كشفت البروفيسور دلال الرميحي استشاري الغدد الصماء والسكري بمستشفى عوالي – استاذ مشارك في الطب الباطني في الكلية الملكية للجراحين في إيرلندا، عن تزايد الأسئلة مع بداية عام جديد والتي تدور حول نمط الحياة الصحي، والأثر الذي تتركه في أنفسنا وعلى من حولنا ، منوهة إلى أنه في ضغوط الحياة وزحام المسؤوليات وتسارع الأيام، كثيراً ما تتراجع الصحة إلى مرتبة متأخرة، رغم أنها الأساس الذي تُبنى عليه القدرة على العمل والعطاء والاستمتاع بالحياة.
وأضافت الدكتورة دلال الصحة قائلة: ليست ترفاً، ولا قضية شخصية معزولة، بل هي مسؤولية تبدأ من الفرد، وتنعكس على الأسرة، وتمتد لتشكل صحة المجتمع بأكمله.
وقد رسخ الإسلام هذا المعنى بوضوح حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالمسؤولية لا تقتصر على الأبناء أو من نعولهم مادياً، بل تشمل الجسد الذي نُؤتمن عليه، والعقل الذي نغذيه بالمعرفة، والعادات التي نمارسها أمام أسرنا، والسلوكيات التي تنتقل – بوعي أو من دون وعي – إلى من حولنا. من هذا المنطلق، تصبح العناية بالصحة جزءاً من الأمانة، ووجهاً من وجوه القيام بالمسؤولية.
وكثيراً ما ترتبط بدايات السنة الجديدة بوضع أهداف صحية كبيرة وطموحة، إلا أن التجربة والبحث العلمي يبينان أن الاستدامة لا تتحقق عبر القرارات المفاجئة أو التغييرات الجذرية، بل عبر خطوات صغيرة، واقعية، وقابلة للاستمرار. التغيير الصحي ليس سباقاً ولا اختباراً للكمال، بل مساراً هادئاً يقوم على التدرج والمرونة.
من هنا، قد يكون من المفيد أن يكون الهدف لهذا العام بسيطاً وعميقاً في آن واحد، وهو أن يكون الإنسان أقرب إلى الصحة بخطوة واحدة كل شهر. خطوة واحدة فقط، لكنها محسوبة، ومقصودة، ومتراكمة. فمع كل شهر يمكن للمرء أن يترك عادة غير مفيدة، أو أن يتبنى سلوكاً صحياً جديداً، من دون ضغط أو تعقيد. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الخطوات الصغيرة إلى نمط حياة مختلف، أكثر توازناً واستقراراً.
على المستوى الشخصي، قد تتمثل هذه الخطوات في تحسين جودة النوم، أو زيادة الحركة اليومية بشكل بسيط، أو الاهتمام بالتغذية بصورة أكثر وعياً، أو تخصيص وقت منتظم للقراءة من مصادر طبية موثوقة. كما يمكن أن تشمل الاهتمام بالصحة النفسية من خلال إتاحة مساحات للهدوء، أو تخفيف مصادر التوتر، أو إعادة تنظيم الأولويات بما يحفظ الطاقة النفسية ويعزز الشعور بالرضا.
أما داخل الأسرة، فالتغيير الصحي غالباً ما يبدأ من القدوة لا من التوجيه المباشر. حين تتحول الوجبات إلى لحظات مشتركة واعية، وحين يصبح الحديث عن الصحة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، وحين يرى الأبناء في الكبار نموذجاً للتوازن والاعتدال، فإن الثقافة الصحية تُغرس من دون عناء. الأسرة هي البيئة الأولى التي تتشكل فيها العادات، ومنها تنطلق صحة الأجيال القادمة.
ويمتد أثر هذه الخطوات إلى المجتمع الأوسع، حيث يمكن لكل فرد أن يكون عنصراً فاعلاً في نشر الوعي الصحي، سواء عبر مشاركة معلومة موثوقة، أو تصحيح مفهوم خاطئ بلطف، أو دعم مبادرات تطوعية، أو ببساطة عبر سلوك يومي إيجابي يراه الآخرون ويتأثرون به. فالمجتمعات الصحية لا تُبنى فقط بالأنظمة والسياسات، بل بالوعي الجمعي والممارسة اليومية.
العلم الحديث يؤكد أن الوقاية هي الركيزة الأساسية للصحة العامة، وأن معظم الأمراض المزمنة ترتبط بسلوكيات قابلة للتعديل على المدى الطويل. وهذا يتناغم مع القيم الدينية التي تحث على الاعتدال، وحفظ النفس، وعدم الإضرار بها. فلا تعارض بين الإيمان والعلم، بل هو تكامل يوجه الإنسان نحو حياة أكثر توازناً ومسؤولية.
واختتمت قائلة: «لسنا مطالبين بعام مثالي، ولا بخطط مرهقة، بل بعام أكثر قرباً من الصحة، وأكثر وعياً بالاختيارات اليومية الصغيرة. خطوة واحدة كل شهر قد تكون كافية لتغيير المسار، وبناء صحة أفضل للفرد، والأسرة، والمجتمع. فالصحة طريق نسير فيه معاً، وبالجميع، ومن أجل الجميع».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك