في أي سوقٍ مستقر، لا تُقاس فاعلية القوانين بوجودها فقط، بل بقدرتها على العمل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التنظيم، والعدالة، واستمرارية النشاط الاقتصادي. فالتعثر العقاري ليس ظاهرة قانونية بحتة، ولا أزمة مالية معزولة، بل نتيجة طبيعية لتشابك عوامل إدارية، وتمويلية، وتنظيمية وديون تتراكم بمرور الوقت. ومن هذا المنطلق، تأتي إحالة مشاريع التطوير العقاري المتعثرة إلى لجنة التسوية كخطوة تنظيمية تهدف إلى إعادة ترتيب المسار، لا إلى استبدال مسارات العدالة أو تجاوزها.
الاقتصاد، بطبيعته، لا يحتمل الفراغ. والمشاريع المتعثرة حين تُترك من دون أطر واضحة للمعالجة مدة طويلة، تتحول من أصول واعدة إلى كتل جامدة، تعطل رؤوس الأموال، وتربك السوق، وتؤثر في سلاسل تمتد من المقاولين إلى البنوك، ومن العمالة إلى ثقة المستثمرين. لذلك، فإن وجود آلية مؤسسية لمعالجة التعثر يعكس فهماً أعمق لدور الدولة في إدارة الدورة الاقتصادية، لا عبر التدخل المباشر، بل عبر تنظيم المسارات وتوضيح الخيارات.
ما يميّز هذه الخطوة أنها تأتي في سياق أوسع من مجرد حل ملفات قائمة، إذ تتزامن مع تنظيم عقاري حديث يسعى إلى ضبط السوق مستقبلاً، وفي الوقت ذاته معالجة إرث التعثر السابق. هذه المقاربة المزدوجة تشبه إعادة ترميم جسر قديم مع تصميم طرق جديدة حوله؛ فالمطلوب ليس فقط العبور الآمن اليوم، بل ضمان انسيابية الحركة غداً.
لجنة التسوية التي جاء خلال اجتماع اللجنة الأسبوع الماضي برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء، في هذا الإطار، لا تعمل كبديل عن القضاء، بل كمسار تنظيمي يهدف إلى تسريع المعالجة وتقليل الكلفة الاقتصادية للنزاعات الممتدة. فالقضاء يبقى المرجع الأصيل، لكن الاقتصاد يحتاج أحياناً إلى حلول تسبق الوقت، وتفتح باب التوافق قبل أن تتراكم الخسائر والنزعات والمديونيات التراكمية بالفوائد المركبة. وهذا النهج يعكس نضجاً مؤسسياً في فهم العلاقة بين العدالة والنمو، حيث لا يُنظر إليهما كمسارين متعارضين، بل كرافعتين متكاملتين.
من زاوية أوسع، فإن هذه الإحالات تبعث برسالة مهمة للمستثمرين مفادها أن السوق لا يُدار بردود الفعل، بل ضمن رؤية واضحة لإدارة المخاطر. فالمستثمر لا يبحث عن سوق خالٍ من التحديات، بل عن سوق يمتلك أدوات للتعامل معها. وعندما يرى أن التعثر له مسار معلوم، وأن الحلول تُدار ضمن أطر شفافة، فإن ذلك يعزز الثقة ويشجع على إعادة ضخ السيولة بدل تجميدها.
اقتصادياً، يمكن النظر إلى هذه الخطوة كجزء من سياسة تهدف إلى إعادة تدوير القيمة داخل السوق. فبدلاً من بقاء المشاريع المتعثرة خارج الدورة الاقتصادية، يتم العمل على إعادتها تدريجياً إلى مسار الإنتاج، سواء عبر التسوية، أو إعادة الهيكلة، أو التصحيح الإداري. ومع كل مشروع يُعاد إلى الحياة، تتحرك عجلة فرعية من الاقتصاد كانت متوقفة بصمت.
في المحصلة، فإن معالجة التعثر العقاري عبر أطر تنظيمية واضحة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق استقرار أوسع. وحين تُدار هذه المعالجة ضمن رؤية اقتصادية شاملة، يصبح التنظيم محفزاً للنمو، وتتحول الثقة من شعار يُرفع إلى واقع يُمارس، خطوة بعد أخرى للنجاح.
الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك