البصرة – (أ ف ب): في البصرة في جنوب العراق، صهاريج الوقود متوقفة عن العمل، والعمال يتحدثون عن خفض في الأجور وتسريح من الوظائف، ووتيرة الحركة في الموانئ بطيئة... فالحرب في الشرق الأوسط تترك هنا بصمات واضحة وتخنق الاقتصاد العراقي. ويقول فوزي البالغ من العمر 22 عاما، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه كاملا، وهو يعمل لدى شركة صيانة خاصة في حقل نفطي في البصرة، مركز البلاد الرئيسي لتصدير النفط ومنفذه البحري الوحيد، «الحقل متوقّف. لا نستخرج النفط، فما الذي علينا صيانته؟».
وخفضت شركته الرواتب بداية بنسبة 20 في المئة، ثم إلى النصف قبل أن تقدم على تسريح عشرات الموظفين، وفق قوله. وبات فوزي يحضر إلى العمل 15 يوما فقط في الشهر، ويقضي معظم وقته منتظرا أن يتم تكليفه بمهام نادرا ما تأتي. ويقول «لم أقم بأي شيء منذ شهر». وأفاد كثيرون في البصرة عن تسريح موظفين من العمل أو خفض أجور في شركات خاصة عاملة في الحقول النفطية والموانئ، بعد أن تقلّصت عملياتها. وتعتمد شريحة واسعة من سكان البصرة في مواردها على القطاع النفطي الذي يعاني في العالم أجمع من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط والنزاع حول مضيق هرمز.
وقبل الحرب التي اندلعت بهجوم أمريكي إسرائيلي على إيران في نهاية فبراير، كان العراق الذي تؤمن مبيعات النفط نحو 90% من إيراداته، يُنتج نحو أربعة ملايين برميل من النفط يوميا، ويصدّر ما معدله 3,4 ملايين برميل معظمها من البصرة، عبر مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة عالميا. لكن أزمة الممر المائي اضطرّت العراق إلى وقف الإنتاج في معظم حقوله بعدما امتلأت خزاناتها. ولجأ العراق إلى التصدير عبر سوريا من خلال شاحنات الصهاريج، وتركيا عبر خط أنابيب، لكن هذه الكميات لا تمثل سوى جزء صغير مما كانت عليه الصادرات عبر هرمز.
ويدعو خبراء إلى ضرورة أن ينوّع العراق مصادر اقتصاده لحماية نفسه من تقلبات أسواق الطاقة. لكن تحقيق ذلك ليس بهذه السهولة في ظل ضعف القطاع الخاص، وتعثّر النظام المصرفي، فضلاً عن سوء الإدارة والبنية التحتية المتهالكة نتيجة عقود من الأزمات. في البصرة، ملأت شاحنات الصهاريج المواقف، منها ما بقي فارغا وأخرى تنتظر منذ أسابيع على أمل أن تفرغ حمولتها من النفط الخام في السفن.
وبعد تراجع حاد في الصادرات النفطية العراقية عقب إغلاق مضيق هرمز، عادت لترتفع قليلا ولتسجّل في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر أكثر من ثلاثة ملايين برميل، بحسب منصة تتبع حركة السفن «كبلر». ووفق وزارة النفط، فإن معدّل التصدير اليومي للنفط الخام منذ بداية شهر سبتمبر بلغ بحدود مليوني و600 ألف برميل يوميا. لكن العراق اضطر مؤخرا لبيع النفط بأسعار منخفضة، وفق أحد المسؤولين.
وارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية في العراق، وأدّى الخوف الدائم في الأسواق إلى تراجع قيمة الدينار أمام الدولار. كما تدنت، وفق المسؤول، احتياطات العملات الأجنبية بحوالي 20 مليار دولار. ويعتمد العراق إلى حدّ كبير على العملات الأجنبية الناتجة عن مبيعات النفط، لتمويل الواردات وتحقيق استقرار الدينار ودفع رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين الذين يشكّلون نحو 20 في المئة من السكان الذين يزيد عددهم عن 46 مليونا. ونتيجة تراجع الواردات النفطية، اضطرت السلطات إلى اللجوء إلى الاقتراض الداخلي. ويقول الخبير الاقتصادي علي المولوي إن الحكومة تأمل في أن تتمكّن من مواصلة الاقتراض لعدة أشهر، لكنها «على الأرجح تراهن على التوصل إلى حل للنزاع قبل نهاية هذا العام».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك