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬الوطني‭ ‬وتوحيد‭ ‬المجتمع‭ ‬حول‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الوطن‭ ‬وصون‭ ‬استقراره،‭ ‬كما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬الخوف‭ ‬والتوتر‭ ‬والشائعات‭ ‬ويعزز‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭. ‬كذلك‭ ‬يدعم‭ ‬المتطوعون‭ ‬الجهود‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬تبذلها‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬والأمنية،‭ ‬التي‭ ‬تتحمل‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬تحدياتها‭ ‬المختلفة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الجاهزية‭ ‬المجتمعية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الطوارئ،‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعم‭ ‬الجهود‭ ‬التنظيمية‭ ‬والإغاثية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬الأزمات‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬سريع‭ ‬للشائعات‭ ‬والمعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬يمكن‭ ‬للمتطوعين‭ ‬أن‭ ‬يؤدوا‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الوعي‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬المصادر‭ ‬الرسمية‭ ‬للمعلومات،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬فوائد‭ ‬التطوع‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬المتطوع‭ ‬نفسه؛‭ ‬إذ‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬اكتساب‭ ‬مهارات‭ ‬جديدة‭ ‬وخبرات‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة،‭ ‬مثل‭ ‬تنظيم‭ ‬الوقت‭ ‬والتخطيط‭ ‬والادارة‭ ‬والعمل‭ ‬الجماعي‭ ‬وإدارة‭ ‬الموارد‭. ‬كما‭ ‬يساعده‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬قدراته‭ ‬ومواهبه‭ ‬الكامنة،‭ ‬ويمنحه‭ ‬الفرصة‭ ‬لتطوير‭ ‬ذاته‭ ‬ومواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬بثقة‭ ‬أكبر‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يفتح‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬آفاقًا‭ ‬واسعة‭ ‬لبناء‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬أشخاص‭ ‬جدد‭ ‬يجمعهم‭ ‬هدف‭ ‬خدمة‭ ‬الوطن،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬روح‭ ‬التعاون‭ ‬والتكافل‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬يكتسب‭ ‬المتطوع‭ ‬احترام‭ ‬وتقدير‭ ‬المجتمع‭ ‬لما‭ ‬يقدمه‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬وعطاء،‭ ‬كما‭ ‬يشعر‭ ‬بسعادة‭ ‬داخلية‭ ‬ورضا‭ ‬نفسي‭ ‬كبير‭ ‬عندما‭ ‬يرى‭ ‬أثر‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬الآخرين‭ ‬والتخفيف‭ ‬من‭ ‬معاناتهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الشباب‭ ‬والطلاب؛‭ ‬فالتطوع‭ ‬يفيدهم‭ ‬في‭ ‬تأدية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬متطلبات‭ ‬المرحلة‭ ‬الدراسية‭.‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬التطوعي‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منظمًا‭ ‬وتحت‭ ‬إشراف‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬المختصة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬تحقيق‭ ‬الفائدة‭ ‬المرجوة‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬المتطوعين‭ ‬والمجتمع،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬اجتهادات‭ ‬فردية‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬غير‭ ‬محمودة‭.‬

إن‭ ‬تلبية‭ ‬النداء‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬تمثل‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬للعالم‭ ‬تعكس‭ ‬مدى‭ ‬تلاحم‭ ‬أبناء‭ ‬البحرين‭ ‬والتفافهم‭ ‬حول‭ ‬قيادتهم‭ ‬الرشيدة،‭ ‬والعمل‭ ‬بروح‭ ‬الفريق‭ ‬الواحد‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬سيدي‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬وحكومته‭ ‬الرشيدة‭ ‬برئاسة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭.‬

فالتطوع‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عمل‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قيمة‭ ‬وطنية‭ ‬وإنسانية‭ ‬راسخة،‭ ‬تعكس‭ ‬أصالة‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬أبناء‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬سيظلون‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬وطنهم‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬استقراره‭ ‬وازدهاره‭.‬

ويا‭ ‬رب‭ ‬يديم‭ ‬أمنه‭ ‬وأمانه‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

 

{‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬أمناء‭ ‬المؤسسة‭ ‬الملكية‭ ‬للأعمال‭ ‬الإنسانية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا