لم تعد أنشطة الأطفال واهتماماتهم اليوم كما كانت في أعوامٍ مضت؛ فقد اتسعت وتنوّعت، واتخذت أشكالًا جديدة ضمن بيئة رقمية غير ملموسة، يصعب في كثير من الأحيان ضبطها أو إحكام الرقابة عليها، ومن هنا يبرز الحديث عن عالم الألعاب الرقمية الذي بات محور اهتمام أطفالنا من خلال تحديات افتراضية تحكمها عوالم رقمية، تتعدد فيها وسائل التواصل غير المباشر مع غرباء من مختلف الفئات العمرية ومن شتى بقاع الأرض.
إن هذا العالم الرقمي، الذي ينخرط فيه أطفالنا عبر ممارسة ألعابهم المفضلة، يفرض على أولياء الأمور مسؤولية مضاعفة تتمثل في المتابعة والرقابة الواعية لما يدور داخل تلك الألعاب، ابتداءً من طبيعة اللعبة وآلية ممارستها، وانتهاءً بمعرفة هوية الأشخاص الغرباء الذين قد يتواصلون مع الأطفال تواصلاً كتابيًا أو صوتيًا مُبهَم الغاية.
ويكمُن الخطر في أن هذا النوع من التواصل قد يتحول إلى مصيدة تستهدف الأطفال، من خلال استدراجهم إلى صور متعددة من الابتزاز والاستغلال الإلكتروني، ولا سيما الاستغلال الجنسي، الذي شهد تصاعدًا مقلقًا عبر منصات الألعاب الرقمية. ومن هذا المنطلق، يقع على عاتق أولياء الأمور مسؤولية توعية الأبناء بكيفية التعامل الآمن داخل هذه البيئة الرقمية، وحثهم على عدم التواصل مع الغرباء، أو تبادل الصور والمعلومات والبيانات الشخصية معهم، كما تبرز أهمية ضبط إعدادات الألعاب والمواقع الإلكترونية بما يتناسب مع الفئة العمرية للأطفال، لضمان ملاءمة المحتوى المقدم لهم. إلى جانب ذلك، فإن الدعم المعنوي والنفسي الذي يقدمه الوالدان لأطفالهم لا يقل أهمية عن عنصر الرقابة، من خلال غرس الثقة والشعور بالأمان في نفوسهم، بحيث يكون الوالدان هما الملاذ الأول الذي يلجأ إليه الطفل في حال تعرضه لأي محاولة ابتزاز أو تهديد، فالأطفال أمانة في الأعناق، وحمايتهم مسؤولية لا تقبل التهاون.
أما على الصعيد الإجرائي، فإن النيابة العامة تُولِي أهمية بالغة لقضايا الأطفال، إدراكًا لحداثة سنّهم، وقلة وعيهم، وصعوبة تمييزهم للأمور، وعليه، فإن جميع الإجراءات التي تتخذها تكون منطلقة من مبدأ تحقيق المصلحة الفضلى للطفل. وتتيح النيابة العامة التعامل مع بلاغات الاستغلال والاستدراج الجنسي للأطفال بأقصى درجات الجدية والسرية، ابتداءً من تلقي البلاغ، ومرورًا بمباشرة التحقيقات، وانتهاءً بالإحالة إلى المحكمة المختصة، إيمانًا منها بأن حماية سمعة الطفل وصحته النفسية من أولى الاعتبارات التي يجب مراعاتها.
كما تقوم النيابة العامة بإدراج الأطفال المجني عليهم، ممن هم بحاجة إلى دعم نفسي أو إرشادي أو خدمات اجتماعية، ضمن مبادرة النيابة العامة للرعاية الاجتماعية (رعاية)، وهي مبادرة تنطلق من إيمان النيابة العامة بمسؤوليتها المجتمعية في تقديم الدعم اللازم لضحايا الجريمة، بل ولمرتكبيها أيضًا، بما يسهم في منع العودة إلى الجريمة أو الحد من آثارها، وذلك بالتعاون مع شركاء المبادرة إيماناً منها بأن الوقاية من الجريمة خير من علاجها بعد وقوعها. كما تهدف النيابة العامة، وبوجهٍ خاص نيابة الأسرة والطفل بوصفها الجهة المتخصصة في التحقيق والتصرف في قضايا الأطفال دون الثامنة عشرة من العمر، إلى الإحاطة بكافة الجوانب المرتبطة بالجرائم التي يقع الأطفال ضحايا لها أو أطرافًا فيها، مع الالتزام بأن يكون أي إجراء أو قرار متخذ محققًا لمصلحة الطفل الفضلى من جميع النواحي. فالغاية الأساسية تتمثل في تأهيل الطفل وتقويم سلوكه وفكره، ومعالجة ما قد يعتريه من انحرافات، تجنبًا لمخاطر جسيمة في المستقبل، داعيةً أولياء الأمور إلى ضرورة مراقبة أطفالهم، واحتوائهم، وبناء جسور الثقة معهم، ليكونوا الملاذ الآمن الأول لهم في مواجهة تحديات العالم الرقمي.
{ نورة المعلا
رئيس نيابة الأسرة والطفل

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك