يمتلك الشرق الأوسط فرصة اقتصادية قد تتجاوز قيمتها تريليون دولار بحلول عام 2030 من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم أهداف الاستدامة، إلا أن تحقيق هذه المكاسب لا يزال مرهونًا بقدرة دول المنطقة على تجاوز مرحلة التجارب المحدودة والانتقال إلى التطبيق الفعلي واسع النطاق، وفقًا لما أكدته كيلسي جودمان، المسؤولة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنتدى الاقتصادي العالمي.
وفي مقابلة مع «الشرق بلومبرج» على هامش الاجتماع السنوي لقادة المستقبل العالميين في دبي، أوضحت جودمان أن الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لن تتحول تلقائيًا إلى نتائج ملموسة، بل تتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية تقنية قوية، وتطوير أنظمة الطاقة، وتحسين جودة البيانات، وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والخاصة.
وأشارت إلى أن الخطوة الأكثر أهمية تتمثل في الانتقال من المشاريع التجريبية إلى دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات التشغيلية والاقتصادية على نطاق واسع، بالتوازي مع رفع جاهزية شبكات الطاقة لتلبية الطلب المتزايد الناتج عن توسع مراكز البيانات، فضلًا عن تطوير حلول أكثر استدامة لأنظمة التبريد التي تشكل أحد أكبر التحديات التشغيلية لهذه المرافق.
وترى جودمان أن جودة البيانات تمثل ركنًا أساسيًا في نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ تضمن توجيه التقنية إلى المجالات الأكثر تأثيرًا في النمو الاقتصادي والاستدامة، كما شددت على ضرورة تكامل جهود الحكومات والشركات والمؤسسات المختلفة لتطوير البنية التحتية الرقمية وتسريع انتشار التكنولوجيا.
وقالت إن تحقيق القيمة الاقتصادية المتوقعة يتطلب توافر جميع العناصر الداعمة في وقت واحد، مؤكدة أن الأمر يحتاج إلى استثمارات واسعة النطاق ومستويات عالية من التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية.
ووفقًا لتقرير مشترك أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة «باين آند كومباني»، تتوزع المكاسب المحتملة للذكاء الاصطناعي والاستدامة في المنطقة على عدة محاور رئيسية. ومن المتوقع أن يساهم القطاع المالي في توفير ما يصل إلى 200 مليار دولار من التمويل المستدام، بينما قد يولد القطاع العام نحو 370 مليار دولار من تدفقات الاستثمارات المرتبطة بالاستدامة.
كما تشير التقديرات إلى إمكانية تجنب خسائر تصل إلى 250 مليار دولار في الأصول طويلة الأجل، إضافة إلى رفع تقييمات قطاع الطاقة بنحو 90 مليار دولار نتيجة تحسين الأداء والاستدامة التشغيلية. كذلك يمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تساهم في إطلاق مشاريع مستدامة بقيمة تقارب 100 مليار دولار.
ورغم هذه الإمكانات الضخمة، لا تزال فجوة واضحة تفصل بين التوقعات والواقع. فبحسب استطلاع أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي، يرى 89% من مسؤولي الاستدامة أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة مرتفعة أو مرتفعة جدًا على دعم أهداف الاستدامة، إلا أن نسبة كبيرة من المؤسسات ما زالت في مراحل التجربة أو التوسع المحدود عند تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي المستدام، حيث تتراوح هذه النسبة بين 40% و55% بحسب نوع التطبيق.
وحذرت جودمان من أن توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المنطقة يجب أن يراعي الخصائص المناخية والبيئية المحلية، خصوصًا ما يتعلق بتوفر الموارد المائية واستخدامها في عمليات التبريد داخل مراكز البيانات.
وأضافت أن السباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على تطوير البرمجيات والنماذج المتقدمة، بل سيتحدد بدرجة كبيرة وفق قدرة الدول على توفير البنية التحتية والموارد اللازمة لتشغيل تلك الأنظمة، وعلى رأسها الطاقة والمياه وشبكات الاتصال.
وفي هذا السياق، أظهر تقرير آخر للمنتدى الاقتصادي العالمي، أُعد بالتعاون مع المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، أن دول المنطقة تمتلك ميزة تنافسية مهمة تتمثل في إمكانية ربط مراكز البيانات الجديدة بشبكات الكهرباء خلال فترة تتراوح بين عامين وخمسة أعوام فقط، مقارنة بأكثر من عشر سنوات في العديد من الأسواق المتقدمة.
لكن التقرير حذر في الوقت نفسه من تحديات متنامية ترتبط باستهلاك الطاقة، إذ يمكن لأنظمة التبريد أن تستحوذ على أكثر من 40% من إجمالي الكهرباء المستخدمة في مراكز البيانات عالميًا. وتزداد هذه التحديات في الشرق الأوسط بسبب ارتفاع درجات الحرارة، ما يرفع احتياجات التبريد وقد يضغط على شبكات الكهرباء والمياه إذا لم يتم تطوير حلول أكثر كفاءة واستدامة.
وتتوقع جودمان أن تتركز الموجة الأولى من استثمارات الذكاء الاصطناعي في المنطقة حول ثلاثة مجالات رئيسية هي مراكز البيانات، وأنظمة الطاقة الداعمة لها، وصناعة الرقائق الإلكترونية، قبل أن تمتد آثار هذا التحول تدريجيًا إلى بقية القطاعات الاقتصادية.
وحددت السعودية والإمارات وقطر باعتبارها الدول الأكثر تقدمًا على المستوى الإقليمي في هذا المجال، مشيرة إلى أن تلك الدول تمتلك استراتيجيات وطنية واضحة للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى قدرة حكوماتها على تنفيذ رؤى طويلة الأجل تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط.
وتتزامن هذه التوقعات مع توسع الاستثمارات الإقليمية في البنية التحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي. فالسعودية والإمارات تعملان على تطوير مشروعات بقدرات حاسوبية تتجاوز 11 غيغاواط، فيما تستهدف المملكة توفير أكثر من 12 غيغاواط من الطاقة و20 كابلًا بحريًا بحلول عام 2030.
كما تخطط شركة «هيوماين» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة لتشغيل 250 ميغاواط من مراكز البيانات بحلول نهاية عام 2026، على أن ترتفع القدرة التشغيلية إلى غيغاواط كامل خلال عام 2027.
أما قطر، فقد عززت حضورها في سباق الذكاء الاصطناعي عبر إطلاق شركة «كاي” (Qai) الوطنية للذكاء الاصطناعي التابعة لجهاز قطر للاستثمار خلال عام 2025، في خطوة تستهدف تسريع تطوير القدرات الوطنية وتعزيز موقع البلاد في المنافسة الإقليمية.
وأكدت جودمان أن أمن الطاقة وتوافرها وموثوقية إمداداتها ستكون من أبرز العوامل الحاسمة في المنافسة العالمية المقبلة على تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأوضحت أن أبحاث المنتدى تركز حاليًا على مسارين متوازيين: الأول يتمثل في تحسين كفاءة أنظمة الطاقة والبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي من خلال تطوير شبكات الكهرباء وتقنيات التبريد وإدارة المياه، فيما يركز المسار الثاني على استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه في تقليل هدر الطاقة وتحسين كفاءة استهلاكها.
وختمت بالتأكيد على أن مستقبل التنافس العالمي في الذكاء الاصطناعي لن يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرة الدول على توفير الطاقة بصورة مستقرة وموثوقة، معتبرة أن أمن الطاقة وإمكانية الوصول إليها سيشكلان أحد أهم عناصر التفوق في الاقتصاد الرقمي خلال السنوات المقبلة.x

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك