العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

الشيخ أحمد الفاتح بن محمد آل خليفة - مؤسس الدولة البحرينية الحديثة عام 1783

الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

يحظى‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬بمكانة‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الوطني‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤسس‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة‭ ‬عام‭ ‬1197هـ،‭ ‬الموافق‭ ‬1783م،‭ ‬وقائدًا‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬بمرحلة‭ ‬مفصلية‭ ‬أرست‭ ‬أسس‭ ‬حكم‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الكرام‭ ‬لأرخبيل‭ ‬البحرين‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ،‭ ‬تواصلت‭ ‬مسيرة‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة‭ ‬عبر‭ ‬أجيال‭ ‬تعاقبت‭ ‬على‭ ‬صون‭ ‬وحدتها‭ ‬وترسيخ‭ ‬دعائمها،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬الذي‭ ‬أضفى‭ ‬بمشروعه‭ ‬الإصلاحي‭ ‬التنموي‭ ‬الشامل‭ ‬أبعادًا‭ ‬متجددة‭ ‬على‭ ‬مسيرة‭ ‬البناء‭ ‬الوطني،‭ ‬وعزّز‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬الدستورية‭ ‬والتنموية،‭ ‬مستندًا‭ ‬إلى‭ ‬إرث‭ ‬تاريخي‭ ‬راسخ‭ ‬تتصل‭ ‬فيه‭ ‬مسؤولية‭ ‬الحاضر‭ ‬بأمانة‭ ‬التأسيس‭.‬

وقد‭ ‬برز‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬شهدت‭ ‬فيها‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تحولات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واسعة،‭ ‬وتنافسًا‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬المراكز‭ ‬التجارية‭ ‬وطرق‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬ومغاصات‭ ‬اللؤلؤ‭. ‬وفي‭ ‬خضم‭ ‬تلك‭ ‬التحولات،‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الحنكة‭ ‬السياسية‭ ‬والقدرة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحسن‭ ‬التدبير،‭ ‬وأن‭ ‬يقود‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬مكنته‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬البحرين‭ ‬وإرساء‭ ‬عهد‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬العريق‭. ‬

ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬أهمية‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬على‭ ‬الانتصارات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬بعودة‭ ‬البحرين‭ ‬الى‭ ‬محيطها‭ ‬العربي،‭ ‬وإنما‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أرساه‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬سياسية‭ ‬وإدارية‭ ‬ودفاعية،‭ ‬وما‭ ‬أظهره‭ ‬من‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الفتح،‭ ‬بما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الاستقرار‭ ‬والنماء‭. ‬وقد‭ ‬خُلّد‭ ‬فتحه‭ ‬للبحرين‭ ‬بالعبارة‭ ‬التاريخية‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬أحمد‭ ‬صار‭ ‬في‭ ‬أوال‭ ‬خليفة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬أُرّخ‭ ‬بها‭ ‬لعام‭ ‬الفتح‭ ‬وفق‭ ‬حساب‭ ‬الجُمّل‭ (‬إذ‭ ‬يبلغ‭ ‬مجموع‭ ‬قيم‭ ‬حروفها‭ ‬1197،‭ ‬وهو‭ ‬عام‭ ‬الفتح‭ ‬الهجري‭)‬،‭ ‬لتبقى‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المحطات‭ ‬التأسيسية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭.‬

‭ ‬نسبه‭ ‬ونشأته‭: ‬

وُلد‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬ونشأ‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬أبيه‭ ‬حاكم‭ ‬الزبارة‭ ‬ومؤسسها‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬الذي‭ ‬يرجع‭ ‬نسبه‭ ‬إلى‭ ‬جميلة‭ ‬من‭ ‬العمارات‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬تغلب‭ ‬بن‭ ‬وائل،‭ ‬وكان‭ ‬للشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬دور‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬بايعته‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭ ‬حاكمًا‭ ‬وقائدًا‭ ‬لها،‭ ‬فأسس‭ ‬الزبارة‭ ‬ووطّد‭ ‬أركانها‭ ‬وعمَّرها‭ ‬بحكمه‭ ‬الرشيد،‭ ‬وقد‭ ‬عُرف‭ ‬عن‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬الشجاعة‭ ‬والعزم‭ ‬ورجاحة‭ ‬العقل‭ ‬والورع،‭ ‬فأحسن‭ ‬تدبير‭ ‬شؤون‭ ‬رعيته،‭ ‬وأكرم‭ ‬علماءهم،‭ ‬وأنشأ‭ ‬المساجد‭ ‬والمدارس‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المنشآت‭ ‬المهمة،‭ ‬وبنى‭ ‬قلعة‭ (‬صبحا‭) ‬على‭ ‬اسم‭ ‬قلعتهم‭ ‬في‭ ‬الهدار‭ ‬بنجد،‭ ‬وتسمى‭ ‬أيضًا‭ ‬قلعة‭ (‬مرير‭) ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬الماء‭ ‬الذي‭ ‬بنيت‭ ‬حوله،‭ ‬واتخذها‭ ‬مركزًا‭ ‬لحمايتهم،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الزبارة‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬مركزًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬مزدهرًا،‭ ‬واستقطبت‭ ‬التجار‭ ‬والسكان‭ ‬بفضل‭ ‬سياسات‭ ‬الدولة‭ ‬الخليفية‭ ‬التي‭ ‬كرست‭ ‬حرية‭ ‬التجارة‭ ‬وأصلت‭ ‬مبدأ‭ ‬التسامح‭ ‬الديني،‭ ‬ولما‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬استراتيجي‭ ‬وصلات‭ ‬تجارية‭ ‬واسعة‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬نشأ‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد،‭ ‬فارسًا‭ ‬وقائدًا،‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬شؤون‭ ‬الحكم‭ ‬ومطلعًا‭ ‬على‭ ‬شؤون‭ ‬الرعية‭ ‬وواعيًا‭ ‬للتحديات‭ ‬والأطماع‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬تجاه‭ ‬الزبارة‭.‬

الزبارة‭ ‬وازدهار‭ ‬حكم‭ ‬العائلة‭ ‬المالكة‭ ‬الكريمة

أسهمت‭ ‬قيادة‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬للزبارة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانتها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفير‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وتنظيم‭ ‬شؤون‭ ‬الحكم،‭ ‬وتحصين‭ ‬المدينة،‭ ‬وتهيئة‭ ‬الظروف‭ ‬الملائمة‭ ‬لازدهار‭ ‬التجارة‭ ‬واستقطاب‭ ‬السكان‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬نشاطها‭ ‬التجاري‭ ‬وتنامي‭ ‬مكانتها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬أصبحت‭ ‬الزبارة‭ ‬مركزًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬في‭ ‬التوازنات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬مهد‭ ‬لها‭ ‬الطريق‭ ‬لبسط‭ ‬نفوذها‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬والملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬ومغاصات‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬محطّ‭ ‬أطماع‭ ‬القوى‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬وافت‭ ‬المنية‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬الكبير‭ ‬عام‭ ‬1772م،‭ ‬فتولّى‭ ‬نجله‭ ‬الشيخ‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم،‭ ‬وسار‭ ‬على‭ ‬نهج‭ ‬والده‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬العلم‭ ‬والعلماء،‭ ‬وتنشيط‭ ‬التجارة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬الزبارة‭. ‬وقد‭ ‬أولى‭ ‬الشيخ‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬اهتمامًا‭ ‬خاصًا‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬العلمية،‭ ‬وخصّ‭ ‬مدارس‭ ‬الزبارة‭ ‬بأوقاف‭ ‬تدعم‭ ‬استمرار‭ ‬رسالتها‭ ‬التعليمية،‭ ‬كما‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬الظروف‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬البصرة‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التجار‭ ‬والعلماء‭ ‬إلى‭ ‬الزبارة‭.‬

وخلال‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬لازم‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬أخاه‭ ‬الشيخ‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬محمد،‭ ‬وشارك‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬شؤون‭ ‬الحكم،‭ ‬وكان‭ ‬ينوب‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬الزبارة‭ ‬أثناء‭ ‬غيابه،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أتاح‭ ‬له‭ ‬اكتساب‭ ‬خبرة‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬والإدارة‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭.‬

توليه‭ ‬الحكم‭ ‬وبروز‭ ‬شخصيته‭ ‬القيادية

تشير‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬تولّى‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الزبارة‭ ‬عندما‭ ‬غادر‭ ‬أخوه‭ ‬الشيخ‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬لأداء‭ ‬فريضة‭ ‬الحج،‭ ‬وهي‭ ‬الرحلة‭ ‬التي‭ ‬وافته‭ ‬المنية‭ ‬خلالها‭. ‬وقد‭ ‬مثّلت‭ ‬وفاة‭ ‬الشيخ‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬مرحلة‭ ‬دقيقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الزبارة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬مكانتها‭ ‬المتنامية،‭ ‬وما‭ ‬كانت‭ ‬تواجهه‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬وأطماع‭ ‬إقليمية‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الظروف،‭ ‬آل‭ ‬الحكم‭ ‬إلى‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬وبايعته‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭ ‬والتفت‭ ‬حول‭ ‬قيادته،‭ ‬لما‭ ‬عُرف‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬صلابة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأطماع‭ ‬وشجاعة‭ ‬وحكمة‭ ‬ودراية‭ ‬بشؤون‭ ‬الحكم،‭ ‬ولما‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬سمعة‭ ‬طيبة‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬شؤون‭ ‬الرعية‭ ‬وإدارتها‭.‬

وأظهر‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الزبارة‭ ‬وتعزيز‭ ‬استعداداتها‭ ‬الدفاعية،‭ ‬مستندًا‭ ‬إلى‭ ‬الخبرة‭ ‬التي‭ ‬اكتسبها‭ ‬خلال‭ ‬ملازمته‭ ‬والده‭ ‬وأخاه‭. ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬شخصيته‭ ‬القيادية‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬المتصاعدة،‭ ‬وتقدير‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬حماية‭ ‬الزبارة‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭.‬

وكانت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تمهيدًا‭ ‬للأحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬عام‭ ‬1783م،‭ ‬والتي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬قدراته‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وانتهت‭ ‬بفتح‭ ‬البحرين‭ ‬وتأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة‭.‬

تصاعد‭ ‬الأطماع‭ ‬واعتداء‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور‭ ‬على‭ ‬الزبارة

أصبحت‭ ‬الزبارة،‭ ‬بما‭ ‬حققته‭ ‬من‭ ‬ازدهار‭ ‬اقتصادي‭ ‬سريع‭ ‬وتنامٍ‭ ‬في‭ ‬نفوذها‭ ‬السياسي‭ ‬والبحري،‭ ‬قوةً‭ ‬مؤثرةً‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وقد‭ ‬تبع‭ ‬ذلك‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬وعلى‭ ‬مغاصات‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬الأغنى‭ ‬والأفضل‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬أرخبيل‭ ‬البحرين‭ ‬يخضع‭ ‬لسيطرة‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور،‭ ‬ويعاني‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬اقتصادي‭ ‬واضطراب‭ ‬أحوال‭ ‬المجتمع‭. ‬ومع‭ ‬تنامي‭ ‬مكانة‭ ‬الزبارة‭ ‬سياسيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬تصاعدت‭ ‬الأطماع،‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة،‭ ‬التي‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬تعرض‭ ‬الزبارة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1783م‭ ‬لاعتداء‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬التابعة‭ ‬لنصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لإخضاعها‭ ‬وإنهاء‭ ‬النمو‭ ‬المتسارع‭ ‬للدولة‭ ‬الخليفية‭ ‬فيها‭. ‬

وتورد‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬قوات‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور‭ ‬حاصرت‭ ‬الزبارة‭ ‬بحرًا،‭ ‬وبدأت‭ ‬القوات‭ ‬بالنزول‭ ‬برًّا‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭ ‬عام‭ ‬1783م،‭ ‬وحدثت‭ ‬المعركة‭ ‬الفاصلة‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬التالي‭ ‬من‭ ‬الشهر‭ ‬نفسه،‭ ‬إذ‭ ‬سعت‭ ‬تلك‭ ‬القوات‭ ‬إلى‭ ‬مباغتة‭ ‬أهلها،‭ ‬وذلك‭ ‬بتوقيت‭ ‬الهجوم‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬صلاة‭ ‬الجمعة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أخبار‭ ‬تحركات‭ ‬القوات‭ ‬المعتدية‭ ‬بلغت‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬فبادر‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬التدابير‭ ‬الدفاعية‭ ‬اللازمة،‭ ‬وأحكم‭ ‬استعداداته‭ ‬العسكرية‭ ‬والتموينية،‭ ‬مستندًا‭ ‬إلى‭ ‬تحصينات‭ ‬الزبارة‭ ‬والتفاف‭ ‬أهلها‭ ‬والقبائل‭ ‬العربية‭ ‬حول‭ ‬قيادته‭.‬

وتذكر‭ ‬المصادر‭ ‬أن‭ ‬أهل‭ ‬الزبارة‭ ‬اعتصموا‭ ‬بتحصيناتهم،‭ ‬وأبدوا‭ ‬تصميمًا‭ ‬على‭ ‬الذود‭ ‬عن‭ ‬دولتهم‭ ‬ورفض‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬القوات‭ ‬المعتدية‭ ‬فرضها‭. ‬وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الموقف،‭ ‬قاد‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬حرب‭ ‬الزبارة‭ ‬ووضع‭ ‬خطة‭ ‬عسكرية‭ ‬محكمة‭ ‬مكّنته‭ ‬من‭ ‬التصدي‭ ‬للهجوم‭ ‬ثم‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الهجوم‭ ‬المضاد،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬صفوف‭ ‬القوات‭ ‬المعتدية‭ ‬وانهزامها‭. ‬وتشير‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬محمد،‭ ‬ابن‭ ‬أخي‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتولى‭ ‬قيادة‭ ‬جيش‭ ‬عمّه‭.‬

وقد‭ ‬حقق‭ ‬هذا‭ ‬الانتصار‭ ‬نتائج‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬مهمة،‭ ‬إذ‭ ‬عزز‭ ‬مكانة‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬أهل‭ ‬الزبارة‭ ‬خصوصًا‭ ‬وأهل‭ ‬المناطق‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭ ‬عمومًا،‭ ‬ورسّخ‭ ‬ثقة‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭ ‬بقيادته،‭ ‬وأكد‭ ‬قدرة‭ ‬الزبارة‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬الخارجية‭. ‬كما‭ ‬أحدثت‭ ‬نتائج‭ ‬المعركة‭ ‬تحولًا‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى،‭ ‬ومهّدت‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬انتهت‭ ‬بفتح‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭.‬

أوضاع‭ ‬البحرين‭ ‬قبيل‭ ‬الفتح

‭ ‬واستنجاد‭ ‬أهلها‭ ‬بالشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح

شهدت‭ ‬جزر‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬السابقة‭ ‬لفتحها‭ ‬عام‭ ‬1783م‭ ‬ظروفًا‭ ‬سياسية‭ ‬مضطربة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سيطرة‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور،‭ ‬وتورد‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬ما‭ ‬عاناه‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬مظالم‭ ‬واضطراب‭ ‬في‭ ‬شؤونهم‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تنامي‭ ‬الاستياء‭ ‬من‭ ‬الأوضاع‭ ‬القائمة‭ ‬والتطلع‭ ‬إلى‭ ‬حكم‭ ‬يحقق‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬ويحفظ‭ ‬الحقوق‭ ‬والمصالح‭. ‬وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الزبارة،‭ ‬استنجد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬وجهاء‭ ‬البحرين‭ ‬بالشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح،‭ ‬وطلبوا‭ ‬منه‭ ‬التدخل‭ ‬لإنهاء‭ ‬سيطرة‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور‭ ‬وتخليص‭ ‬الأهالي‭ ‬مما‭ ‬كانوا‭ ‬يعانونه‭.‬

وقد‭ ‬مثّل‭ ‬هذا‭ ‬الاستنجاد‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬تطلع‭ ‬الأهالي‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬يسودها‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬وحسن‭ ‬تدبير‭ ‬الأحوال،‭ ‬كما‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬اكتسبه‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬من‭ ‬سمعة‭ ‬ومكانة‭ ‬وثقة‭ ‬بعد‭ ‬انتصاره‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الزبارة،‭ ‬وما‭ ‬عُرف‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬وحسن‭ ‬تدبير‭ ‬شؤون‭ ‬الحكم‭.‬

فتح‭ ‬البحرين‭ ‬وتأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬عام‭ ‬1783م‭ ‬

بعد‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الزبارة،‭ ‬اتخذ‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬قراره‭ ‬بالتوجه‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬واضعًا‭ ‬نُصبَ‭ ‬عينيه‭ ‬صون‭ ‬عروبة‭ ‬البحرين‭ ‬ورفع‭ ‬الظلم‭ ‬عن‭ ‬أهلها‭ ‬وإزالة‭ ‬حالة‭ ‬الاضطراب‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬سيطرة‭ ‬ابن‭ ‬مذكور‭ ‬على‭ ‬الجزر،‭ ‬مستندًا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حققه‭ ‬من‭ ‬تفوق‭ ‬عسكري‭ ‬ووحدة‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭ ‬والتفافها‭ ‬حول‭ ‬قيادته‭.‬

وفي‭ ‬شهر‭ ‬شعبان‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1197هـ،‭ ‬الموافق‭ ‬يوليو‭ ‬1783م،‭ ‬تقدّمت‭ ‬القوات‭ ‬بقيادة‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬نحو‭ ‬البحرين،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬البلاد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬بإنهاء‭ ‬نفوذ‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور‭ ‬واستسلام‭ ‬الحاميات‭ ‬التابعة‭ ‬له‭.‬

وتذكر‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬القوات‭ ‬التابعة‭ ‬لنصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬قلعة‭ ‬الديوان‭ ‬في‭ ‬المنامة‭ ‬وقلعة‭ ‬البحرين،‭ ‬اللتين‭ ‬أصبحتا‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المواقع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأحداث‭ ‬الفتح‭. ‬وقد‭ ‬فرضت‭ ‬قوات‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬حصارًا‭ ‬على‭ ‬القلعتين،‭ ‬وتمكنت‭ ‬من‭ ‬إخضاع‭ ‬الحاميات‭ ‬الموجودة‭ ‬فيهما،‭ ‬لتنتهي‭ ‬بذلك‭ ‬السيطرة‭ ‬السابقة‭ ‬وتبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭. ‬وقد‭ ‬قوبل‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بالترحيب‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬البحرين‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬في‭ ‬ظله‭ ‬ملجأً‭ ‬لاستعادة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والنماء‭ ‬الاقتصادي‭.‬

وبفتح‭ ‬البحرين‭ ‬عام‭ ‬1783م،‭ ‬أرسى‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬أسس‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة‭. ‬ولقد‭ ‬شكّل‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬تحولًا‭ ‬تاريخيًا‭ ‬تجاوزت‭ ‬أبعادُه‭ ‬نتائجَه‭ ‬المباشرة،‭ ‬إذ‭ ‬وضع‭ ‬الأساس‭ ‬لاستمرارية‭ ‬سياسية‭ ‬امتدت‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬قرنين،‭ ‬وأصبح‭ ‬عام‭ ‬1783م‭ ‬تاريخًا‭ ‬تأسيسيًا‭ ‬راسخًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭. ‬وتتجلى‭ ‬القيمة‭ ‬التاريخية‭ ‬لهذا‭ ‬الفتح‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬أرسى‭ ‬قاعدة‭ ‬الحكم‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1783م،‭ ‬وأصبح‭ ‬منطلقًا‭ ‬لمسيرة‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة‭. ‬ويكتسب‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الوطنية‭ ‬بوصفه‭ ‬ذكرى‭ ‬تأسيسية‭ ‬تستحضرها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬اعتزازًا‭ ‬بجذورها‭ ‬السياسية‭ ‬وامتدادها‭ ‬التاريخي‭. ‬وفي‭ ‬كلمات‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬وخطاب‭ ‬الدولة‭ ‬الوطني،‭ ‬يقترن‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بهذه‭ ‬الذكرى‭ ‬بتكريم‭ ‬المؤسس‭ ‬واستذكار‭ ‬ما‭ ‬توارثته‭ ‬الأجيال‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬كيان‭ ‬الدولة‭ ‬ومكتسباتها‭. ‬ويظل‭ ‬عام‭ ‬1783م‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المملكة،‭ ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬مسيرة‭ ‬الحكم‭ ‬والبناء‭ ‬عبر‭ ‬القرون‭.‬

التسامح‭ ‬والمروءة‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الفتح‭ ‬

تكشف‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمرحلة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬فتح‭ ‬البحرين‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬شخصية‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬تمثّل‭ ‬فيما‭ ‬أظهره‭ ‬من‭ ‬تسامح‭ ‬ومروءة‭ ‬وحسن‭ ‬معاملة،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكه‭ ‬لأهمية‭ ‬استقرار‭ ‬الأوضاع‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬المواجهات‭ ‬العسكرية‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬حفظتها‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬استجابته‭ ‬لطلب‭ ‬أسرة‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور‭ ‬اللحاق‭ ‬به،‭ ‬حيث‭ ‬أمر‭ ‬بتوفير‭ ‬السفن‭ ‬اللازمة‭ ‬لنقل‭ ‬أفرادها‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬كرامتهم‭ ‬وحسن‭ ‬معاملتهم‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬أسلوب‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬في‭ ‬القيادة،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الحزم‭ ‬والعفو‭ ‬عند‭ ‬المقدرة‭.‬

سنوات‭ ‬حكمه‭ ‬وإرساء‭ ‬دعائم‭ ‬الاستقرار

عقب‭ ‬فتح‭ ‬البحرين،‭ ‬جمع‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬البحرين‭ ‬والزبارة‭ ‬تحت‭ ‬حكمه،‭ ‬وأخذ‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬شؤون‭ ‬الأقاليم‭ ‬الخاضعة‭ ‬لحكمه‭ ‬وتعزيز‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭. ‬وقد‭ ‬اتخذ‭ ‬من‭ ‬الزبارة‭ ‬مقرًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬له،‭ ‬مع‭ ‬متابعة‭ ‬شؤون‭ ‬البحرين‭ ‬واتخاذ‭ ‬الترتيبات‭ ‬اللازمة‭ ‬لإدارة‭ ‬الحكم‭ ‬فيها‭ ‬بما‭ ‬يكفل‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬وحماية‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية‭. ‬وكان‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬يتنقل‭ ‬بين‭ ‬الزبارة‭ ‬والبحرين‭ ‬لمتابعة‭ ‬شؤون‭ ‬الحكم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬فرضته‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬مسؤوليات‭ ‬سياسية‭ ‬ودفاعية‭ ‬وإدارية‭.‬

كما‭ ‬أولى‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التحصينات‭ ‬الدفاعية‭ ‬وحماية‭ ‬الزبارة،‭ ‬إدراكًا‭ ‬لما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬سياسي‭ ‬وتجاري‭ ‬مهم،‭ ‬وما‭ ‬تفرضه‭ ‬طبيعة‭ ‬موقعها‭ ‬البحري‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬أمنية‭ ‬وعسكرية،‭ ‬حيث‭ ‬واصل‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالمنشآت‭ ‬الدفاعية‭ ‬التي‭ ‬أُقيمت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬والده‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬الكبير،‭ ‬وأضاف‭ ‬إليها‭ ‬تحصينات‭ ‬جديدة‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬الزبارة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأخطار‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬إقامة‭ ‬سورين‭ ‬يربطان‭ ‬القلعة‭ ‬بالزبارة،‭ ‬وتأمين‭ ‬الطريق‭ ‬الواقع‭ ‬بينهما،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إنشاء‭ ‬تحصينات‭ ‬متتابعة‭ ‬لحماية‭ ‬الممر‭ ‬المائي‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تستخدمه‭ ‬السفن‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬القلعة‭. ‬وقد‭ ‬شملت‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬إقامة‭ ‬أبراج‭ ‬ومواقع‭ ‬دفاعية‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬الممر،‭ ‬بما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬السفن‭ ‬وتأمين‭ ‬وصول‭ ‬الإمدادات‭ ‬والمؤن،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الزبارة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬البرية‭ ‬والبحرية‭. ‬وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المنشآت‭ ‬في‭ ‬جمعها‭ ‬بين‭ ‬الأغراض‭ ‬الدفاعية‭ ‬والاحتياجات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعيشية،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬وظيفتها‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المدينة،‭ ‬وإنما‭ ‬أسهمت‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬والإمدادات‭.‬

وفاته‭ ‬وانتقال‭ ‬الحكم‭ ‬إلى

‭ ‬الشيخ‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة

استمر‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬البحرين‭ ‬والزبارة‭ ‬وتدبير‭ ‬شؤونهما‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬نمائهما‭ ‬واستقرارهما‭ ‬حتى‭ ‬وافته‭ ‬المنية‭ ‬سنة‭ ‬1209هـ،‭ ‬الموافق‭ ‬1795م،‭ ‬ودُفن‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬المنامة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ترك‭ ‬إرثًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬وتاريخيًا‭ ‬عظيمًا،‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬مدّ‭ ‬الحكم‭ ‬الخليفي‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬والنهضة‭ ‬بها‭ ‬سياسيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬واجتماعيًا‭ ‬وترسيخ‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وقد‭ ‬خلفه‭ ‬ابنه‭ ‬الشيخ‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الذي‭ ‬تولّى‭ ‬مسؤولية‭ ‬حكم‭ ‬البحرين‭ ‬والزبارة،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تطلبت‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬استقرار،‭ ‬ومواصلة‭ ‬تثبيت‭ ‬دعائم‭ ‬الدولة‭. ‬وارتبط‭ ‬عهد‭ ‬الشيخ‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬بتطورات‭ ‬عمرانية‭ ‬وسياسية‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬الخليفية‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬أهمية‭ ‬عهد‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬تولّى‭ ‬خلالها‭ ‬الحكم،‭ ‬وإنما‭ ‬تتجلى‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬الإرث‭ ‬الذي‭ ‬تركه،‭ ‬وفي‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬أسسها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬والتطور‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭.‬

مكانته‭ ‬التاريخية‭ ‬وإرثه‭ ‬الوطني

تتجاوز‭ ‬المكانة‭ ‬التاريخية‭ ‬للشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬حدود‭ ‬الحدث‭ ‬العسكري‭ ‬الذي‭ ‬اقترن‭ ‬باسمه،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬قائدًا‭ ‬ارتبط‭ ‬دوره‭ ‬بتحول‭ ‬سياسي‭ ‬وتاريخي‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬إرساء‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭. ‬وقد‭ ‬تجلت‭ ‬قدراته‭ ‬القيادية‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬متعاقبة‭ ‬من‭ ‬حياته،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬شؤون‭ ‬الزبارة،‭ ‬مرورًا‭ ‬بتوليه‭ ‬الحكم‭ ‬وقيادة‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬قوات‭ ‬نصر‭ ‬بن‭ ‬مذكور،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬البحرين‭ ‬وتنظيم‭ ‬شؤون‭ ‬الحكم‭ ‬فيها‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬مواقفه‭ ‬بعد‭ ‬الفتح‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬حكمته‭ ‬السياسية،‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والنماء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والانسجام‭ ‬المجتمعي،‭ ‬والاهتمام‭ ‬بتثبيت‭ ‬الاستقرار‭ ‬وحماية‭ ‬المصالح‭ ‬العامة‭. ‬ومن‭ ‬إرث‭ ‬التأسيس‭ ‬الذي‭ ‬أرساه‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح،‭ ‬امتدت‭ ‬مسيرة‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وشهدت‭ ‬مراحل‭ ‬متعاقبة‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬والتطور‭ ‬السياسي‭ ‬والإداري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬وظل‭ ‬إرث‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤسس‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة،‭ ‬ورمزًا‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬تاريخها،‭ ‬وقائدًا‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬ببداية‭ ‬عهد‭ ‬راسخ‭ ‬مبارك‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬والبناء‭ ‬والازدهار‭. ‬وقد‭ ‬امتدت‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬عهد‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬الذي‭ ‬شهدت‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عهد‭ ‬جلالته‭ ‬الزاهر‭ ‬مرحلة‭ ‬بارزة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬السياسي‭ ‬والدستوري‭ ‬والمؤسسي،‭ ‬فقد‭ ‬حظي‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬عام‭ ‬2001م‭ ‬بتأييد‭ ‬شعبي‭ ‬واسع‭ ‬بلغت‭ ‬نسبته‭ ‬98‭.‬4‭% ‬ليشكّل‭ ‬محطةً‭ ‬مفصليةً‭ ‬جامعةً‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتطوير‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬أعقبها‭ ‬تطورٌ‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬الدستوري‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭. ‬وهكذا‭ ‬تتصل‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المملكة‭ ‬محطات‭ ‬التأسيس‭ ‬والتطوير‭ ‬والتجديد،‭ ‬وتتجسد‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬الدولة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬متطلبات‭ ‬كل‭ ‬عصر،‭ ‬محافظةً‭ ‬على‭ ‬هويتها‭ ‬وسيادتها‭ ‬وإرثها‭ ‬الوطني‭. ‬ويبقى‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬البحرينية‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤسس‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬وتبقى‭ ‬مسيرتها‭ ‬الممتدة‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬رسوخ‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬وضعه،‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬أضافته‭ ‬الأجيال‭ ‬المتعاقبة‭ ‬من‭ ‬منجزات‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الوطن‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا