صلاح الدين: عهد عيسى الكبير أرسى ركائز التنظيم الاقتصادي.. والسلوم يدعو إلى توثيق الإرث التجاري
الرخصة الذهبية.. بوابة لاستقطاب الاستثمارات الكبرى
كتبت: نوال عباس
شهد الاقتصاد البحريني تحولات جوهرية على مدى أكثر من قرن، انتقل خلالها من الاعتماد على تجارة اللؤلؤ وصيده إلى اكتشاف النفط عام 1932، ثم التوسع في الصناعات التحويلية والخدمات المالية والمصرفية والخدمات اللوجستية، وصولا إلى استقطاب الاستثمارات النوعية وتعزيز مكانة المملكة مركزا ماليا وتجاريا إقليميا.
وخلال ندوة حوارية بعنوان «الاقتصاد والتجارة في البحرين.. من اللؤلؤ إلى التنوع الاقتصادي»، نظمتها غرفة تجارة وصناعة البحرين بالتعاون مع معهد البحرين للتنمية السياسية صباح أمس، ضمن برنامج «عام عيسى الكبير»، أكد النائب الأول لرئيس مجلس إدارة الغرفة يوسف صلاح الدين أن عهد الشيخ عيسى الكبير، طيب الله ثراه، شكل مرحلة محورية في تاريخ الاقتصاد الوطني، وأسهم في إرساء دعائم التنظيم التجاري وتعزيز الاستقرار والثقة في المعاملات الاقتصادية.
وأوضح أن تجربة البحرين التجارية التاريخية تقدم نموذجا لتطور الاقتصاد الوطني، بدءا من منظومة اللؤلؤ والأسواق والموانئ، مرورا بالتحول النفطي والصناعي، وصولا إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية وتطوير البيئة الاستثمارية، بما يدعم استدامة النمو ويعزز تنافسية المملكة.
منظومة اقتصادية متكاملة
وأشار صلاح الدين إلى أن تجارة اللؤلؤ شكلت أحد أبرز الأنشطة الاقتصادية في البحرين قبل اكتشاف النفط، إذ لم تقتصر على الغوص واستخراج المحار، بل امتدت إلى قطاعات مرتبطة بصناعة السفن والأشرعة والنجارة والحدادة، إلى جانب التمويل والنقل والتسويق وتوفير المؤن.
ولفت إلى أن هذه المنظومة وفرت مصادر دخل لشرائح واسعة من المجتمع، وأسهمت في تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا في المحرق والمنامة، كما عكست أهمية العمل الجماعي والخبرة البحرية والعلاقات التجارية في بناء اقتصاد قائم على الانفتاح والتبادل مع الأسواق الخارجية.
وبيّن أن الأسواق التقليدية وفرضتي المنامة والمحرق أدت أدوارا تجاوزت بيع السلع، لتصبح مراكز للتمويل والتوريد والتواصل بين التجار والبحارة والحرفيين، فيما أسهمت آليات تسوية المنازعات التجارية والبحرية وتوثيق الحقوق والديون في تعزيز الثقة والاستقرار في المعاملات.
فتح آفاق جديدة
وأضاف صلاح الدين «مع اكتشاف النفط عام 1932، دخل الاقتصاد البحريني مرحلة جديدة، أسهمت خلالها العوائد النفطية في تطوير البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية، وظهرت أنشطة اقتصادية ومهنية جديدة في مجالات التوريد والنقل والصيانة والمقاولات.
وتوسعت القاعدة الإنتاجية لاحقا لتشمل الصناعات التحويلية والبتروكيماويات وصناعة الألمنيوم، بالتوازي مع نمو الخدمات المالية والمصرفية والسياحة والاتصالات والخدمات اللوجستية، بما عزز تنوع الأنشطة الاقتصادية وفتح المجال أمام استثمارات وفرص عمل جديدة.
الرخصة الذهبية..
وقال في إطار تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات النوعية، تبرز الرخصة الذهبية التي أطلقتها البحرين في أبريل 2023، بهدف تسهيل الإجراءات أمام المشروعات الاستثمارية الكبرى وتسريع تنفيذها، إلى جانب تعزيز مساهمتها في خلق فرص العمل ودعم النمو الاقتصادي. وتستهدف المبادرة استقطاب استثمارات محلية وأجنبية في قطاعات استراتيجية، من بينها التكنولوجيا والعقارات والصناعات التحويلية والصناعات الخضراء، بما يدعم تنويع مصادر الدخل ويرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
التحول الرقمي
ولفت صلاح الدين إلى أنه شكل تطور القطاع المالي والمصرفي إحدى المحطات المهمة في مسيرة التنويع الاقتصادي، إذ عززت الخدمات المالية مكانة البحرين مركزا إقليميا للأعمال والاستثمارات، مستفيدة من تطور الأطر التنظيمية والبنية التحتية والخدمات المتخصصة.
كما أسهم التحول الرقمي في تطوير المعاملات التجارية والاقتصادية، من خلال التوسع في المدفوعات الإلكترونية والمنصات الرقمية والخدمات المصرفية الحديثة، بما يرفع كفاءة الأعمال ويسهل تعاملات الشركات والمؤسسات.
ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار الجهود الرامية إلى توسيع قاعدة الإنتاج والتصدير، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتمكين المؤسسات من تبني التقنيات الحديثة، بما يعزز قدرة الاقتصاد البحريني على مواجهة المتغيرات العالمية.
وأكد يوسف صلاح الدين أهمية دور الأسرة في تعريف الأبناء والأحفاد بتاريخ البحرين، ولا سيما المحطات المرتبطة بعهد الشيخ عيسى الكبير، بما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بوطنها ويرسخ مشاعر الفخر والانتماء.
ودعا إلى إدراج المعلومات التاريخية ضمن المناهج التعليمية في المدارس الحكومية والخاصة، والاستفادة من الصحافة والإنتاج السينمائي والوسائل الإعلامية الحديثة في تقديم التاريخ بأساليب مبسطة وجاذبة للشباب.
كما أشار إلى أهمية الاحتفاء بإحياء وتطوير محافظة المحرق في العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، بما يعكس الاهتمام بصون الإرث التاريخي والحضاري للمدينة واستلهام مسيرة تطورها عبر المراحل المختلفة.
واختتم صلاح الدين بالتأكيد أن الاستفادة من التاريخ الاقتصادي للبحرين تتطلب الجمع بين المحافظة على التراث وتطوير أدوات الاقتصاد الحديث، من خلال رفع الإنتاجية، وتوسيع فرص التصدير والشراكات، وتعزيز التحول الرقمي، بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي ويعزز تنافسية المملكة إقليميا ودوليا
توثيق الإرث التجاري
ومن جانبه أكد الأمين المالي في غرفة تجارة وصناعة البحرين أحمد السلوم في تصريح للصحفيين أن الحديث عن تاريخ الاقتصاد البحريني لا يكتمل دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي قام به الشيخ عيسى الكبير في تأسيس ركائز الحركة التجارية والاقتصادية في المملكة، مشيراً إلى أن تلك المرحلة شكلت نواة أساسية للتطور الاقتصادي الذي شهدته البحرين في العقود اللاحقة. وأوضح السلوم أن عهد الشيخ عيسى الكبير شهد تنظيم العديد من الأنشطة التجارية وتسوية النزاعات، بما في ذلك محكمة الغوص، إلى جانب ازدهار الحرف والصناعات المرتبطة بصناعة السفن، فضلاً عن تأسيس غرفة تجارة وصناعة البحرين، بما يعكس الأهمية التي حظي بها النشاط التجاري والاقتصادي خلال تلك الحقبة.
وأضاف أن البحرين كانت آنذاك محطة تجارية مهمة تربط بين مناطق العالم، مستفيدة من علاقاتها مع الدول الأخرى وما اتسمت به من ثقة وتبادل تجاري، لافتاً إلى أن عمل أعداد من سكان المناطق المجاورة في المملكة يعكس مكانتها الاقتصادية في المنطقة قبل اكتشاف النفط وظهور الصناعات الحديثة والقطاع المصرفي.
وأشار إلى أن الغرفة يمكن أن تؤدي دورا مهما في تعريف الأجيال الجديدة بهذا الإرث، من خلال استعراض الوثائق والمراسلات والمحطات التاريخية التي تعكس طبيعة العلاقات التجارية التي ربطت البحرين بالدول الأخرى، وما أسهمت به من تعزيز الثقة وجذب الشركات والمؤسسات الصناعية والمصرفية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك