العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

عن المشهورة التي «خلعت الحجاب»

للفنان‭ ‬المصري‭ ‬الراحل‭ ‬‮«‬نجيب‭ ‬الريحاني‮»‬‭ ‬مقولة‭ ‬جميلة،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مشاهد‭ ‬أفلامه‭: ‬‮«‬واحد‭ ‬مربي‭ ‬دقنه‭.. ‬وأنت‭ ‬مالك؟‮»‬‭.. ‬وفي‭ ‬الأمثال‭ ‬الشامية‭ ‬مقولة‭: ‬‮«‬واحد‭ ‬مربي‭ ‬دقنه،‭ ‬والثاني‭ ‬تعبان‭ ‬فيها‮»‬‭.. ‬وتلك‭ ‬المقولة‭ ‬يتم‭ ‬استخدامها‭ ‬حين‭ ‬يتدخل‭ ‬أي‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الشخصية‭ ‬للآخرين‭.‬

في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬المجتمعية‭ -‬العربية‭ ‬عموما،‭ ‬والخليجية‭ ‬خصوصا‭- ‬حينما‭ ‬يقرر‭ ‬رجل‭ ‬ما‭ ‬إطلاق‭ ‬لحيته‭ ‬أو‭ ‬حلقها،‭ ‬يكون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬درجة‭ ‬تدينه‭ ‬أو‭ ‬تركه‭ ‬الالتزام‭.. ‬وحينما‭ ‬تقرر‭ ‬أي‭ ‬امرأة‭ ‬لبس‭ ‬الحجاب‭ ‬أو‭ ‬خلعه،‭ ‬يكون‭ ‬الحديث‭ ‬كذلك‭ ‬عن‭ ‬درجة‭ ‬تدينها‭ ‬أو‭ ‬سفورها‭.. ‬في‭ ‬مقاس‭ ‬‮«‬واحد‮»‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالأخلاق‭ ‬والتعامل‭.. ‬يكون‭ ‬الحكم‭ ‬لا‭ ‬الفهم‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭.. ‬ويكون‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬أقسى‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الرجل‭.. ‬هذه‭ ‬من‭ ‬طباعنا‭ ‬الشرقية‭ ‬الغريبة‭..! ‬

في‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬ضجت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬الخليجية‭ ‬تحديدا،‭ ‬بقيام‭ ‬امرأة‭ ‬مشهورة‭ ‬كانت‭ ‬محجبة‭ ‬وخلعت‭ ‬حجابها‭.. ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التعليقات‭ ‬كانت‭ ‬سلبية،‭ ‬وتحدثت‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيخ‭ ‬دين‭ ‬له‭ ‬آلاف‭ ‬الكتب‭ ‬والمؤلفات‭.. ‬وكأن‭ ‬صكوك‭ ‬الإيمان‭ ‬تمنح‭ ‬للناس‭ ‬بحسب‭ ‬الشكل‭ ‬لا‭ ‬المضمون‭.. ‬ليس‭ ‬في‭ ‬كلامنا‭ ‬تقليل‭ ‬من‭ ‬القناعة‭ ‬بشأن‭ ‬الحجاب‭ ‬للمرأة،‭ ‬تلك‭ ‬مسألة‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيها‭.. ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬العدل‭ ‬أن‭ ‬نطلق‭ ‬الأحكام‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬فهم‭.. ‬خاصة‭ ‬وأنها‭ ‬لم‭ ‬تهاجم‭ ‬الإسلام‭ ‬أو‭ ‬تتعدى‭ ‬عليه‭.      ‬

الزميل‭ ‬‮«‬علي‭ ‬الشريمي‮»‬،‭ ‬كتب‭ ‬معلقا‭ ‬حول‭ ‬الواقعة‭ ‬قائلا‭: ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬الخبر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬التوقف،‭ ‬لا‭ ‬الخبر‭ ‬نفسه‭.. ‬الجمهور‭ ‬لم‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الخبر‭ ‬بوصفه‭ ‬خبرًا،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬فرصة‭.. ‬فرصة‭ ‬للغضب،‭ ‬فرصة‭ ‬للاستعراض‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬فرصة‭ ‬لإعلان‭ ‬المواقف‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين‭.. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬مهتم‭ ‬فعليًا‭ ‬بالمرأة،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬هاجم‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬دافع‭.. ‬الجميع‭ ‬مهتم‭ ‬بنفسه‭: ‬بصورته،‭ ‬بموقفه،‭ ‬بانتمائه‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الصف‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.. ‬المرأة‭ ‬اختفت‭ ‬كإنسان،‭ ‬وبقيت‭ ‬كرمز‭ ‬يُستخدم‭ ‬ويُستدعى‭ ‬ويُستهلك‭ ‬بحسب‭ ‬مزاج‭ ‬‮«‬الترند‮»‬‭.‬

المشكلة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬اختلاف‭ ‬الآراء‭.. ‬المشكلة‭ ‬أننا‭ ‬نختلف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نقرأ،‭ ‬ونحكم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نفهم،‭ ‬ونغضب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬لماذا‭.. ‬ما‭ ‬تكشفه‭ ‬هذه‭ ‬الضجة‭ ‬ليس‭ ‬أزمة‭ ‬قيم‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أزمة‭ ‬قراءة‭.. ‬نحن‭ ‬نحب‭ ‬الرأي‭ ‬لأنه‭ ‬سهل،‭ ‬ونكره‭ ‬الفهم‭ ‬لأنه‭ ‬مُرهق‭.. ‬نحب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الجدل،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نحب‭ ‬أن‭ ‬ندفع‭ ‬كلفة‭ ‬التأمل‭.. ‬ولهذا‭ ‬تتكرر‭ ‬القصة‭ ‬نفسها‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬‮«‬ترند‭ ‬جديد‮»‬،‭ ‬بالحدة‭ ‬نفسها‭.. ‬والسطحية‭ ‬ذاتها‭.‬

وأذكر‭ ‬حينما‭ ‬سُئل‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬وسام،‭ ‬أمين‭ ‬الفتوى‭ ‬بـدار‭ ‬الإفتاء‭ ‬المصرية،‭ ‬عن‭ ‬الفتاة‭ ‬التي‭ ‬ترتدي‭ ‬الحجاب‭ ‬ثم‭ ‬تخلعه‭ ‬بعد‭ ‬فترة؟‭ ‬أجاب‭ ‬بكل‭ ‬عقلانية‭ ‬وحكمة‭ ‬قائلا‭: ‬علينا‭ ‬ألّا‭ ‬نُسارع‭ ‬بالحكم‭ ‬أو‭ ‬الاتهام،‭ ‬بل‭ ‬نلتمس‭ ‬الأسباب،‭ ‬ونبحث‭ ‬عن‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬هذه‭ ‬الفتاة‭ ‬الى‭ ‬اتخاذ‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬ربما‭ ‬شبهة‭ ‬أُثيرت‭ ‬في‭ ‬ذهنها،‭ ‬أو‭ ‬موقف‭ ‬مرّت‭ ‬به‭ ‬ترك‭ ‬أثرًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬صعبًا،‭ ‬أو‭ ‬تعرضت‭ ‬لضغط‭ ‬اجتماعي‭.. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نعالج‭ ‬الخطأ‭ ‬بالتشدد‭ ‬أو‭ ‬القسوة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الرفق‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الصحيح‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬ذنب‭ ‬أو‭ ‬خطأ‭.. ‬فلا‭ ‬تعينوا‭ ‬الشيطان‭ ‬على‭ ‬أختكم‭.‬

الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬قال‭: ‬إنما‭ ‬بعثت‭ ‬لأتمم‭ ‬مكارم‭ ‬الأخلاق،‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬مكارم‭ ‬الأخلاق‭ ‬أن‭ ‬نحكم‭ ‬على‭ ‬فتاة‭ ‬بالفسق‭ ‬أو‭ ‬النفاق‭ ‬لمجرد‭ ‬تصرف‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬ما‭ ‬وراءه؟‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬باتوا‭ ‬يتربصون‭ ‬بأخطاء‭ ‬غيرهم،‭ ‬فقط‭ ‬ليُظهروا‭ ‬أنفسهم‭ ‬بأنهم‭ ‬الأفضل‭ ‬أو‭ ‬الأتقى،‭ ‬وينسون‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬النصيحة‭ ‬هي‭ ‬مصلحة‭ ‬المخطئ‭ ‬لا‭ ‬الإدانة‭.. ‬‮«‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نُهاجم‭ ‬الأشخاص‭ ‬بل‭ ‬الأفعال،‭ ‬ولا‭ ‬نستقبح‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬نستقبح‭ ‬الذنب،‭ ‬وفرقٌ‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‮»‬‭.‬

ختاما‭.. ‬رمضان‭ ‬على‭ ‬الأبواب،‭ ‬وهو‭ ‬شهر‭ ‬الرحمة‭ ‬والمغفرة‭.. ‬ونسأل‭ ‬الله‭ ‬الهداية‭ ‬للجميع‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا