خبراء: المرونة والمكاسب التي حققتها المنطقة خلال الأزمات نتيجة للتخطيط والتصميم الذكيين
كتبت: نوال عباس
أكد وزير المواصلات والاتصالات الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، أن تعزيز مرونة سلاسل الإمداد لم يعد مقتصرا على تحقيق الكفاءة من حيث الوقت والكلفة، بل أصبح يرتكز على القدرة على الصمود ومواجهة الأزمات وضمان استمرارية تدفق السلع والإمدادات، مشيراً إلى أن التكامل الخليجي وتعدد البدائل في مسارات النقل والموانئ أسهما في تعزيز قدرة دول مجلس التعاون على التعامل مع الاضطرابات الأخيرة.
وأوضح الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة خلال مشاركته في الجلسة النقاشية الرئيسية بعنوان «تأمين سلاسل الإمداد: من الغذاء إلى الطاقة»، والتي عُقدت ضمن أعمال منتدى بوابة الخليج 2026، أن العالم والمنطقة شهدا خلال العام الماضي سلسلة من الصدمات، شملت الجوائح والتوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي طالت الممرات البحرية الحيوية، الأمر الذي غيّر مفهوم أمن الإمدادات، وجعل المرونة أولوية أساسية في منظومة النقل والخدمات اللوجستية.
وأكد وزير المواصلات والاتصالات أن أمن سلاسل الإمداد أصبح مفهومًا أكثر شمولًا يقوم على بناء منظومات مرنة ومتنوعة وقادرة على الاستجابة السريعة للمتغيرات، من خلال تعدد مصادر التوريد ومسارات النقل، وتعزيز موثوقية البنية التحتية، وتوسيع شبكة الشركاء بما يضمن استمرارية تدفق السلع والخدمات في مختلف الظروف.
وأشار إلى أن تحقيق هذه المرونة يتطلب شراكة متوازنة بين القطاعين العام والخاص، تتولى فيها الحكومة توفير البنية التحتية الحيوية والتوجيهات المتعلقة بالسياسات والإطار التنظيمي المستقر، فيما يضطلع القطاع الخاص بدور محوري في توفير الاستثمارات والابتكار والتنفيذ التشغيلي.
وأكد أن الربط الإقليمي يشكل عنصرًا أساسيًا في تعزيز الأمن الاقتصادي ومرونة سلاسل الإمداد، مشيرًا إلى أهمية التكامل بين شبكات النقل البري والبحري والجوي، والموانئ والمطارات، إلى جانب تطوير الربط البري والسككي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتحسين آليات تبادل البيانات والمعلومات المتعلقة بحركة الإمدادات. وأوضح أن رفع مستوى التكامل الإقليمي يسهم في زيادة قدرة دول المنطقة على المحافظة على انسيابية حركة التجارة.
وناقشت الجلسة التي أدارتها سالي موسى مقدمة برامج أولى في فوربس الشرق الأوسط، التحولات التي شهدتها طرق التجارة وسلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الأخيرة، وانعكاساتها على أمن الغذاء والطاقة، إلى جانب سبل تعزيز مرونة سلاسل الإمداد من خلال تنويع مصادر التوريد، والاستثمار في الإنتاج المحلي والطاقة النظيفة، ورفع مستوى التعاون بين القطاعين العام والخاص.
كما تناولت الجلسة أهمية الشراكات الدولية، والتكامل الخليجي، والاستثمار في البنية التحتية والخدمات اللوجستية والتقنيات الرقمية، بما يسهم في بناء منظومات إمداد أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على مواجهة المتغيرات المستقبلية
التحول إلى موانئ بديلة
وفي رده على سؤال بشأن أبرز القرارات التي اتخذتها البحرين لضمان استمرار تدفق الإمدادات الأساسية خلال الأزمة، قال الوزير إن تعدد البدائل في مسارات النقل والموانئ كان العنصر الأهم في التعامل مع التحديات، مؤكداً أن التكامل الخليجي الذي تحقق على مدى عقود أتاح للدول الأعضاء الاستفادة من إمكاناتها ومرافقها اللوجستية بصورة مشتركة.
وأضاف أن مملكة البحرين، في ظل رئاستها الحالية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عملت بتنسيق وثيق مع وزراء النقل في الدول الأعضاء الست، واتُفق على تسهيل الإجراءات وتقديم المساعدة المتبادلة لضمان انسيابية حركة البضائع.
وأوضح أن ميناء خليفة بن سلمان، الميناء البحري الرئيسي للمملكة، استفاد من التحول إلى موانئ خليجية بديلة، شملت ميناء جدة الإسلامي في السعودية، وميناءي صلالة والدقم في سلطنة عُمان، وميناء جبل علي في الإمارات العربية المتحدة.
ولفت إلى أن التنسيق بين سلطات الموانئ وإدارات الجمارك، وتسهيل انتقال السفن والبضائع بين الموانئ، كان له أثر كبير في تجاوز التحديات، إلى جانب تطوير منظومة نقل متعددة الوسائط تربط بين النقل الجوي والبحري والبري.
وأكد استمرار العمل الخليجي المشترك لتعزيز التكامل اللوجستي، مشيراً إلى أن الاجتماع الوزاري المقبل لوزراء النقل بدول مجلس التعاون، المقرر عقده في البحرين الأسبوع المقبل، سيشهد إعلان عدد من الملفات والمبادرات المهمة.
كما أكد أهمية الدور المتنامي للتكنولوجيا والاتصالات والرقمنة في تطوير منظومات النقل والخدمات اللوجستية، لافتًا إلى أن البيانات الفورية والذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة أصبحت أدوات أساسية لمتابعة حركة البضائع، مشيراً إلى أن موقع مملكة البحرين في قلب الخليج، وتكامل قطاعات الموانئ والطيران والنقل والاتصالات فيها، يوفران قاعدة مهمة لدعم حركة التجارة وتعزيز كفاءة ومرونة سلاسل الإمداد الإقليمية.
التخطيط المسبق والمرونة الصناعية
من جانبه أكد نيكولا بوارو، الرئيس التنفيذي لمنطقة إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب ووسط آسيا في شركة إير ليكيد، أهمية مواصلة الاستثمار في منطقة الخليج، وتعزيز الثقة والبنية التحتية والمقومات الأساسية التي تدعم استدامة الأعمال، مشيراً إلى أن التجارب الأخيرة أظهرت أهمية التخطيط المسبق وتصميم المنشآت الصناعية بما يتيح لها التعامل مع أسوأ السيناريوهات المحتملة.
وأوضح أن بعض المكاسب التي حققتها المنطقة في مجال المرونة خلال الأزمة جاءت نتيجة التخطيط والتصميم الذكيين، لافتاً إلى أن تصميم المنشآت الصناعية على أساس الاعتماد على مصدر واحد للمواد الخام ومسار واحد للتوريد قد يرفع مخاطر التعرض للخسائر عند وقوع الاضطرابات.
وأشار إلى أن بعض المصافي التي تُزوّد بالهيدروجين تمتلك القدرة على تغيير أنواع النفط الخام المستخدم، وهي ميزة تمنحها مرونة أكبر في مواجهة الأزمات، إذ تتيح تغيير نوع الخام ومسارات توريد المواد الأولية والمواد المستخدمة في العمليات التشغيلية.
وأضاف أن إدارة المخزون بكفاءة تمثل عاملاً مهماً في تعزيز قدرة الشركات على التعامل مع اضطرابات الإمدادات، مستشهداً بتصدير منتجات تدخل في صناعة أشباه الموصلات، من بينها الهيليوم القادم من قطر، إذ أمكن إيجاد مسارات بديلة لنقله عبر السعودية أو سلطنة عُمان، رغم الصعوبات التي واجهت تصدير الغاز الطبيعي المسال.
وشدد على أهمية تجاوز التعامل التقليدي مع كل دولة بصورة منفصلة، والعمل على إيجاد فهم مشترك للأنظمة والإجراءات الحكومية في دول مجلس التعاون، بما يسهّل حركة الصادرات عبر الموانئ الخليجية، سواء ميناء صلالة أو ميناء جدة، رغم اختلاف اللوائح والإجراءات التنظيمية.
وأكد أن بناء الثقة بين القطاع الصناعي والحكومات والشركاء في دول الخليج يشكل عاملاً أساسياً لمواصلة الاستثمارات، وتعزيز الصادرات والاستفادة من الفرص طويلة الأجل في المنطقة.
مقومات جذب الاستثمارات العالمية
بدورها، أكدت هنادي الصالح الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الإدارة في أجيليتي، أن منطقة الخليج تمتلك مجموعة من المقومات التي تعزز مكانتها الاستثمارية، ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على مستوى الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها وضوح الرؤية الاستراتيجية لدى الحكومات ووجود خارطة طريق محددة، إلى جانب الأطر التنظيمية والسياسات التي تهيئ البيئة المناسبة لتحقيق الأهداف التنموية.
وأشارت إلى أن توافر رؤوس الأموال، بما في ذلك استثمارات الصناديق السيادية الخليجية، يمثل أحد العناصر الداعمة للفرص الاستثمارية، موضحة أن هذه الصناديق تمتلك القدرة على توظيف استثماراتها في مختلف أنحاء العالم، بما يتيح توجيه رؤوس الأموال نحو الفرص الواعدة.
ولفتت إلى أن الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لتطويره يمثلان مجالاً مهماً للاستثمار، خصوصاً في ظل الحاجة إلى توفير الطاقة ومراكز البيانات والمشروعات التنموية الكبرى التي يجري تنفيذها في المنطقة.
وأضافت أن ميزة الطاقة منخفضة التكلفة تمنح المنطقة مقومات إضافية، مع استمرار جهود تنويع مصادر الطاقة واستخداماتها، بما يشمل التوسع في مجالات جديدة مثل الهيدروجين.
كما أكدت أهمية مشروعات البنية التحتية الحيوية، بما فيها السكك الحديدية وشبكات الربط والاتصال والموانئ والطرق، باعتبارها مشروعات أساسية لتعزيز الترابط الإقليمي ودعم حركة التجارة والاستثمار.
وكشفت أن الاستثمارات العقارية شهدت توسعاً خلال عام 2026، مع مضاعفة حجم المنصة العقارية، في إطار الاستثمارات الهادفة إلى تهيئة وتمكين مركزين رئيسيين، مشيرة إلى أن التطورات الأخيرة عززت القناعة بالفرص المتاحة في المنطقة، لكنها رفعت في الوقت ذاته الحاجة إلى تسريع تنفيذ المشروعات.
وشددت على أن المرحلة المقبلة تتطلب وتيرة أسرع في التنفيذ وشراكات أكثر فاعلية، بما يضمن تحويل الخطط والاستراتيجيات إلى مشروعات قائمة على أرض الواقع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك