العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

مقالات

توقير الكبير

بقلم: المحامية د. هنادي عيسى الجودر

الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

القراء‭ ‬الأعزاء،

اليوم‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬شهر‭ ‬الروحانية‭ ‬والرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬وإلى‭ ‬الفطرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬السليمة‭ ‬تبتُّلاً‭ ‬وطمعاً‭ ‬في‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬وربما‭ ‬أن‭ ‬طغيان‭ ‬الجانب‭ ‬الإنساني‭ ‬الخيّر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬سماته،‭ ‬ففيه‭ ‬يستطيع‭ ‬أكثر‭ ‬الناس‭ ‬اظهار‭ ‬الجوانب‭ ‬الخيّرة‭ ‬فيهم،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬بأن‭ ‬لكل‭ ‬انسان‭ ‬جوانبه‭ ‬الخيّرة‭ ‬ولكنها‭ ‬تبرز‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬وتلك‭ ‬إيجابية‭ ‬مهمة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإنساني‭ ‬والمجتمعي‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬شهر‭ ‬الخير‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الجمال‭ ‬والروحانية‭ ‬والطمأنينة،‭ ‬وقد‭ ‬اخترت‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬السلوك‭ ‬المجتمعي‭ ‬للإنسان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬لأنه‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬للمجتمع‭ ‬لأنه‭ ‬ظاهر‭ ‬ومؤثر‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬بينما‭ ‬عبادات‭ ‬الانسان‭ ‬وصلته‭ ‬بخالقه‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬خاصة‭.‬

لذا‭ ‬سأتوقف‭ ‬عند‭ ‬طبيعة‭ ‬التعامل‭ ‬بين‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية‭ ‬والعلاقات‭ ‬الأسرية‭ ‬والتي‭ ‬رسمها‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬بدقة‭ ‬فحثّ‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬رحمة‭ ‬الصغير‭ ‬والصغير‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬الكبير‭ (‬فليس‭ ‬منّا‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يرحم‭ ‬صغيرنا‭ ‬ويوقّر‭ ‬كبيرنا‭) ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬من‭ (‬لا‭ ‬يَرحم‭ ‬،لا‭ ‬يُرحم‭) ‬فقط،‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬الصغير‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬كُفؤاً‭ ‬للكبير‭ ‬لا‭ ‬عقلاً‭ ‬ولا‭ ‬جسداً،‭ ‬ولأن‭ ‬الكبير‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬أباً‭ ‬أو‭ ‬وليّاً‭ ‬فهو‭  ‬راعٍ‭ ‬ومسئول‭ ‬عن‭ ‬رعيته‭ ‬وسيُحاسب‭ ‬على‭ ‬حُسن‭ ‬حمله‭ ‬وإدارته‭ ‬لهذه‭ ‬المسؤولية،‭ ‬كما‭ ‬نظّم‭ ‬علاقة‭ ‬الأبناء‭ ‬بوالديهم‭  ‬وأمرهم‭ (‬بالوالدين‭ ‬إحسانا‭) ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مراحلهم‭ ‬العمرية‭ ‬وحتى‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ (‬فإذا‭ ‬مات‭ ‬الانسان‭ ‬انقطع‭ ‬عمله‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭: ‬صدقة‭ ‬جارية،‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬يُنتفع‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬ولد‭ ‬صالح‭ ‬يدعو‭ ‬له‭)‬،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬البِرّ‭ ‬أثناء‭ ‬حياتهم،‭ ‬والبرّ‭ ‬هنا‭ ‬عمل‭ ‬متبادل‭ ‬بين‭ ‬الآباء‭ ‬والأبناء،‭ ‬يتوجب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬يبرّ‭ ‬الآخر‭ ‬وفاءً‭ ‬بالتزاماته‭ ‬الطبيعية‭ ‬تجاهه‭.‬

والحديث‭ ‬عن‭ ‬حُسن‭ ‬معاملة‭ ‬الصغار‭ ‬للكبار‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الآباء‭ ‬والأقرباء،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُتّخذ‭ ‬ويُمارس‭ ‬باعتباره‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة‭ ‬يتم‭ ‬تدريب‭ ‬الصغار‭ ‬عليه،‭ ‬لتطبيقه‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬كبير‭ ‬يلتقونه‭ ‬في‭ ‬تقاطعات‭ ‬الحياة،‭ ‬لذا‭ ‬يكون‭ ‬توقير‭ ‬الكبير‭ ‬توقيراً‭ ‬له‭ ‬كإنسان‭ ‬ولمرحلة‭ ‬عمرية‭ ‬أوصلته‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الوهن‭ ‬يقتضي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الرأفة‭ ‬والتلطّف‭ ‬في‭ ‬المعاملة‭ ‬بل‭ ‬وتقديم‭ ‬يد‭ ‬العون‭ ‬بأقصى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬للصغير‭ ‬بذله‭.‬

ولقد‭ ‬أسفت‭ ‬على‭ ‬موقف‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬اعلان‭ ‬دخول‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل،‭ ‬أظهر‭ ‬فيه‭ ‬شابٌ‭ ‬بكامل‭ ‬أناقته‭ ‬الخارجية،‭ ‬قلّة‭ ‬أناقته‭ ‬الداخلية‭ ‬وهو‭ ‬ينهر‭ ‬شيخاً‭ ‬كبيراً‭  ‬صدف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أمامه‭ ‬بطريقة‭ ‬ممقوتة،‭ ‬ولا‭ ‬أعلم‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬قريباً‭ ‬له‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬ولكن‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬الفارق‭ ‬العمري‭ ‬ووجوب‭ ‬تحقق‭ ‬الاحترام‭ ‬والتوقير‭ ‬لمن‭ ‬هو‭ ‬أكبر‭ ‬منّا‭ ‬سنّاً،‭ ‬لحظتها‭ ‬رحت‭ ‬اتخيّل‭ ‬حجم‭ ‬الحرج‭ ‬الذي‭ ‬واجهه‭ ‬هذا‭ ‬الشيخ،‭ ‬بل‭ ‬تخيّلت‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الكبير‭ ‬سنّاً‭ ‬يملكه‭ ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬وسلطة‭ ‬أزالها‭ ‬الدهر،‭ ‬ولربما‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬موقف‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬آلاف‭ ‬شاهدها‭ ‬سواي،‭ ‬فتمنيّت‭ ‬بأن‭ ‬يعي‭ ‬كل‭ ‬صغير‭ ‬بأنه‭ ‬سيكون‭ ‬يوماً‭ ‬مكان‭ ‬هذا‭ ‬الكبير‭ ‬وبأن‭ ‬العمر‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬غمضة‭ ‬عين‭ ‬وبأن‭ ‬العمر‭ ‬مراحل‭ ‬ستنتهي‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬إلى‭ ‬الوهن‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يُدركه‭ ‬الموت‭ ‬قبلاً،‭ ‬وبأن‭ ‬الطريق‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تمسّكنا‭ ‬بتعاليم‭ ‬ديننا‭ ‬الإسلامي‭ ‬وانسانيتنا‭ ‬الحُرّة‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬والعلاقات‭ ‬الإنسانية‭.‬

بل‭ ‬ويمكن‭ ‬أيضاً‭ ‬تهذيب‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ملاحظة‭ ‬المجتمع‭ ‬ومخالطة‭ ‬الأطايب‭ ‬فيه‭ ‬وقراءة‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬سطور‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬فيه،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬لحضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬بتسمية‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬هو‭ ‬تخليداً‭ ‬وتذكيراً‭ ‬بمنجزات‭ ‬باني‭ ‬البحرين‭ ‬الحديثة،‭ ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬بُعدا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬توقير‭ ‬الكبير،‭ ‬كبير‭ ‬العائلة‭ ‬ومؤسس‭ ‬دولة‭ ‬المؤسسات‭ ‬والقانون‭ ‬بصورتها‭ ‬الأولى‭ ‬والتي‭ ‬عادت‭ ‬سيرتها‭ ‬الأولى‭ ‬يوم‭ ‬كانت‭ ‬مملكة‭ ‬دلمون،‭ ‬فصارت‭ ‬مملكة‭ ‬ذات‭ ‬مكانة‭ ‬إقليمية‭ ‬وعالمية‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬جلالته،‭ ‬ولنا‭ ‬في‭ ‬أولياء‭ ‬أمرنا‭ ‬قدوة‭. ‬

مبارك‭ ‬عليكم‭ ‬الشهر‭ ‬وتقبل‭ ‬الله‭ ‬طاعاتكم‭ ‬وصيامكم‭ ‬وقيامكم‭.‬

 

Hanadialjowder@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا