العدد : ١٧٤٧٤ - الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٤ - الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤٧هـ

الصفحة الأخيرة

أرشيف في صدر رجل.. مواطن من غزة يحفظ آلاف أسماء الشهداء

الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

على‭ ‬هامش‭ ‬الحرب‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬يقف‭ ‬طارق‭ ‬حسن‭ ‬درويش‭ ‬في‭ ‬مهمة‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها،‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬فيها‭ ‬سلاحاً‭ ‬ولا‭ ‬يعتلي‭ ‬منبراً،‭ ‬بل‭ ‬يتسلح‭ ‬بذاكرة‭ ‬استثنائية‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أرشيف‭ ‬حيّ‭ ‬لأسماء‭ ‬الشهداء‭. ‬فمنذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬كرّس‭ ‬الرجل‭ ‬حياته‭ ‬لحفظ‭ ‬أسماء‭ ‬الضحايا‭ ‬وتواريخ‭ ‬استشهادهم‭ ‬وتفاصيل‭ ‬قصصهم،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬يُعرف‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬المخيم‭ ‬بـ«حارس‭ ‬الذاكرة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الحارس‭ ‬غير‭ ‬المعلن‮»‬‭ ‬للشهداء‭.‬

بدأت‭ ‬الحكاية‭ ‬مع‭ ‬اندلاع‭ ‬انتفاضة‭ ‬الأقصى‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬حين‭ ‬هزّه‭ ‬مشهد‭ ‬استشهاد‭ ‬الطفل‭ ‬محمد‭ ‬الدرة،‭ ‬لتتشكّل‭ ‬لديه‭ ‬قدرة‭ ‬نادرة‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬الأسماء‭ ‬والوجوه‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬من‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭. ‬ومع‭ ‬تعاقب‭ ‬الاجتياحات‭ ‬والحروب‭ ‬حفظ‭ ‬مئات‭ ‬ثم‭ ‬آلاف‭ ‬الأسماء،‭ ‬مع‭ ‬تفاصيل‭ ‬الاستشهاد،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬دفاتر‭ ‬أو‭ ‬وسائل‭ ‬تقنية،‭ ‬معتبراً‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬تكليفاً‭ ‬معنوياً‮»‬‭ ‬لا‭ ‬موهبة‭ ‬شخصية،‭ ‬ورسالة‭ ‬وفاء‭ ‬لمن‭ ‬رحلوا‭.‬

لكن‭ ‬تصاعد‭ ‬أعداد‭ ‬الضحايا،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬تجاوز‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬الشهداء‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف،‭ ‬وضع‭ ‬ذاكرته‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬قاسٍ‭. ‬فبعدما‭ ‬كان‭ ‬يحفظ‭ ‬عشرة‭ ‬أو‭ ‬عشرين‭ ‬اسماً‭ ‬يومياً،‭ ‬بات‭ ‬يواجه‭ ‬مئات‭ ‬الأسماء‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الواحد‭. ‬ورغم‭ ‬العجز‭ ‬الإنساني‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬السيل،‭ ‬لم‭ ‬يتوقف،‭ ‬بل‭ ‬واصل‭ ‬زيارة‭ ‬عائلات‭ ‬الشهداء،‭ ‬يواسيهم‭ ‬ويستحضر‭ ‬أسماء‭ ‬أبنائهم‭ ‬وكأنهم‭ ‬مازالوا‭ ‬أحياء‭ ‬بينهم‭.‬

في‭ ‬منزله‭ ‬المتواضع‭ ‬يحتفظ‭ ‬طارق‭ ‬بأرشيف‭ ‬ورقي‭ ‬ضخم‭ ‬يضم‭ ‬صور‭ ‬الشهداء،‭ ‬يعتبره‭ ‬‮«‬كنزاً‭ ‬تاريخياً‮»‬‭ ‬يخشى‭ ‬عليه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خوفه‭ ‬على‭ ‬بيته‭ ‬نفسه‭. ‬

وخلال‭ ‬موجات‭ ‬النزوح‭ ‬المتكررة‭ ‬كان‭ ‬همه‭ ‬الأول‭ ‬إنقاذ‭ ‬هذا‭ ‬الأرشيف‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬أو‭ ‬الضياع،‭ ‬رافضاً‭ ‬التفريط‭ ‬بأي‭ ‬صورة‭ ‬أصلية،‭ ‬بعدما‭ ‬فقدت‭ ‬عائلات‭ ‬كثيرة‭ ‬ذكريات‭ ‬أبنائها‭ ‬تحت‭ ‬الركام‭.‬

ويرى‭ ‬درويش‭ ‬أن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬الشهداء‭ ‬ليس‭ ‬الموت‭ ‬بل‭ ‬النسيان،‭ ‬داعياً‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬أرشيف‭ ‬رقمي‭ ‬وطني‭ ‬يحفظ‭ ‬أسماءهم‭ ‬وسيرهم‭ ‬للأجيال‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬شهرة‭ ‬أو‭ ‬مقابلاً،‭ ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬الأسماء‭ ‬حيّة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬النسيان‭ ‬موتٌ‭ ‬ثانٍ‮»‬،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيره،‭ ‬فيما‭ ‬يواصل‭ ‬مهمته‭ ‬اليومية‭ ‬كجسرٍ‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬وأصحاب‭ ‬الفقد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا