الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
عن المشهورة التي «خلعت الحجاب»
للفنان المصري الراحل «نجيب الريحاني» مقولة جميلة، حيث يقول في أحد مشاهد أفلامه: «واحد مربي دقنه.. وأنت مالك؟».. وفي الأمثال الشامية مقولة: «واحد مربي دقنه، والثاني تعبان فيها».. وتلك المقولة يتم استخدامها حين يتدخل أي فرد في الحياة الشخصية للآخرين.
في ثقافتنا المجتمعية -العربية عموما، والخليجية خصوصا- حينما يقرر رجل ما إطلاق لحيته أو حلقها، يكون الحديث عن درجة تدينه أو تركه الالتزام.. وحينما تقرر أي امرأة لبس الحجاب أو خلعه، يكون الحديث كذلك عن درجة تدينها أو سفورها.. في مقاس «واحد»، من دون الاهتمام بالأخلاق والتعامل.. يكون الحكم لا الفهم هو الأساس.. ويكون الحكم على المرأة أقسى من الحكم على الرجل.. هذه من طباعنا الشرقية الغريبة..!
في الأيام الماضية، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي، الخليجية تحديدا، بقيام امرأة مشهورة كانت محجبة وخلعت حجابها.. الكثير من التعليقات كانت سلبية، وتحدثت في الدين أكثر من أي شيخ دين له آلاف الكتب والمؤلفات.. وكأن صكوك الإيمان تمنح للناس بحسب الشكل لا المضمون.. ليس في كلامنا تقليل من القناعة بشأن الحجاب للمرأة، تلك مسألة لا جدال فيها.. ولكن ليس من العدل أن نطلق الأحكام على الآخرين من دون فهم.. خاصة وأنها لم تهاجم الإسلام أو تتعدى عليه.
الزميل «علي الشريمي»، كتب معلقا حول الواقعة قائلا: ما حدث بعد الخبر هو ما يستحق التوقف، لا الخبر نفسه.. الجمهور لم يتعامل مع الخبر بوصفه خبرًا، بل بوصفه فرصة.. فرصة للغضب، فرصة للاستعراض الأخلاقي، فرصة لإعلان المواقف أمام الآخرين.. في هذا المشهد لا أحد مهتم فعليًا بالمرأة، لا من هاجم ولا من دافع.. الجميع مهتم بنفسه: بصورته، بموقفه، بانتمائه إلى هذا الصف أو ذاك.. المرأة اختفت كإنسان، وبقيت كرمز يُستخدم ويُستدعى ويُستهلك بحسب مزاج «الترند».
المشكلة هنا ليست في اختلاف الآراء.. المشكلة أننا نختلف من دون أن نقرأ، ونحكم من دون أن نفهم، ونغضب من دون أن نعرف لماذا.. ما تكشفه هذه الضجة ليس أزمة قيم بقدر ما هي أزمة قراءة.. نحن نحب الرأي لأنه سهل، ونكره الفهم لأنه مُرهق.. نحب أن نكون جزءًا من الجدل، لكننا لا نحب أن ندفع كلفة التأمل.. ولهذا تتكرر القصة نفسها مع كل «ترند جديد»، بالحدة نفسها.. والسطحية ذاتها.
وأذكر حينما سُئل الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بـدار الإفتاء المصرية، عن الفتاة التي ترتدي الحجاب ثم تخلعه بعد فترة؟ أجاب بكل عقلانية وحكمة قائلا: علينا ألّا نُسارع بالحكم أو الاتهام، بل نلتمس الأسباب، ونبحث عن الظروف التي دفعت هذه الفتاة الى اتخاذ هذا القرار، ربما شبهة أُثيرت في ذهنها، أو موقف مرّت به ترك أثرًا نفسيًا صعبًا، أو تعرضت لضغط اجتماعي.. نحن لا نعالج الخطأ بالتشدد أو القسوة، ذلك أن الرفق هو السبيل الصحيح للتعامل مع من وقع في ذنب أو خطأ.. فلا تعينوا الشيطان على أختكم.
الرسول الكريم قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، فهل من مكارم الأخلاق أن نحكم على فتاة بالفسق أو النفاق لمجرد تصرف واحد من دون أن نعرف ما وراءه؟ الكثير من الناس باتوا يتربصون بأخطاء غيرهم، فقط ليُظهروا أنفسهم بأنهم الأفضل أو الأتقى، وينسون أن الغاية من النصيحة هي مصلحة المخطئ لا الإدانة.. «نحن لا نُهاجم الأشخاص بل الأفعال، ولا نستقبح الإنسان، بل نستقبح الذنب، وفرقٌ كبير بين الاثنين».
ختاما.. رمضان على الأبواب، وهو شهر الرحمة والمغفرة.. ونسأل الله الهداية للجميع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك