حاورته: أميمة عبدالله الجاسم
منذ بداياته الأولى على مسارح المدارس، حمل الفنان البحريني إبراهيم محمد حبيب صوتاً أصبح جزءاً من ذاكرة الأغنية البحرينية والخليجية. رحلة طويلة بدأت في سن مبكرة، ومرّت بمحطات كثيرة، كان فيها “دار الهوى دار” واحدة من العلامات الأولى التي ارتبط بها اسمه، قبل أن تتسع تجربته ويطوف بصوته مسارح عربية عدة.
في هذا الحوار، يستعيد إبراهيم محمد حبيب شيئاً من طفولته وبداياته، ويتحدث عن والديه وتأثيرهما في مسيرته، وعن رحلته مع الأغنية البحرينية والخليجية، ورؤيته لما وصلت إليه الأغنية اليوم، مؤكداً في حديثه اعتزازه ببحرينيته التي ظلت حاضرة في وجدانه طوال مشواره الفني.
أما علاقته بالفن، فقد بدأت في سن مبكرة، وتحديداً خلال المرحلة الابتدائية، حين كانت المدارس تقيم في نهاية العام أنشطة ثقافية وأدبية وتمثيلية لاكتشاف مواهب الطلبة.
كيف كانت طفولتك ونشأتك؟
نشأت في أسرة متحابة وحظيت بالكثير من الرعاية والحب من والديّ، لكن بكثير من الحب من والدتي رحمها الله، فقد كانت جداً متعلقة بي. وأتذكر في طفولتي أنه إذا بكيت كانت تبكي معي، وكان هذا الحب كثيراً وأكفاني إلى اليوم، وكانت عطوفة عليّ جداً وزرعت فيّ الثقة منذ طفولتي. عشت في أسرة متحابة ومترابطة إلى أبعد الحدود، والحمد لله تعدى العمر بي وأنا أشعر بهذا الحب إلى اليوم.
هل كان لعائلتك دور كبير في تشجيعك على حلمك؟
والدي الذي يعشق الموسيقى والفن كان دائماً سندي ودعمي. في أول رحلة لي إلى الكويت كان معي خطوة بخطوة، إذ لم يسبق لي السفر من قبل. وجوده بجانبي جعل كل شيء أسهل، وكان دعمه أقرب ما أحتاجه لتجاوز صعوبات البداية واختصار المشقة.
كيف تقدم نفسك للجمهور كفنان بحريني؟
أنا أقدم نفسي للجمهور دائماً وأبداً كفنان بحريني، وما أقدمه له صلة ويمت بصلة كفن بحريني. وهذه أول مرة أصرح بها أني معتز ببحرينيتي بشكل كبير جداً يفوق التصور، ولم يغرني يوم من الأيام شيء أن أكون غير بحريني.
ما هو أول عمل قدمته للجمهور؟
أول أغنية قدمتها للجمهور كانت “دار الهوى دار”، وهي أغنية لا تزال مشهورة حتى اليوم. أشعر بأنني محظوظ جداً لأن أول ما قدمته حقق نجاحاً فورياً واختصر علي الكثير من التعب والمعنى. في البداية سجلت الأغنية بطريقة بسيطة في إذاعة البحرين، ثم سافرت إلى الكويت عام 1966 مع والدي وسجلتها هناك مع فرقة موسيقية متكاملة، ويمكن اعتبار هذه الأغنية بمثابة انطلاقتي الحقيقية.
كيف كانت تجربتك الأولى مع المسرح؟
وأنا في المرحلة الابتدائية اشتهرت في منطقتي القضيبية، ليس من التمثيل فقط، بل بالأغاني الهادفة للطلبة التي تحثهم وتوجههم. لم تكن أغاني عاطفية، بل كانت أغاني إرشادية، ونجحت في الغناء والتمثيل البسيط.
ما هي أول حفلة عامة شاركت فيها وكيف استقبل الجمهور صوتك؟
أول حفلة شاركت فيها كانت وأنا طالب في الثانوية. كان لدي زميل من أصول باكستانية طلب مني الغناء في احتفال عيد استقلال باكستان في نادي باكستان بالبحرين، فوافقت. كانت هذه أول مرة أظهر فيها مع فرقة موسيقية، وغنيت في حفلة رسمية حضرها الشيخ خليفة بن سلمان رحمه الله، وكانت بذلك أول حفلة رسمية لي وبداية تعرف الناس عليّ في البحرين.
أبرز التحديات التي واجهتها في بداياتك؟
واجهت الكثير من الصعوبات في بداياتي، فقد كان ظهوري في فترة شهدت بروزاً كبيراً للأغنية الخليجية، وبدأت الدول تولي الغناء والفن اهتماماً كبيراً، بينما لم يكن لدينا في البحرين أي بنية تحتية أو إمكانيات كافية. كانت لدينا موارد بسيطة جداً، فذهبت إلى الكويت في زيارتي الأولى عام 1966 مع والدي، وبعد ثماني سنوات واصلت التردد على الكويت لتسجيل أغاني، لكني كنت أتمنى أن تتوفر هذه الإمكانيات في بلدي، فالأفضل أن يستعد الفنان في وطنه.
هذا السبب سبب لي خلافات طويلة مع الإعلام، لكن من حسن حظي أنني حققت النجاح في سن صغيرة، مما خفف عني التعب الذي يواجهه الفنانون الآخرون. تجاوزت مرحلة المعاناة بسرعة، إذ كنت أسافر إلى دول مثل مصر ولبنان إذا كان هناك شركات أو رغبة لديهم، وكنت محظوظاً أن معاناتي لم تكن معاناة تذكر.
الأغنية التي تشعر أنها ترتبط باسمك؟
هناك أكثر من أغنية، لا أستطيع أن أحدد لأن المسيرة طويلة والحياة الفنية طويلة، والعديد من الأغاني التي قدمتها لها مكانة في قلبي. بعض الأغاني وطنية وبعضها عاطفية، وهناك أكثر من واحدة قريبة لي وأحبها.
كيف تختار كلمات أغانيك؟
أفضل أن يكون الفنان لديه إلمام بسيط بالشعر أو مطلع عليه، لأنه بدون هذا الإلمام لن يستطيع الاختيار. من حسن حظي أن جاري كان شاعر البحرين الكبير الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، واستفدت منه كثيراً وعرفت الشعر والمفردة والشعراء وكيف تُصاغ القصيدة. بدون الإلمام ستمر عليك الكثير من النصوص غير الجيدة وقد تعرقل مسيرتك.
ما هي الأغنية التي تعتبر نقطة فارقة في مشوارك الفني؟
أول أغنية وهي “دار الهوى دار”.
من رأيك كيف تصف الأغنية الخليجية؟
الأغاني الخليجية إلى الآن لم تتطور، ولا أعرف سبب التراجع، وهو تراجع غير طيب. أعتقد أن الكثير من المطربين والملحنين والمؤلفين يظنون أن الموضوع سهل، وهو ليس سهلاً، إذ يحتاج إلى جهد وحسن اختيار. العمل الفني الجيد نادر، فأنا لم أسمع أغنية جيدة منذ 15 سنة حتى الآن.
ماذا تغير في علاقة الفنان بجمهوره عبر الأجيال؟
أعتقد أن الأغنية الجميلة ليس لها وقت أو زمن ولا فئة عمرية محددة. قدم أغنية جميلة وسوف تصل للجمهور، كلاسيكية أو غير كلاسيكية، وسوف تكون جيدة وتحتوي على مواصفات الأغنية. كمثال، أغنية فضل شاكر غُنيت بطريقة كلاسيكية، وهي الآن الأنجح والعالم يرددها. الأغنية عندما يكون النص فيها جميلاً واللحن جيداً والمطرب يغني بإحساس تصل للجمهور دون النظر للأجيال.
أبرز المهرجانات التي شاركت بها؟
غنيت في الكثير من الدول خارج البحرين في الجزائر والمغرب والقاهرة والعراق والكثير من البلدان الأخرى.
كيف تصف تجربتك في الوقوف أمام جمهور عربي واسع؟
الجمهور واحد وليس هناك فرق. غنيت في الجزائر وكنت أشعر بالخوف، إذ كانت لدي أغنية منتشرة في البحرين والخليج، مشهورة في كل مكان، اسمها “سادتي”، وكنت متفاجئاً أن الجمهور يرددها معي في الحفلة. وحتى الآن كثير من المطربين عندما يزورون الدول العربية يشعرون أن الجمهور يعرف أغانيهم. الآن الاتصال اختلف وثورة المعلومات جعلت انتشار الأغنية سهلاً وسريعاً، لكن سابقاً كان من الصعب جداً أن تنتشر في الخارج، وكانت تصل بطرق مختلفة مثل الكاسيت. الذوق العربي متقارب جداً في الأغنية.
حفلة تعتبرها استثنائية في مشوارك الفني؟
كل حفلة أعتبرها محطة استثنائية، وتلقى إقبالاً وتعتبر نقلة مهمة. حفلة الجزائر وحفلة قرطبة كانت بارزة في حياتي، إذ كان لدي خوف وجمهور لا أعرفه من المغرب العربي، لكن عكس ما توقعت كان استقبال الجمهور جميلاً جداً، وكان معي مجموعة من الفنانين.
كيف تتعامل مع رهبة المسرح قبل الصعود أمام الجمهور؟
في الحقيقة أخاف بلا شك في البداية قبل الظهور، وهذا لم يذهب مني لسنوات طويلة، لأن الجمهور له رهبة والمسرح له رهبة. لا تعرف ماذا يريد الجمهور أن تقدمه، وتشعر أنك في قبضته. ولا يخف التوتر إلا بعد الأغنية الأولى أو عند صعودك المسرح وتشعر بتقدير الجمهور لك. ولا يوجد فنان لا يقلق.
وبين ذاكرة البدايات ومحطات مشوار طويل، يبقى إبراهيم محمد حبيب متمسكاً بالأغنية البحرينية وبانتمائه إليها، محتفظاً بالكثير من الحكايات التي رافقته منذ أن بدأ الغناء طفلاً، وما زال يرى أن الأغنية الجميلة قادرة على الوصول إلى الناس مهما اختلفت الأزمنة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك