العدد : ١٦٨٢٩ - السبت ٢٠ أبريل ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شوّال ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٢٩ - السبت ٢٠ أبريل ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شوّال ١٤٤٥هـ

مقالات

مدونة مي زيادة
البلديات وجمال المدن

السبت ١٥ يوليو ٢٠٢٣ - 02:00

سنبدأ‭ ‬هنا‭ ‬بتعريف‭ ‬المُعَرّف،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬البلدية‭ ‬مؤسسة‭ ‬حكومية‭ ‬غايتها‭ ‬الرئيسية‭ ‬تطوير‭ ‬المدن‭ ‬وما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬ضواح‭ ‬وقرى‭ ‬وغيرها،‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬مهامها‭ ‬وضع‭ ‬القواعد‭ ‬الأساسية‭ ‬لمخططات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للمناطق،‭ ‬وهياكل‭ ‬المخططات‭ ‬العمرانية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تطوير‭ ‬الشوارع‭ ‬والأسواق‭ ‬والحدائق‭ ‬والمساحات‭ ‬الخضراء‭ ‬والشواطئ،‭ ‬وخدمات‭ ‬التنظيف‭ ‬والنظافة‭ ‬العامة،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بجمالية‭ ‬هذه‭ ‬المناطق،‭ ‬وقوة‭ ‬وانسيابية‭ ‬وتطور‭ ‬البنى‭ ‬التحتية،‭ ‬ومدى‭ ‬اتساع‭ ‬وتناسق‭ ‬المظاهر‭ ‬الجمالية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تلمسها‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والأحياء‭ ‬والمناطق‭ ‬التي‭ ‬تديرها‭ ‬هذه‭ ‬البلديات‭. ‬

إذن‭ ‬عندما‭ ‬ننبهر‭ ‬بجمال‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬نزورها‭ ‬فإن‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬هو‭ ‬عظمة‭ ‬مؤسساتها‭ ‬البلدية‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الجمال‭ ‬للناظرين،‭ ‬واهتمت‭ ‬بتخطيطها‭ ‬العمراني‭ ‬وبتطوير‭ ‬كافة‭ ‬المرافق‭ ‬والطرق‭ ‬والشوارع،‭ ‬والتزمت‭ ‬بنظافتها،‭ ‬وبالأنظمة‭ ‬والقوانين‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬الاستدامة‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الحضرية‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الشعوب‭. ‬

هذه‭ ‬المقدمة‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬تعريف‭ ‬بسيط‭ ‬لشؤون‭ ‬البلديات‭ ‬التي‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نقارن‭ ‬بها‭ ‬أداء‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬البلدية‭ ‬في‭ ‬مملكتنا‭ ‬العزيزة،‭ ‬وهي‭ ‬مؤسسات‭ ‬تخصص‭ ‬لها‭ ‬الحكومة‭ ‬ميزانيات‭ ‬كبرى‭ ‬وطواقم‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬الإداريين‭ ‬والخبراء‭ ‬والمهندسين‭ ‬والمخططين‭ ‬وواضعي‭ ‬القوانين‭ ‬والانظمة،‭ ‬والعاملين،‭ ‬يجب‭ ‬استثمارها‭ ‬أفضل‭ ‬استثمار‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬مدن‭ ‬ذات‭ ‬بنى‭ ‬تحتية‭ ‬متينة،‭ ‬ومخططات‭ ‬راقية‭ ‬وجميلة‭ ‬وانسيابية‭ ‬بكل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الهندسية‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬علمياً‭ ‬وعمرانياً‭ ‬وسكانياً‭ ‬وبيئياً‭.‬

من‭ ‬المؤسف‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬أول‭ ‬بلدية‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ (‬1919‭) ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬البلدية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬تخلف‭ ‬فكري‭ ‬ومعرفي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬تطوير‭ ‬أدائها‭.‬

بلديتنا‭ ‬المحترمة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬قصور‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬رؤيتها‭ ‬حول‭ ‬مهامها،‭ ‬وقصور‭ ‬أشد‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذه‭ ‬المهام‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬البلاد‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬البلديات‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬حول‭ ‬أهم‭ ‬العناصر‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬نشأة‭ ‬وبناء‭ ‬المدن‭ ‬الحديثة،‭ ‬ومعاير‭ ‬المظاهر‭ ‬الجمالية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المدن،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬مقيدة‭ ‬بأطر‭ ‬بدائية‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬تجاوزها‭ ‬رغم‭ ‬تقدم‭ ‬الوقت‭ ‬وعولمة‭ ‬المعرفة‭ ‬وظهور‭ ‬المدن‭ ‬الجميلة‭ ‬والذكية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المواصفات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬عنصراً‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬التقدم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والسياحي‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

فلا‭ ‬تزال‭ ‬بعض‭ ‬الشوارع‭ ‬والطرقات‭ ‬والأسواق‭ ‬في‭ ‬مدننا‭ ‬وخارجها‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬العشوائي‭ ‬والبناء‭ ‬الفوضوي‭ ‬الذي‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاختناقات‭ ‬والعوائق‭ ‬في‭ ‬الاستخدام‭ ‬والمرور،‭ ‬ناهيك‭ ‬عما‭ ‬تنشره‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬العشوائية‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬العام،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬التدني‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والأمنية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬مدننا‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الحدائق‭ ‬العامة،‭ ‬أو‭ ‬حديقة‭ ‬عامة‭ ‬واحدة‭ ‬كبيرة‭ ‬يشار‭ ‬إليها‭ ‬بالبنان،‭ ‬تعتبر‭ ‬مقصداً‭ ‬للراحة‭ ‬والاسترخاء‭... ‬حدائق‭ ‬مظللة‭ ‬بالأشجار‭ ‬الكثيفة‭ ‬وأنواع‭ ‬من‭ ‬المساحات‭ ‬الخضراء‭ ‬الجميلة‭ ‬والمستدامة‭ ‬مع‭ ‬بيئتنا‭ ‬المحلية،‭ ‬وذات‭ ‬مساحات‭ ‬صالحة‭ ‬لرياضة‭ ‬المشي‭ ‬والدراجات،‭ ‬والمساحات‭ ‬المائية‭ ‬والمقاهي‭ ‬الجميلة‭ ‬الصغيرة‭ ‬الأنيقة‭ ‬الصالحة‭ ‬لقضاء‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬الأهل‭ ‬والأصدقاء‭ ‬والأطفال‭... ‬نعم‭ ‬نحن‭ ‬شعب‭ ‬نستحق‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬بين‭ ‬مساحات‭ ‬خضراء‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الأكسجين‭ ‬وتوفير‭ ‬أجواء‭ ‬صحية‭ ‬توحي‭ ‬بالراحة،‭ ‬وتخلق‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بزيارة‭ ‬الحدائق؛‭ ‬نستحق‭ ‬أن‭ ‬تتعود‭ ‬عيوننا‭ ‬مشاهدة‭ ‬الجمال‭ ‬عوضاً‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬العشوائيات‭ ‬والحدائق‭ ‬الهزيلة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬أنواع‭ ‬أشجارها‭ ‬منذ‭ ‬عشرات‭ ‬السنين،‭ ‬ولا‭ ‬تلقى‭ ‬العناية‭ ‬اللازمة‭ ‬بعد‭ ‬حفلات‭ ‬الافتتاح‭ ‬المكلفة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬الاحتفال‭ ‬بها‭ ‬أمام‭ ‬المسؤولين‭ ‬فقط‭. ‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬البلديات‭ ‬غائبة‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬تستغل‭ ‬الأرصفة‭ ‬المحاذية‭ ‬لها‭ ‬لزراعة‭ ‬الأشجار‭ ‬وغيرها،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬الأرصفة‭ ‬حدائق‭ ‬وصارت‭ ‬الشوارع‭ ‬المحاذية‭ ‬لها‭ ‬هي‭ ‬الأرصفة‭ ‬التي‭ ‬يسير‭ ‬عليها‭ ‬الناس‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬البلديات‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬مساءلة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يستغلون‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬بيوتهم‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الحيوانات‭ ‬والطيور،‭ ‬مما‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬الأمراض‭ ‬والروائح‭ ‬الكريهة‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬المأهولة‭ ‬بالسكان‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬البلديات‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬انتشار‭ ‬مخلفات‭ ‬البناء‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬مناطق‭ ‬البلاد،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬بناء‭ ‬الطرقات‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬المنازل،‭ ‬حيث‭ ‬يترك‭ ‬المقاولون‭ ‬بقايا‭ ‬مواد‭ ‬البناء،‭ ‬أكوام‭ ‬التراب‭ ‬أو‭ ‬أكوام‭ ‬الحجر‭ ‬والطوب،‭ ‬في‭ ‬الطرقات‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬تختفي‭ ‬مع‭ ‬عوامل‭ ‬التعرية،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬مشاهد‭ ‬قبيحة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬عوائق‭ ‬الطرقات‭ ‬والأرصفة‭ ‬والشوارع‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

وسنكتفي‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭ ‬لأننا‭ ‬سنحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صفحات‭ ‬طويلة‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬غياب‭ ‬الشواطئ‭ ‬العامة‭ ‬الصالحة‭ ‬لاستقبال‭ ‬الناس‭ ‬والترفيه؛‭ ‬أو‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬عدم‭ ‬عدالة‭ ‬البلديات‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات‭ ‬لكافة‭ ‬المناطق،‭ ‬إذ‭ ‬يحصل‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬اهتمام‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬الآخرون،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سأتجاوزه‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬أدخل‭ ‬في‭ ‬جدال‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬منه،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬أقدم‭ ‬ما‭ ‬يفيد‭ ‬فقط‭... ‬وهناك‭ ‬المزيد‭ ‬المزيد‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عنه،‭ ‬ولكن‭ ‬سأتوقف‭ ‬هنا‭ ‬لأضع‭ ‬سؤالي‭ ‬الأزلي‭: ‬لماذا‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬بتطوير‭ ‬أداء‭ ‬البلديات‭ ‬في‭ ‬بلادنا؟

وإلى‭ ‬حين‭ ‬معرفة‭ ‬الرد‭ ‬المقنع‭ ‬على‭ ‬تساؤلنا‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬بداخله‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬التساؤلات،‭ ‬سيبقى‭ ‬للحديث‭ ‬بقية‭.‬

 

مي‭ ‬زيادة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا