القراء الأعزاء،
اليوم الرابع من شهر رمضان المبارك، شهر الروحانية والرجوع إلى الله وإلى الفطرة الإنسانية السليمة تبتُّلاً وطمعاً في رحمة الله تعالى، وربما أن طغيان الجانب الإنساني الخيّر في هذا الشهر الفضيل هو أحد أهم سماته، ففيه يستطيع أكثر الناس اظهار الجوانب الخيّرة فيهم، ولا شك بأن لكل انسان جوانبه الخيّرة ولكنها تبرز أكثر وضوحاً في شهر رمضان، وتلك إيجابية مهمة على الصعيد الإنساني والمجتمعي وهذا ما يضفي على شهر الخير المزيد من الجمال والروحانية والطمأنينة، وقد اخترت التطرق إلى السلوك المجتمعي للإنسان في هذا الشهر لأنه هو الأكثر أهمية للمجتمع لأنه ظاهر ومؤثر على الآخرين، بينما عبادات الانسان وصلته بخالقه هي علاقة خاصة.
لذا سأتوقف عند طبيعة التعامل بين الفئات العمرية والعلاقات الأسرية والتي رسمها الدين الإسلامي بدقة فحثّ الكبير على رحمة الصغير والصغير على احترام الكبير (فليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا) ليس لأن من (لا يَرحم ،لا يُرحم) فقط، ولكن لأن الصغير لا يعد كُفؤاً للكبير لا عقلاً ولا جسداً، ولأن الكبير إن كان أباً أو وليّاً فهو راعٍ ومسئول عن رعيته وسيُحاسب على حُسن حمله وإدارته لهذه المسؤولية، كما نظّم علاقة الأبناء بوالديهم وأمرهم (بالوالدين إحسانا) في جميع مراحلهم العمرية وحتى بعد الموت (فإذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له)، ناهيك عن البِرّ أثناء حياتهم، والبرّ هنا عمل متبادل بين الآباء والأبناء، يتوجب على كل منهما أن يبرّ الآخر وفاءً بالتزاماته الطبيعية تجاهه.
والحديث عن حُسن معاملة الصغار للكبار لا يقتصر فقط على الآباء والأقرباء، بل يجب أن يُتّخذ ويُمارس باعتباره أسلوب حياة يتم تدريب الصغار عليه، لتطبيقه على كل كبير يلتقونه في تقاطعات الحياة، لذا يكون توقير الكبير توقيراً له كإنسان ولمرحلة عمرية أوصلته إلى درجة الوهن يقتضي الكثير من الرأفة والتلطّف في المعاملة بل وتقديم يد العون بأقصى ما يمكن للصغير بذله.
ولقد أسفت على موقف قبل يوم واحد فقط من اعلان دخول الشهر الفضيل، أظهر فيه شابٌ بكامل أناقته الخارجية، قلّة أناقته الداخلية وهو ينهر شيخاً كبيراً صدف أن يكون أمامه بطريقة ممقوتة، ولا أعلم إن كان قريباً له أم لا، ولكن المهم هو الفارق العمري ووجوب تحقق الاحترام والتوقير لمن هو أكبر منّا سنّاً، لحظتها رحت اتخيّل حجم الحرج الذي واجهه هذا الشيخ، بل تخيّلت ما قد كان هذا الكبير سنّاً يملكه يوماً من قوة وسلطة أزالها الدهر، ولربما هذا الموقف هو مجرد موقف واحد من آلاف شاهدها سواي، فتمنيّت بأن يعي كل صغير بأنه سيكون يوماً مكان هذا الكبير وبأن العمر يمضي في غمضة عين وبأن العمر مراحل ستنتهي به لا محالة إلى الوهن إن لم يُدركه الموت قبلاً، وبأن الطريق يكون أكثر وضوحاً إذا ما تمسّكنا بتعاليم ديننا الإسلامي وانسانيتنا الحُرّة في المعاملات والعلاقات الإنسانية.
بل ويمكن أيضاً تهذيب النفس من خلال ملاحظة المجتمع ومخالطة الأطايب فيه وقراءة ما وراء سطور الشأن العام فيه، فعلى سبيل المثال لم يكن الأمر الملكي السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بتسمية عام 2026 عام عيسى الكبير هو تخليداً وتذكيراً بمنجزات باني البحرين الحديثة، بل يحمل بُعدا أكبر من ذلك ينطوي على توقير الكبير، كبير العائلة ومؤسس دولة المؤسسات والقانون بصورتها الأولى والتي عادت سيرتها الأولى يوم كانت مملكة دلمون، فصارت مملكة ذات مكانة إقليمية وعالمية مهمة في كنف جلالته، ولنا في أولياء أمرنا قدوة.
مبارك عليكم الشهر وتقبل الله طاعاتكم وصيامكم وقيامكم.
Hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك