تحت الأرض، وفي مواقع ارتبطت عقودا باستخراج الفحم، قد تبدأ الصين تجربة مختلفة تماماً؛ زراعة النباتات في بيئة لا تصل إليها الشمس أو الأمطار، ويمكن التحكم في الضوء والماء والحرارة والهواء داخلها بدقة. فمع وجود أكثر من 12 ألف منجم فحم مهجور في أنحاء البلاد، طرح باحثون صينيون تصورًا لإعادة استغلال جزء من شبكات الأنفاق والمساحات الجوفية الشاسعة وتحويلها إلى مختبرات لإجراء تجارب زراعية في بيئات مغلقة وخاضعة للتحكم. ولا تستهدف الفكرة، في مرحلتها الحالية، إنشاء مزارع ضخمة تحت الأرض لإنتاج الغذاء تجاريًا، وإنما استخدام المناجم المهجورة لاختبار تقنيات قد تساعد مستقبلًا على زراعة المحاصيل في البيئات القاسية، وصولًا إلى المناطق النائية وربما الفضاء الخارجي. وجاء المقترح من فريق في مركز شانشي لتطوير الموارد الخضراء وعالية الكفاءة القائمة على الفحم، ونُشرت تفاصيله في «مجلة التعدين الصينية». وللوهلة الأولى، تبدو المناجم مكانًا غير منطقي للزراعة؛ فلا ضوء شمس ولا أمطار، وهما عنصران أساسيان في الزراعة التقليدية. لكن الباحثين ينظرون إلى هذه العيوب من زاوية مختلفة، إذ توفر البيئة تحت الأرض إمكانية التحكم بصورة دقيقة في الظروف المحيطة بالنباتات، بعيدًا عن تقلبات الطقس والكوارث الطبيعية والآثار المتزايدة لتغير المناخ. ويرى الفريق أن تزايد الطلب على تطوير الزراعة داخل البيئات القاسية والمغلقة يجعل دراسة إمكانية استغلال المناجم ذات قيمة علمية وهندسية. ولا يعني وجود آلاف المناجم المهجورة إمكانية تحويلها جميعًا إلى مختبرات زراعية. فقد وضع الباحثون مجموعة من المعايير لتحديد المواقع المناسبة، تبدأ بسلامة الهياكل والأنفاق واستقرار الصخور المحيطة، وتمتد إلى إمكانية إدارة التهوية والصرف ومراقبة السلامة. كما درس الفريق مدى القدرة على التحكم في خمسة عناصر أساسية تحتاج إليها النباتات، هي الضوء والحرارة والماء والهواء وثاني أكسيد الكربون. وخلص التقييم إلى أن بعض المناجم يمكن أن توفر بيئات مستقرة بما يكفي لإنشاء وحدات تجريبية زراعية، شرط توافر بنية هندسية آمنة وأنظمة متكاملة للتهوية والصرف والمراقبة. ولتعويض غياب الشمس، تقترح الدراسة الاعتماد على مصادر إضاءة اصطناعية، بالتزامن مع أنظمة متطورة للتحكم البيئي.
ومن شأن ذلك السماح للباحثين بتحديد كمية الضوء ودرجة الحرارة ومستويات المياه والهواء وثاني أكسيد الكربون بصورة منفصلة ودقيقة. وبدل انتظار الظروف المناخية المناسبة لإجراء تجربة زراعية، يستطيع العلماء نظريًا تصميم المناخ الذي يريدونه داخل المنجم، ثم مراقبة كيفية استجابة النباتات له.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك