خمسون عامًا من الحكاية الجميلة، كتبتها «أخبار الخليج» بالحبر والعرق، بالاجتهاد والإيمان، وبقلمٍ ارتبط بالصدق في الكلمة، والإخلاص في الرسالة. خمسون عامًا كانت فيها الصحيفة شاهدًا وشريكًا في مسيرة وطن، أسهمت في نقل الحدث، وتعميق فهمه، وصياغة الوعي من حوله.
في كل سطرٍ من تاريخها، امتزجت الحكاية الوطنية بالمهنية الصحفية، فغدت «أخبار الخليج» مرآةً لنبض البحرين والعرب، ومساحةً مهنيةً تخرّجت فيها أجيال من الصحفيين الذين وجدوا بين صفحاتها مدرستهم الأولى ومنبرهم الأوسع، وتعلّموا أن الصحافة مسؤولية قبل أن تكون مهنة.
منذ عددها الأول في سبعينيات القرن الماضي، أرست «أخبار الخليج» معيارًا راسخًا للصحافة المحلية، قوامه الدقة، والمصداقية، والالتزام المهني. وفي زمنٍ كانت الكلمة فيه تُوزن بالذهب، اختارت أن تكون قريبة من الوطن، مخاطِبةً العقل بوعي، والناس باحترام، ومعبّرة عن القضايا بروح مسؤولة ومتزنة.
ويظل الدور المحوري للصحفي الرائد محمود المردي حاضرًا في مسيرة الجريدة، كمؤسس وأول من تولّى رئاسة تحريرها منذ انطلاقتها حتى يوم وفاته. فقد كان المردي صاحب رؤية واضحة، ومهندسًا لخطابٍ صحفي وطني أسّس لمدرسة بحرينية رصينة، جعلت المسؤولية المهنية واحترام العقل والمصلحة العامة ركائز أساسية للعمل الصحفي.
ومن خلال قيادته التحريرية، تشكّلت مدرسة صحفية جمعت بين الصرامة المهنية والوعي الوطني، وحرصت على أن تكون الجريدة مساحةً للتنوير، ومنبرًا للوعي الهادئ، ومجالًا لتقديم الرأي المتزن. وتحت إشرافه، تخرّجت أجيال من الصحفيين الذين حملوا قيم الدقة والاتزان والصدق، وبقي أثره واضحًا في أسلوب الكتابة وفلسفة العمل الصحفي التي ميّزت «أخبار الخليج» على امتداد عقود.
وعبر نصف قرن، شهدت البحرين والمنطقة تحولات كبرى؛ تغيّر شكل الإعلام، وتسارع إيقاع الحياة، فيما حافظت «أخبار الخليج» على ثوابتها، وطوّرت أدواتها، وصانت روحها، والتزمت برسالتها. فكانت الجريدة التي عبرت الأجيال، ورافقت مراحل البناء والتحديث، وشهدت على مسيرة الوطن، ودوّنت تاريخه بحروفٍ من مسؤولية، ونقلت صوته إلى العالم بلغةٍ من وعي واتزان.
ولأن الصحافة تزدهر برجالها ونسائها، فإن الحديث عن «أخبار الخليج» هو حديث عن روادٍ صنعوا المجد بصمتٍ ومثابرة، وعن أقلامٍ أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي، وترسيخ قيم الانتماء والمواطنة والاعتدال.
في يوبيلها الذهبي، يتجدد التقدير لمسيرةٍ مهنية ناصعة، ويتأكد الامتنان لكل من مرّ بين جدرانها، ولكل من كتب وحرّر وراجع، ولكل من حمل كاميرته في ليلٍ طويل بحثًا عن حقيقة تحفظ ذاكرة الوطن.
مباركٌ لـ«أخبار الخليج» خمسين عامًا من العطاء، ومباركٌ للبحرين هذا المنجز الصحفي الذي أسهم في تشكيل الوعي، وصناعة ذاكرة وطنية باقية، ولتبقى الصحافة في بلادنا منارةً للكلمة المسؤولة، التي تكرّم الوطن، وتحفظ صدقه، وتصون رسالته.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك