العدد : ١٦٨٣٠ - الأحد ٢١ أبريل ٢٠٢٤ م، الموافق ١٢ شوّال ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٣٠ - الأحد ٢١ أبريل ٢٠٢٤ م، الموافق ١٢ شوّال ١٤٤٥هـ

مقالات

استراتيجيات هدم الأسرة

بقلم: المحامية د. هنادي عيسى الجودر

الأحد ٢٥ فبراير ٢٠٢٤ - 02:00

القراء‭ ‬الأعزاء،‭ ‬

قبل‭  ‬حوالي‭ ‬عامين‭ ‬قرأت‭ ‬كتاب‭ (‬المواثيق‭ ‬الدولية‭ ‬وأثرها‭ ‬في‭ ‬هدم‭ ‬الأسرة،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬تأسيس‭ ‬المنظمة‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬وحتى‭ ‬مطلع‭ ‬2019‭) ‬للدكتورة‭ ‬كاميليا‭ ‬حلمي‭ ‬محمد،‭ ‬المنشور‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬حيث‭ ‬تعمقت‭ ‬الباحثة‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يجهله‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬سعي‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬غير‭ ‬المنقطع‭ ‬عبر‭ ‬السنوات‭ ‬الطويلة‭ ‬لفرض‭ ‬وصايتها‭ ‬على‭ ‬شعوب‭ ‬الأرض،‭ ‬وصاية‭ ‬كانت‭ ‬تتغير‭ ‬وفقاً‭ ‬لمتغيرات‭ ‬المراحل‭ ‬التاريخية،‭ ‬انتهت‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المعصرة‭ ‬إلى‭ ‬عولمة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬لتكون‭ ‬أداتها‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬الاشتغال‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬والطفل‭ ‬باعتبارهما‭ ‬عنصرين‭ ‬مهمين‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬وكيان‭ ‬الأسرة‭.‬

حيث‭ ‬تطرّفت‭ ‬الباحثة‭ ‬إلى‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬والسياسات‭ ‬التي‭ ‬رسمتها‭ ‬المواثيق‭ ‬الدولية‭ ‬للمرأة‭ ‬والطفل‭ ‬لهدم‭ ‬واستئصال‭ ‬الأسرة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬الوحدة‭ ‬الأساسية‭ ‬لبناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬والتي‭ ‬إذا‭ ‬صلحت‭ ‬صلح‭ ‬المجتمع‭ ‬بأكمله‭ ‬وإذا‭ ‬انهارت‭ ‬انهار‭ ‬المجتمع‭ ‬كله،‭ ‬فالأسرة‭ ‬الطبيعية‭ ‬هي‭ ‬أصل‭ ‬الترابط‭ ‬والاتحاد‭ ‬والتوّاد‭ ‬والتراحم‭ ‬وحفظ‭ ‬النسل‭ ‬البشري‭ ‬والإحصان‭ ‬وتقوية‭ ‬أفرادها‭ ‬والكفاية‭ ‬لاحتياجاتهم‭ ‬الأساسية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المقاصد‭ ‬والمنافع‭ ‬والإيجابيات‭ ‬التي‭ ‬يُحققها‭ ‬للإنسان‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الأسرة‭.‬

وقد‭ ‬أعادت‭ ‬بعض‭ ‬السلوكيات‭ ‬التي‭ ‬شاهدها‭ ‬الكثير‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬لوسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬دور‭  ‬في‭ ‬انتشارها‭ ‬ووصولها‭ ‬إلى‭ ‬شريحة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ذكرى‭ ‬مضمون‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬لاسيما‭ ‬وإن‭ ‬السلوك‭ ‬الذي‭ ‬شاهدناه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ما‭ ‬تطرقت‭ ‬إليه‭ ‬الباحثة‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬والسياسات‭ ‬التي‭ ‬انتهجت‭ ‬لهدم‭ ‬الأسرة،‭ ‬والتي‭ ‬ناقشتها‭ ‬في‭ ‬فصلين‭ ‬الأول‭ ‬بعنون‭: ‬صرف‭ ‬الشباب‭ ‬عن‭ ‬الزواج،‭ ‬والثاني‭ ‬بعنوان‭ ‬هدم‭ ‬الأسرة‭ ‬القائمة،‭ ‬وسأخصص‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬المبحث‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬والمتعلق‭ ‬بتقنين‭ ‬الشذوذ‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬نشاهده‭ ‬أينما‭ ‬يمّمنا‭ ‬وجهنا،‭ ‬وإن‭ ‬مجموعة‭ ‬الفيديوهات‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬وأعلنت‭ ‬سلوكا‭ ‬مخالفا‭ ‬لعاداتنا‭ ‬وأعرافنا‭ ‬وتقاليدنا‭ ‬وعقيدتنا،‭ ‬من‭ ‬أبنائنا‭ ‬الطلبة‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة،‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬خلاصة‭ ‬لثقافة‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬المؤمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المؤسس‭ ‬للأسر‭ ‬المستقبلية‭.‬

ففي‭ ‬إحدى‭ ‬المدارس‭ ‬طالب‭ ‬يمارس‭ ‬دور‭ ‬القديس‭ ‬ليتم‭ ‬عقد‭ ‬زواج‭ ‬طالبتين‭ ‬ويتلو‭ ‬عليهما‭ ‬عهود‭ ‬الزواج‭ ‬وسط‭ ‬أصوات‭ ‬مباركة‭ ‬زملائهم‭ ‬وطالب‭ ‬آخر‭ ‬يُشرف‭ ‬على‭ ‬تقدّم‭ ‬طالب‭ ‬آخر‭ ‬لطلب‭ ‬يد‭ ‬زميله‭ ‬تحت‭ ‬أعين‭ ‬بقية‭ ‬الطلبة‭ ‬وهتافهم‭ ‬لزميلهم‭ ‬المتقدم‭ ‬بعرض‭ ‬الزواج‭ ‬لكي‭ ‬يجثو‭ ‬على‭ ‬ركبتيه‭ ‬أثناء‭ ‬تقديمه‭ ‬خاتم‭ ‬الخطبة،‭ ‬ويبدو‭ ‬من‭ ‬ظاهر‭ ‬الفيديوهات‭ - ‬والله‭ ‬أعلم‭ - ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬استعدادات‭ (‬بروفات‭) ‬لفقرة‭ ‬مسرحية‭ ‬مدرسية‭ ‬يتم‭ ‬الاستعداد‭ ‬لها‭ ‬ومراجعتها‭ ‬تهيئة‭ ‬لعرضها‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬يوم‭ ‬الحب‭ (‬الفالنتاين‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬المستغرب‭ ‬أن‭ ‬الطلبة‭ ‬ذكوراً‭ ‬وإناثاً‭ ‬يبدو‭ ‬أنهم‭ ‬متقبلين‭ ‬الوضع‭ ‬ومشجعين‭ ‬له،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬للأسر‭ ‬وللدولة‭.‬

والمشاهد‭ ‬السابقة‭ ‬ليست‭ ‬بغريبة‭ ‬علينا‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬الطلبة‭ ‬والطالبات‭ ‬لأن‭ ‬أحدنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬شاهد‭ ‬مقطعاً‭ ‬ولو‭ ‬عرضياً‭ ‬مما‭ ‬يُعرض‭ ‬أمامنا‭ ‬جميعاً‭ ‬وأمام‭ ‬أبنائنا‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬ومسلسلات‭ ‬أجنبية‭ ‬في‭ ‬القنوات‭ ‬المختلفة‭ ‬والمتنوعة‭ ‬المتاحة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الأمرّ‭ ‬والأدهى‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُشاهده‭ ‬الأطفال‭ ‬ممن‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬سن‭ ‬التعليم‭ ‬الإلزامي‭ ‬من‭ ‬قنوات‭ ‬اليوتيوب‭ ‬التي‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬دسّ‭ ‬سمّ‭ ‬إفساد‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬عسل‭ ‬البرامج‭ ‬المتنوعة‭ ‬التي‭ ‬تعرضها،‭ ‬والتي‭ ‬يُشاهدها‭ ‬الأطفال‭ ‬غير‭ ‬المميزين‭ ‬دون‭ ‬رقابة‭ ‬من‭ ‬أهلهم،‭ ‬وهو‭ ‬بلا‭ ‬شكّ‭ ‬كفيل‭ ‬بأن‭ ‬يخلق‭ ‬ثقافة‭ ‬تقبل‭ ‬المشاهد‭ ‬التي‭ ‬تحدثنا‭ ‬عنها‭ ‬وتُباركها،‭ ‬وإننا‭ ‬لنخشى‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬ونأمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬حراك‭ ‬للدفاع‭ ‬عنهم‭ ‬وحمايتهم‭ ‬وإحكام‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يشاهدون‭ ‬وما‭ ‬تستقبله‭ ‬عقولهم‭ ‬البريئة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭.  ‬

وبالتأكيد‭ ‬إن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬هو‭ ‬سلوك‭ ‬مستهجن‭ ‬ومُستنكر‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬تحكمه‭ ‬شرائعه‭ ‬وعاداته‭ ‬وتقاليده‭ ‬ولاسيما‭ ‬وأن‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬هي‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للتشريع‭ ‬في‭ ‬المملكة،‭ ‬وأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬يُعد‭ ‬معول‭ ‬هدم‭ ‬ومُهددا‭ ‬لوجود‭ ‬الأسرة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صرف‭ ‬الشباب‭ ‬عن‭ ‬تكوين‭ ‬أسرة‭ ‬طبيعية‭ ‬منتجة‭ ‬وحافظة‭ ‬للنوع‭ ‬البشري‭.‬

‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬علمنا‭ ‬وأدركنا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬للنيل‭ ‬من‭ ‬ثقافتنا‭ ‬ومبادئنا‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإنسانية‭ ‬وإلى‭ ‬إفساد‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للأسرة،‭ ‬فإنه‭ ‬يصبح‭ ‬لزاماً‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬ويتوجب‭ ‬عليها‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬الفطرة‭ ‬السليمة‭ ‬لدى‭ ‬أبنائها‭ ‬ونبذ‭ ‬ما‭ ‬يخالف‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬كما‭ ‬يتوجب‭ ‬عليها‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تتغذى‭ ‬عليه‭ ‬عقول‭ ‬فلذات‭ ‬أكبادها‭ ‬لضمان‭ ‬بقائهم‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬الصواب‭.‬

ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬دستور‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬قد‭ ‬أكد‭ ‬أهمية‭ ‬الأسرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أساس‭ ‬المجتمع‭ ‬وأنه‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬حفظ‭ ‬وحماية‭ ‬كيانها‭ ‬الشرعي،‭ ‬وأن‭ ‬الأسرة‭ ‬هي‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭ ‬الأولى‭  ‬للطفل‭ ‬ثم‭ ‬تتولى‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬المدرسة‭ ‬وكلاهما‭ ‬يُسهمان‭ ‬في‭ ‬صقل‭ ‬الوعي‭ ‬لديه‭ ‬والعلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬والثقافة‭ ‬وغرس‭ ‬القيم‭ ‬فيه،‭ ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬باعتبارها‭ ‬الجهة‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬التعليم‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المدارس‭ ‬وإعمال‭ ‬مبدأ‭ ‬المحاسبة‭ ‬للمخالفين،‭ ‬وتأكيد‭ ‬أهمية‭ ‬دورهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬جيل‭ ‬مُسلّح‭ ‬بالعلم‭ ‬والمبادئ‭ ‬ومتمسك‭ ‬بهويته‭ ‬ودينه‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬يُخالف‭ ‬فطرته‭ ‬وخلقه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا