تعد دكتاتورية المعلومات التي يمارسها الأقوياء الجدد أحد مصادر القوة والثراء المنقطع النظير، ولكن لا يمكن تفسير أو اختزال أسباب تحكّم الشركات بالمعلومات والبيانات في «الجشع المادي» أو «التجسس»، لأن مملكة المعلومات تعد نموذجا اقتصاديا كاملا، وهندسة قانونية وتقنية، ونتيجة حتمية للطريقة التي صُمِّمَ بها الفضاء الرقمي... والسؤال الملح هنا هو: مَن الذي صمّمَ، وصنع، وهندَسَ، النموذج الاقتصادي والقانوني والتقني لهذا الفضاء الرقمي؟ ولمصلحة مَن؟
إذن لتفسير هذا التحكم يجب تفكيك طبقاته الأربع: الاقتصادية، القانونية، التقنية، والنفسية، وهذا ما بحثت عنه في مصادر عديدة، وأهمها: 1- «عصر رأسمالية المراقِبَة» لعالمة الاجتماع النفسي شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff- «The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power» 2019)؛ 2- «تقرير روبرت مولر (2019) حول التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية؛ 3- تحقيق «كامبريدح اناليتيكا» (2018) في تقارير صحيفة «الأوبزرفر» و«نيويورك تايمز»؛ و4- «الأوراق المصرية»: «تقرير صادر عن منظمة الجمهورية The Republic» بالتعاون مع مركز الأخلاقيات الرقمية (2020).
وسأتناول هنا بعضا مما توافر لي حول النموذج الاقتصادي فقط، لتجنب الإطالة، التي قد تحوّل هذا المقال إلى بحث أكاديمي ليس هنا مجاله.
اقتصاد مملكة المعلومات
للبحث حول الطبقة الاقتصادية في دكتاتورية المعلومات نبدأ بالسؤال الآتي: لماذا اقتصاد المعلومات يُعطي، أو يوفر، البيانات للمستخدم مجاناً (جوجل مثالاً)؟ بينما في الاقتصاد التقليدي لكل سلعة ثمن؟!
الجواب الأقرب لفهم هذه الحقيقة هو: لأن في اقتصاد المعلومات السلعة والمُنتَج هو المستخدم (أنت) السعيد بمجانية المعلومات، بينما هو يدفع الثمن من انتباهه وبياناته السلوكية، لأن المعلومات سلعة، وليس هناك سلعة بدون ثمن.
إن المُنتَج المجاني هو المستخدم نفسه، أي سلوكه وبياناته، وكلما زاد تفاعله (نقاشات، غضب، فرح) في منصات التواصل الاجتماعي زادت البيانات، وزادت دقة الإعلانات. وإن الأحداث الكبرى تُوَلّد تفاعلا هائلا وأيضاً أرباحا ضخمة؛ على سبيل المثال: الثورات والاحتجاجات تنتج كميات هائلة من التفاعل (مشاهدات، مشاركات، جدل)، وهذا «الزخم العاطفي» هو الذهب الخام لشركات الإعلان (شوشانا زوبوف: «عصر الرأسمالية المراقِبَة» 2019).
أما مفهوم السلعة والمُنتًج فتم تفسيره كالآتي: أنت لا تدفع المال، ولكنك تدفع ملفك الرقمي للشركة، وهي بدورها تجمع هذه الملفات، وتضعه في حزم وتصنيفات تحليلية، وتبيعها للمُعلِن الذي يريد الوصول إليك بدقة، أي كلما زاد عدد المستخدمين زادت البيانات، وأصبحت الخوارزمية أكثر تطوراً، وأقوى في المنافسة.
هذا ما يُقال لنا عن أهمية معلوماتنا في عملية اقتصاد المعلومات، ولكن هل هي الحقيقة؟ للجواب عن هذا السؤال يجب معرفة الآتي: من هو المُعلِن؟ الذي يكسب «الأقوياء الجدد» منه تريليونات الدولارات؟ أليس الأمر معقداً وبحاجة إلى إجابات مقنعة؟
وهنا أضع أمام القارئ أهم ما حصلت عليه من معلومات في هذا الشأن، التي هي أيضاً بحاجة إلى المزيد من التفسير والبحث، وإلى فريق بحثي تخصصي متكامل لسبر أغوار ما يُدعى بالإعلان في هذا العالم الرقمي الافتراضي الذي ليس من السهل سبر أغواره.
من هو المُعلَن في العالم الرقمي؟
هذا السؤال ينقلنا من التجريد النظري إلى التطبيق الواقعي الملموس لاقتصاد المعلومات، وقد وفّر لي العالم الرقمي إجابات مستفيضة، ولكنها معقدة، أهمها أن المعلنين هم مؤسسات حقيقية وليست افتراضية؛ مؤسسات موجودة في العالم المادي ولها مكاتب وعناوين وموظفون، وهي منتشرة في جميع أنحاء العالم، ولكنها أكثر تركيزاً في الدول الغربية والصين.
إن فهم «من هم المعلنون»، وكيف تجري عمليات الإعلان، يُعد المفتاح لفهم كيفية إعادة إنتاج القوة الاقتصادية والثقافية في العالم الرقمي، لأن المعلنين ليسوا مؤسسات اقتصادية وتجارية فقط، بل هم أيضاً مؤسسات سياسية بجميع أنواعها، من الدول إلى الأحزاب والمجتمع المدني، وحتى أطراف ممولة غير معلنة.
المعلنون في عالم المال والأعمال هم كيانات تجارية متنوعة تتراوح بين شركات صغيرة في أي من بلداننا، وشركات عالمية عملاقة عابرة للحدود؛ وتتنوع هذه الشركات من العلامات التجارية العالمية الكبرى (كوكا كولا، سامسونج، لوريال مثالاً) وهي العمود الفقري لاقتصاد الإعلانات الرقمي، إلى الشركات الرقمية الناشئة والخدمات والتي وُلدت في العصر الرقمي (أوبر، طلبات، البنوك الرقمية مثالاً)، وهي شركات تعتمد كلياً على الإعلانات لجذب المستخدمين، إضافة إلى الشركات المحلية المتوسطة والصغيرة (صيدلية، مستشفى، صالة رياضية مثالاً) وهي الأكثر عدداً وموجودة في جميع انحاء العالم.
هذه الفئات يتراوح وجودها ما بين العالم الواقعي ككيانات قانونية مسجلة، والعالم الافتراضي (الرقمي) في حملاتها الاعلانية، وهي كيانات واقعية تستخدم أدوات افتراضية للوصول إليك كمستخدم. وجودهم الجغرافي مركّز في مواقع محددة، ولكن سوقهم عالمي... فلا يمكن حصر المعلنين في مناطقهم فقط، حيث أي شركة في أي بلد لديها ميزانية إعلانية يمكنها أن تكون معلنًا، وأن تكون منتشرة عالميا.
ما الذي يشترونه بالضبط من شركات التكنولوجيا؟
المعلنون لا يشترون بياناتك الخام (اسمك وعنوانك) بشكل مباشر، بل يشترون الوصول إلى سلوكك؛ أي أنهم يدفعون المال لفيسبوك أو جوجل لكي تظهر إعلاناتهم أمام عيون أناس محددين بدقة عالية، حيث يتم استخدام الخوارزميات في تحليل بياناتنا الموجودة في جميع التطبيقات لتحديد الفئة المستهدفة، وعرض الإعلان عليها فقط، وهذا هو جوهر ما يُدعى «الاستهداف السلوكي Behavioural Targeting» (شوشانا زوبوف: «عصر الرأسمالية المراقِبَة» (2019) و«الاستهداف السلوكي» أسلوب تسويقي يعتمد على تتبع وتحليل سلوك المستخدمين عبر الإنترنت (مثل المواقع التي يزورونها، عمليات البحث، التفاعلات، المشتريات السابقة) لجمع بيانات عن اهتماماتهم وتفضيلاتهم. وتُستخدم هذه البيانات لإنشاء ملفات تعريف مفصلة عن المستخدمين، ثم يتم توجيه إعلانات مخصصة لهم بناءً على سلوكهم المتوقع، بهدف زيادة فعالية الإعلانات واحتمالية استجابة المستخدمين لها. يتم ذلك عادة عبر خوارزميات ومنصات رقمية مثل فيسبوك وجوجل، حيث تُباع هذه الخدمة للمعلنين الذين يدفعون مقابل الوصول الدقيق إلى جمهور محدد.
هذا الاستهداف الاقتصادي هو ما يخص المعلنين التقليديين، ماذا عن توجهات «المعلنين غير التقليديين».
المعلنون «غير التقليديين».. البعد السياسي في وظيفة الأقوياء الجدد
«المعلنون غير التقليديين» هم كيانات سياسية قانونية غير تجارية، من عدة فئات؛ أولاً: الجهات السياسية والحملات الانتخابية، التي تنفق الأحزاب السياسية والمرشحون فيها أموالاً طائلة على إعلانات فيسبوك وجوجل لاستهداف الناخبين (حملة أوباما 2012، وحملة ترامب 2016، واستفتاء البريكست 2016، مثالاً). ثانياً: اللوبيات وجماعات الضغط، ومنظمات مسيسة، وهي منظمات غير حكومية تريد التأثير على الرأي العام في قضية معينة (قوانين البيئة أو الإجهاض مثالاً). ثالثاً: الحكومات الأجنبية حيث هناك حالات موثقة لمحاولات تَدَخُل في انتخابات دول أخرى من خلال شراء إعلانات مستهدفة لنشر رسائل سياسية معينة (اتهامات روسيا بالتدخل في الانتخابات الأمريكية 2016 مثالاً).
يستخدم «المعلنون غير التقليديين» منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، جوجل، تويتر، يوتيوب وغيرها) لتحقيق أهداف سياسية، مثال: استهداف دقيق للناخبين برسائل مخصصة تعتمد على بيانات سلوكهم؛ ونشر تضليل أو استقطاب عبر إعلانات ممولة لتأجيج الانقسامات؛ والتأثير في أحداث كبرى كثورات أو استفتاءات (الربيع العربي، بريكست مثالاً) باستخدام أدوات المنصات لتنظيم الاحتجاجات أو توجيه الرأي العام.
هذا المدخل يقودنا إلى أحد أكثر جوانب الرقمنة إثارة للجدل، هو تداخل المصالح التجارية مع الهندسة السياسية؛ فعندما نتحدث عن «المعلنين السياسيين» فإننا ندخل عالماً مختلفًا تماماً عن الإعلانات التجارية، حيث يصبح الهدف هو تشكيل الوعي الجماعي وليس مجرد بيع منتج.
والسؤال المطروح هنا: كيف تتمكن الأطراف غير الثرية في هذه الفئات من تمويل هذه النشاطات غالية الثمن؟ وهنا يتفق أغلب مصادر البحث على أنه يتم عبر «التمويل غير المعلن»، أو ما يُدعى «الأموال المظلمة»، لإخفاء مصدر التأثير.
المحصلة..
إن المعلنين هم الاقتصاد الحقيقي بكل تنوعه، وهم السبب في أن خدمات جوجل وفيسبوك تبقى «مجانية» بالنسبة إلينا، أفرادا وجماعات، ونحن السلعة الأولية والمُنتَج النهائي، في ثروة الأقوياء الجدد.
وإن المعلنين موجودون في كل بلد، وفي كل قطاع اقتصادي، وشركات التكنولوجيا الكبرى ليست سوى «سمسار عالمي» يربط بين رغبة هذه الشركات في البيع وسلوكنا نحن كمستخدمين.
وإن الأقوياء الجدد يستفيدون من البنية التحتية لعالمهم الافتراضي، التي تتيح وصولا غير مسبوق للعقول والسلوكيات، في توظيف آليات الإعلان الرقمية (الاستهداف السلوكي، الخوارزميات) لخدمة أجندات سياسية. وفي هذا نماذج من الحالات العربية التي تفاعل معها العالم، مثال: الربيع العربي وما بعده 2011، النزاع في سوريا 2011-2024، وكل ما يحدث في عالمنا العربي، سواء النزاعات المسلحة، أو الخلافات البينية والحدودية، وما يُدعى الإرهاب، إلى جرائم المخدرات، والألعاب الإلكترونية، والانقلاب القيمي والسلوكي المجتمعي.
«الفاتورة» التي تدفعها المنصات (والمجتمعات)
تتجاوز أرقام العائدات المباشرة لإعلانات منصات التواصل الاجتماعي مليارات الدولارات في العام للمنصة الواحدة، وجزء كبير منها من الإعلانات السياسية؛ على سبيل المثال، أنفقت الحملات السياسية على الإعلان الرقمي في الانتخابات الأمريكية 2020 ما يعادل 1.5 مليار دولار (تقرير شركة Advertising Analytics)، وفي حملات البريكست 20 مليون جنيه إسترليني (تقارير بي بي سي).
ولكن هناك أرباح غير مباشرة تحصل عليها أطراف لا علاقة لها بالمنصات الرقمية، أهمها هو النفوذ الجيوسياسي؛ فعندما تعتمد ثورات العالم على منصات أمريكية (فيسبوك، تويتر، يوتيوب)، فإن الولايات المتحدة تكتسب قدرة غير مسبوقة على مراقبة وفهم وتحليل هذه الحركات، كما في إمكانها أن تقطع خدمة منصة بأكملها عن بلد معين إذا رأت أن مصالحها تقتضي ذلك.
وعندما تتفاعل مجتمعات بأكملها على منصة ما أثناء ثورة أو أزمة فإنها تنتج كمية هائلة من البيانات عن السلوك البشري، وهذه البيانات لا تقدر بثمن لتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التنبؤ باندلاع الاحتجاجات، وقياس «درجة حرارة» الشارع بدقة، وتحديد «القادة الطبيعيين» الذين يظهرون في الأزمات، وتطوير نماذج «الاستهداف الدقيق» لحالات مشابهة مستقبلاً.
نستنتج من ذلك
إن مخاطر تدني الشفافية، والتمويل غير المعلن، وحرب المعلومات والتضليل الإعلامي، واستهداف الخصوصية، التأثير المباشر على ما يُدعى الديمقراطية؛ ولكن التأثير المباشر هو في كسب النفوذ وتحديد القوة بين أطراف الصراع.
وإن ما نعيشه هو تحول جذري في طبيعة السلطة السياسية، كما جاء في كتاب «مفهوم الرأسمالية المُراقِبَة» لعالمة الاجتماع النفسي شوشانا زوبوف(Shoshana Zuboff) ، التي تعتبر من أبرز المفكرين النقديين في العصر الرقمي، إذ تقول إن «الخطر الحقيقي ليس في أن الشركات تعرف كل شيء عنا، بل في أنها تستخدم هذه المعرفة لتعديل سلوكنا لصالح أهدافها التجارية أو السياسية. إنها لا تبيع فقط المستقبل، بل تصنعه وفق مصالحها».
وإنه رغم خطر العملية بمجملها على المجتمعات المستهدفة فإن المعلنين السياسيون هم التجسيد الأكثر خطورة لهذه النظرية، حيث يصبح المواطن مادة خام تُشَكّل وتُوجَه، بدلاً من أن يكون صاحب سيادة يقرر مصيره.
ماذا نفهم من كل ذلك:
من يتحكم ولماذا؟
الأقوياء الجدد «الشركات» تتحكم بالبيانات؛ لأن الرأسمالية الرقمية صممت النظام هكذا، لتجعل عدم الخصوصية هو الخيار الافتراضي؛ صممته القوانين لتجعل الموافقة على الاستغلال أسهل من رفضها؛ صممته التقنية لتركز كل القوة في السحابة؛ وصممته ثقافتنا لتجعل الشك في هذه الآلة الجبارة يبدو كأنه جنون.
وأخيراً، إن مقاومة هذه المراقبة الرقمية ليست مستحيلة، لكنها تتطلب وعياً بأن البيانات ليست مجرد أمر عابر، بل هي انعكاس رقمي لذواتنا، والسيطرة عليها هي السيطرة على حريتنا.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك