
طالعت باهتمام بالغ المقال القيّم للأستاذ أنور محمد عبدالرحمن رئيس تحرير صحيفة «أخبار الخليج» الغراء، المنشور في 22 أكتوبر 2026م، الذي تناول فيه حجم الاستثمارات والتحويلات الخليجية الضخمة إلى الهند، متسائلاً عن غياب التضامن السياسي والشعبي والإعلامي الذي يليق بهذه العلاقة حين تتعرض دول المنطقة للمخاطر. وهو سؤال مشروع يتردد صداه في المجالس الشعبية الخليجية، وقد أحسن الأستاذ أنور حين طرحه بوضوح وشجاعة ومسؤولية.
وما يميز هذا الطرح أنه لم يأتِ من فراغ، بل استند الكاتب إلى أرقام موثقة من مصادر هندية رسمية، فخاطب الهند ببياناتها هي. كما ميّز بحكمة بين الموقف الرسمي لنيودلهي الذي أدان الاعتداءات، وبين المزاج الشعبي والإعلامي الذي لم يرتقِ إلى مستوى العلاقة التاريخية بين الهند ودول الخليج العربية. ورفض الكاتب صراحةً أن تتحول هذه العلاقة إلى اختبار يومي للولاء أو أن يُحاسَب المقيمون على آرائهم، داعياً إلى الحوار والمصارحة لا إلى الخصومة، وهذا هو جوهر الطرح الرصين.
وتتضاعف قيمة المقال حين نستحضر عمق العلاقات التاريخية بين الهند ودول الخليج العربية، وهي علاقات تمتد لقرون من التجارة البحرية بين موانئ الخليج وسواحل الهند إلى اعتماد دول الخليج العربية الروبية الهندية كعملة للتداول في دولها، إلى التواصل الثقافي والإنساني الذي ترك أثره في اللغة والمطبخ والعادات. واليوم تحتضن دول الخليج ملايين الوافدين الهنود الذين وجدوا فيها بيئة آمنة للعمل والعيش الكريم، وأسهموا بدورهم في نهضتها، فيما تمثل الهند شريكاً اقتصاديا رئيسيا ومستوردا كبيرا للطاقة الخليجية ووجهة متنامية للاستثمارات الخليجية. وحين يبلغ حجم التحويلات وحدها نحو 19.9 مليار دولار، فمن الطبيعي أن تتطلع شعوب الخليج إلى أن ينعكس هذا الرصيد الكبير من المصالح والروابط تفهّماً وتضامنا حقيقيا في أوقات الشدة.
وقد جاء مقال الأستاذ أنور عبدالرحمن في توقيت بالغ الدقة، إذ تتعرض دول المنطقة لاعتداءات إيرانية ظالمة وغير مبررة تستهدف أمنها واستقرارها ومنشآتها الحيوية، وهي اعتداءات لا تهدد الخليج وحده، بل تمس أمن الطاقة العالمي ومصالح الهند ذاتها وسلامة ملايين من مواطنيها المقيمين على أرض الخليج. ومن هنا فإن المنتظر من الهند، بثقلها الدولي ومكانتها كقوةً صاعدة، مواقف أكثر وضوحاً وتضامناً، لا تكتفي بالإدانة الرسمية، بل تمتد إلى خطاب إعلامي وشعبي ينصف الخليج ويقدّر ما يجمعه بالهند من روابط تاريخية.
ويُحسب للكاتب كذلك أنه نبّه إلى أهمية تعزيز القوة الناعمة الخليجية داخل الساحة الهندية، في مواجهة حضور منظم وممول لأطراف أخرى. وهي دعوة في محلها تستحق أن تتحول إلى عمل خليجي مشترك، عبر دبلوماسية موحدة ونشطة، وحضور فاعل في الإعلام الهندي ومراكز أبحاثه وجامعاته، وشراكات مؤسسية تجعل أمن الخليج واستقراره أولوية يدركها الرأي العام الهندي.
إن ما طرحه الأستاذ أنور عبدالرحمن ليس عتاباً بقدر ما هو دعوة صادقة من صديق إلى صديق، لكي ترتقي العلاقات الخليجية الهندية إلى مستوى تاريخها ومصالحها المشتركة. فالشراكات الحقيقية تُختبر في أوقات الشدة، والخليج الذي وقف دائماً إلى جانب أصدقائه يستحق أن يجد أصدقاءه إلى جانبه، خاصة في ضوء ما تتعرض له دولنا من اعتداءات إيرانية ظالمة واثمة تؤثر على حياتنا واقتصادنا وبالتالي تؤثر حتى على مستقبل العمالة الهندية في بلداننا وعلى إمدادات الطاقة للهند. فالأمن والسلام مصلحة مشتركة والهند دولة كبير ووازنة وبإمكانها لعب دور مهم في نشر السلام وانتقاد العدوان والعمل على وقفه، وذلك بكل تأكيد مصلحة مشتركة نعتقد أن الهند تدركها جيدا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك