أكد الباحث المتخصص في مجال الوثائق والأرشيف محجوب بابا أهمية وضع إطار قانوني وتشريعي متكامل يدعم مشروعات مكننة وأرقمة مجموعات الوثائق والأرشيف، مشددًا على أن التحول الرقمي في إدارة الأرشيف لم يعد خيارًا تقنيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الذاكرة المؤسسية والوطنية وتعزيز كفاءة الوصول إلى المعلومات في عصر التحول الرقمي المتسارع.
جاء ذلك في دراسة علمية موسعة بعنوان «الإطار القانوني وإعداد دراسة الجدوى لمشروع مكننة وأرقمة مجموعات الأرشيف الإلكتروني»، تناولت الجوانب المهنية والقانونية والاقتصادية المرتبطة بعمليات تحويل الأرشيفات التقليدية إلى نظم رقمية حديثة، مع تحليل تجارب دولية وعربية في هذا المجال.
وأوضح الباحث أن مفهوم مجموعات أوعية الوثائق يشمل السجلات الإدارية النشطة وشبه النشطة، إضافة إلى الأرشيفات الخامدة والمخطوطات المحفوظة في مستودعات الأرشيف، والتي يتم استرجاعها وفق أدوات فهرسة وتنظيم متخصصة. وأشار إلى أن عمليات المكننة والأرقمة لا تقتصر على تحويل الوسائط الورقية إلى نسخ إلكترونية، بل تمثل منظومة متكاملة من الإجراءات الفنية والإدارية والقانونية التي تهدف إلى تحسين إدارة المعرفة وضمان استدامة المعلومات.
وبيّنت الدراسة أن التحول إلى الأرشيف الإلكتروني يعتمد على تفاعل مجموعة من العمليات المهنية، تبدأ بدراسة مبررات التحول الرقمي وتحديد أهدافه ومتطلباته التقنية، وصولًا إلى تطوير آليات حفظ واسترجاع المعلومات بما يواكب التطور التكنولوجي ويحقق سرعة الوصول إلى البيانات مع الحفاظ على الأصول الوثائقية باعتبارها ذاكرة وطنية لا يمكن تعويضها.
أهمية الإطار القانوني
وركزت الدراسة على ضرورة تقنين الحجية القانونية للوثائق المؤرشفة إلكترونيًا، مؤكدة أن نجاح مشروعات الأرشفة الرقمية يرتبط بمدى الاعتراف القانوني بالوثائق الإلكترونية واعتبارها سندًا رسميًا معتمدًا أمام الجهات القضائية والإدارية. وأوضح الباحث أن الأرشفة الإلكترونية لا تلغي الوثائق الورقية، بل تدعم سلامتها وتحميها من التلف أو الضياع، إذ تعتمد أساسًا على نسخ مطابقة للأصول يتم إنتاجها باستخدام تقنيات الحاسوب الحديثة.
وأشار إلى أن غياب التشريعات الواضحة في بعض الدول يشكل تحديًا أمام الاعتماد الكامل على الأرشيف الرقمي، ما يستدعي مراجعة القوانين السائدة وتطويرها بما يحقق التوازن بين التطور التقني والمتطلبات القانونية والاجتماعية ومستوى الوعي المؤسسي.
دراسات الجدوى المهنية والتقنية
وتناولت الدراسة إعداد دراسات الجدوى المهنية باعتبارها أساس اتخاذ القرار في مشروعات المكننة، حيث شددت على ضرورة تحليل كلفة استخدام التكنولوجيا الحديثة مقابل الفوائد المتحققة في سرعة استرجاع المعلومات وتقليل الوقت والجهد الإداري.
وبيّن الباحث أن الوثائق الورقية تعد أصولًا فريدة غير قابلة للتعويض، ما يفرض التعامل بحذر مع عمليات التحويل الرقمي وتجنب التجارب غير المدروسة، داعيًا إلى اعتماد دراسات جدوى تفصيلية تشمل قياس سرعة تلبية طلبات الاسترجاع وتكاليف التشغيل وتأثير التداول على سلامة الوثائق.
كما أوصت الدراسة بتقييم نوعية الأجهزة المستخدمة في عمليات الأرشفة، سواء من خلال تجهيزات متكاملة أو أنظمة موزعة، مع إمكانية إنشاء وحدات مركزية تقدم خدماتها لعدة مؤسسات عبر شبكات الاتصال الحديثة، اعتمادًا على بيانات إحصائية دقيقة لحركة الاستخدام والخدمات.
الجدوى المالية وبناء القدرات البشرية
وفي الجانب المالي، شددت الدراسة على أهمية إعداد موازنات دقيقة تشمل تكاليف الأجهزة والبرمجيات والصيانة والتدريب والتأهيل المستمر للكوادر البشرية، معتبرة أن العنصر البشري يمثل الركيزة الأساسية لنجاح مشروعات الأرشفة الرقمية.
وأشار الباحث إلى أن التطور المتسارع في تقنيات المعلومات يستوجب وضع هياكل وظيفية مستقرة للمتخصصين في علوم الحاسوب والمعلومات، بما يضمن استمرارية الخبرات داخل مؤسسات الأرشيف ويمنع تحولها إلى مجرد مراكز تدريب مؤقتة.
كما دعت الدراسة إلى إدراج مشروعات المكننة والأرقمة ضمن خطط الميزانيات التشغيلية طويلة المدى، مع إجراء مقارنات مالية دورية لقياس جدوى الاستثمار في التقنيات الحديثة وتأثيرها على كفاءة الأداء المؤسسي.
مقارنات تشريعية دولية وعربية
وقدمت الدراسة مقارنة موسعة للتشريعات الدولية المنظمة للأرشيف الإلكتروني، موضحة أن العديد من الدول المتقدمة أقرت منذ عقود الحجية القانونية للوثائق الرقمية والمصغرات الفيلمية، مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وفرنسا وسويسرا والدنمارك وألمانيا وإيطاليا والهند وماليزيا، حيث اعتمدت قوانين خاصة بالتوقيع الرقمي وإدارة الوثائق الإلكترونية وتحديث الوسائط التقنية بشكل دوري.
وأشارت الدراسة إلى أن بعض التشريعات الأوروبية تمنح الوثائق الرقمية حجية قانونية كاملة بشرط ضمان عدم إمكانية التلاعب بها، بينما تتسم بعض الأنظمة القانونية الأخرى بدرجة أعلى من التحفظ وتفضيل الأصول الورقية في إجراءات الإثبات القضائي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك