على هامش الحرب الطويلة في غزة، يقف طارق حسن درويش في مهمة فريدة من نوعها، لا يحمل فيها سلاحاً ولا يعتلي منبراً، بل يتسلح بذاكرة استثنائية تحولت إلى أرشيف حيّ لأسماء الشهداء. فمنذ أكثر من ربع قرن كرّس الرجل حياته لحفظ أسماء الضحايا وتواريخ استشهادهم وتفاصيل قصصهم، حتى بات يُعرف بين أبناء المخيم بـ«حارس الذاكرة» أو «الحارس غير المعلن» للشهداء.
بدأت الحكاية مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، حين هزّه مشهد استشهاد الطفل محمد الدرة، لتتشكّل لديه قدرة نادرة على تثبيت الأسماء والوجوه في ذاكرته من المرة الأولى. ومع تعاقب الاجتياحات والحروب حفظ مئات ثم آلاف الأسماء، مع تفاصيل الاستشهاد، من دون دفاتر أو وسائل تقنية، معتبراً ذلك «تكليفاً معنوياً» لا موهبة شخصية، ورسالة وفاء لمن رحلوا.
لكن تصاعد أعداد الضحايا، وخصوصاً خلال حرب الإبادة الأخيرة التي تجاوز فيها عدد الشهداء عشرات الآلاف، وضع ذاكرته أمام اختبار قاسٍ. فبعدما كان يحفظ عشرة أو عشرين اسماً يومياً، بات يواجه مئات الأسماء في اليوم الواحد. ورغم العجز الإنساني أمام هذا السيل، لم يتوقف، بل واصل زيارة عائلات الشهداء، يواسيهم ويستحضر أسماء أبنائهم وكأنهم مازالوا أحياء بينهم.
في منزله المتواضع يحتفظ طارق بأرشيف ورقي ضخم يضم صور الشهداء، يعتبره «كنزاً تاريخياً» يخشى عليه أكثر من خوفه على بيته نفسه.
وخلال موجات النزوح المتكررة كان همه الأول إنقاذ هذا الأرشيف من القصف أو الضياع، رافضاً التفريط بأي صورة أصلية، بعدما فقدت عائلات كثيرة ذكريات أبنائها تحت الركام.
ويرى درويش أن أخطر ما يواجه الشهداء ليس الموت بل النسيان، داعياً إلى إنشاء أرشيف رقمي وطني يحفظ أسماءهم وسيرهم للأجيال. فهو لا يطلب شهرة أو مقابلاً، بل يريد أن تبقى الأسماء حيّة في الوعي الجمعي، لأن «النسيان موتٌ ثانٍ»، على حد تعبيره، فيما يواصل مهمته اليومية كجسرٍ بين الذاكرة وأصحاب الفقد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك