العدد : ١٧٧٠٤ - السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٤ - السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

الصراع على مضيق هرمز.. الأهداف التكتيكية والاستراتيجية 1-

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬للحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ (‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭)‬،‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬أُثير‭ ‬تساؤل‭ ‬كبير‭ ‬حول‭ ‬حقيقة‭ ‬الأهداف‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬لهذه‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬اشتعلت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مقدمات‭ ‬واضحة؛‭ ‬وخصوصًا‭ ‬أن‭ ‬أحداثها،‭ ‬وتفاصيلها،‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬إعلانه‭ ‬من‭ ‬أهداف،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ذكرى‭ ‬حرب‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬وأهدافها‭ ‬المزورة‭ ‬عالقة‭ ‬بالأذهان‭.‬

واليوم،‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬الحرب،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الرسالة‭ ‬الموحدة‭ ‬والواضحة‭ ‬حول‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬غائبة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬تطابق‭ ‬أحداثها‭ ‬مع‭ ‬الأهداف‭ ‬المعلنة،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬القارئ‭ ‬بذل‭ ‬جهد‭ ‬مضاعف‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬المعلومة‭ ‬والقراءة‭ ‬السليمة‭ ‬للحرب‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التضليل‭.‬

إنَّ‭ ‬استخدام‭ ‬الكذب‭ ‬والتضليل‭ ‬لتوجيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬منهجية‭ ‬ومتجذرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممارسة‭ ‬طارئة،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬المصادر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«إدارة‭ ‬التصورات‮»‬‭(‬Perception‭ ‬Management‭) ‬هو‭ ‬تكتيك‭ ‬متبع‭ ‬منذ‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬ويتخذ‭ ‬أشكالا‭ ‬متطورة‭ ‬بحسب‭ ‬كل‭ ‬عصر‭ (‬How‭ ‬war‭ ‬propaganda‭ ‬has‭ ‬fueled‭ ‬American‭ ‬foreign‭ ‬policy‭ ‬for‭ ‬a‭ ‬century‭ - ‬Strategic‭ ‬Culture‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬أثبت‭ ‬الصراع‭ ‬الحالي‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران،‭ ‬كما‭ ‬أثبتت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬العراق‭ (‬2003‭)‬،‭ ‬وغيرها،‭ ‬أن‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬وعدم‭ ‬الوضوح‭ ‬في‭ ‬الأهداف‭ ‬هما‭ ‬فعلا‭ ‬سمة‭ ‬منهجية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬استثناء‭.‬

حرب‭ ‬المضيق‭.. ‬وفوضى‭ ‬التصريحات

إنَّ‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الفضول‭ ‬والتساؤل‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬ظاهرة‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ومصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬وممراتها،‭ ‬وفوضى‭ ‬تفاصيلها‭ ‬والتصريحات‭ ‬حولها،‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬الأعمال‭ ‬العسكرية‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬حيز‭ ‬المنطقة‭ ‬ذاتها،‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلا‭ ‬مهما‭ ‬حول‭ ‬الأسباب‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬توقف‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬فجأة؟‭ ‬التي‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تخطيطه‭ ‬وراء‭ ‬الأبواب‭ ‬المغلقة‭.. ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬تأخذ‭ ‬القارئ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬المشهد‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر،‭ ‬إلى‭ ‬الأعماق‭ ‬الخفية‭ ‬للصراع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمالي؛‭ ‬لأن‭ ‬القرار‭ ‬الفعلي‭ ‬بتوقف‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬تحكمه‭ ‬اعتبارات‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬حدة،‭ ‬وهي‮ ‬المخاطر‭ ‬المالية‮ ‬وتكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬الباهظة‭ (‬What‭ ‬stopping‭ ‬war‭-‬risk‭ ‬insurance‭ ‬in‭ ‬the‭ ‬Strait‭ ‬of‭ ‬Hormuz‭ ‬tells‭ ‬us‭ | ‬World‭ ‬Economic‭ ‬Forum‭).‬

شركات‭ ‬التأمين‭.. ‬العامل‭ ‬الخفي‭ ‬في‭ ‬إغلاق‭ ‬المضيق

‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬تُوقف‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬جعلتها محفوفة‭ ‬بمخاطر،‭ ‬قبل‭ ‬انتقال‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬محيط‭ ‬المضيق،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬إلى‭ ‬الانسحاب‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬التسعير‭ ‬بأسعار‭ ‬خيالية؛‭ ‬إذ‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬بدء‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب‭ ‬علّقت‭ ‬كبرى‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬البحري‭ ‬الخاصة‭ (‬في‭ ‬لندن‭)‬،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬نورث‭ ‬ستاندر‮»‬‭ ‬و«نادي‭ ‬لندن‭ ‬بي‭ ‬آند‭ ‬آي‮»‬،‭ ‬تغطيات‭ ‬أخطار‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬تاركة‭ ‬السفن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حماية‭ ‬تأمينية،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬بمثابة‭ ‬انسحاب‭ ‬شركات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬تأمين‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬والشحن‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ (‬علاء‭ ‬الزهيري‭: ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬أخطار‭ ‬الحرب‭ - ‬جريدة‭ ‬حابي‭).‬

أدى‭ ‬ذلك‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬جنوني‭ ‬في‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬أضرار‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬0‭.‬05‭% ‬و0‭.‬25‭%‬‮ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1‭.‬5‭% ‬و3‭% ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬السفينة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬الإضافية‭ ‬لكل‭ ‬رحلة؛‭ ‬وفي‭ ‬ذروة‭ ‬الاضطراب‭ ‬بلغ‭ ‬الارتفاع‭ ‬إلى‭ ‬7‭.‬5‭% ‬و10‭% (‬وبعض‭ ‬المصادر‭ ‬إلى‭ ‬12.5%‭) ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬عشرات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬الإضافية‭ ‬لكل‭ ‬رحلة،‭ ‬ما‭ ‬يفقد‭ ‬الرحلة‭ ‬جدواها‭ ‬الاقتصادية‭ (‬Larak‭ ‬Island‭ ‬strikes‭ ‬add‭ ‬pressure‭ ‬to‭ ‬an‭ ‬already‭ ‬stressed‭ ‬war‭-‬risk‭ ‬market‭ | ‬Insurance‭ ‬Business‭). ‬

ومن‭ ‬القرارات‭ ‬الأولى‭ ‬والمبكرة‭ ‬أيضًا‭ ‬جاءت‭ ‬فيما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬الخبراء‭ ‬بأن‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬ستقوم‭ ‬بالتسعير‭ ‬قبل ست‭ ‬ساعات‭ ‬فقط‮ ‬من‭ ‬موعد‭ ‬الرحلة،‭ ‬وأنَّ‭ ‬صلاحية‭ ‬وثيقة‭ ‬التأمين‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬بضعة‭ ‬أيام؛‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬تغطي‭ ‬فترة‭ ‬الرحلة‭ ‬كاملة،‭ ‬ما‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭ ‬التام‭ (‬علاء‭ ‬الزهيري‭: ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬أخطار‭ ‬الحرب‭ - ‬جريدة‭ ‬حابي‭).‬

ذكرت‭ ‬تقارير‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬العبور‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬انهارت‭ ‬بنسبة‭ ‬81‭%‬‮ ‬و95‭% ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الأزمة،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬توقف‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬كان‭ ‬شبه‭ ‬كامل،‭ ‬والسبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬التأمين‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الإبحار‭ ‬مقامرة‭ ‬مالية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحملها‭ (‬المصدر‭ ‬السابق‭).‬

الممارسة‭ ‬المذكورة‭ ‬تعني‭ ‬أن السوق‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬قتلت‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقتلها‭ ‬الصواريخ،‭ ‬وأن‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬لم‭ ‬تعلن‭ ‬الحظر،‭ ‬لكنها‭ ‬حولت‭ ‬عملية‭ ‬التأمين‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مقامرة‭ ‬فورية‮»‬‭ ‬مستحيلة‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭. ‬فأصبحت‭ ‬الناقلات‭ ‬تواجه‭ ‬خيارًا‭ ‬واحدًا‭: ‬إما‭ ‬الإبحار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تأمين‭ (‬وهو‭ ‬جنون‭ ‬قانوني‭ ‬ومالي‭)‬،‭ ‬وإما‭ ‬التوقف‭ ‬تمامًا‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬فعلا،‭ ‬إذ‭ ‬انهارت‭ ‬حركة‭ ‬المرور‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬بنسبة‭ ‬تجاوزت‭ ‬80‭% ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الأزمة‭ (‬المصدر‭ ‬السابق‭).‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬الهندسة‭ ‬المالية‭ ‬للصراع‭ ‬الحديث؛‭ ‬هي‮ ‬ليست‭ ‬سلاحا‭ ‬يمنعك‭ ‬من‭ ‬المرور،‭ ‬بل‭ ‬ورقة‭ ‬تأمين‭ ‬تجعل‭ ‬المرور‭ ‬مُكلفًا‭ ‬جدًّا‭ ‬بحيث‭ ‬تختار‭ ‬التوقف‭ ‬بنفسك‭.‬

الأهداف‭ ‬الحقيقية‭.. ‬لعبة‭ ‬تتجاوز‭ ‬المضيق

وهنا‭ ‬يتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬أهداف‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تتجاوز‭ ‬مسألة‭ ‬مجرد‭ ‬فتح‭ ‬أو‭ ‬إغلاق‭ ‬ممر‭ ‬مائي،‭ ‬بل‭ ‬يندرج‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬واسع‭ ‬جدًّا،‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والجيوسياسي‭ ‬العالمي‭... ‬وهنا‭ ‬استشراف‭ ‬بأهم‭ ‬الأهداف‭ ‬الحقيقية‭ ‬المحتملة‭ (‬وغير‭ ‬المعلنة‭) ‬كما‭ ‬تراها‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭.‬

الأول‭: ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬الصين

يرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬الأعمق‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هو‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط،‭ ‬لا‭ ‬لتمتلكه،‭ ‬بل‭ ‬لقطع‭ ‬النفط‭ ‬الرخيص‭ ‬عن‭ ‬الصين‭ (‬‮«‬لا‭ ‬نفط‭ ‬رخيص‭ ‬للصين‭.. ‬الهدف‭ ‬للحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إيران‮»‬‭- ‬الجزيرة‭ ‬نت‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬أكبر‭ ‬مستورد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬العقوبات،‭ ‬مثل‭ ‬إيران‭ ‬وروسيا‭ ‬وفنزويلا‭. ‬فالصين‭ ‬تستورد‭ ‬حوالي‭ ‬2‭.‬6‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يوميا من‭ ‬هذا‭ ‬النفط‭ ‬بأسعار‭ ‬مخفضة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬10‭-‬20‭ ‬دولارا‭ ‬للبرميل،‮ ‬وهو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬السعر‭ ‬العالمي‭... ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬المخاطر‭ ‬وإغلاق‭ ‬المضيق،‭ ‬تسعى‭ ‬واشنطن‭ ‬لرفع‭ ‬كلفة‭ ‬النفط‭ ‬الخليجي‭ ‬والإيراني‭ (‬بعد‭ ‬الفنزويلي‭) ‬على‭ ‬الصين،‭ ‬واستخدام‭ ‬الطاقة‭ ‬كورقة‭ ‬تفاوضية‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬التجاري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬الأوسع‭ (‬المصدر‭ ‬السابق‭).‬

الثاني‭: ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬والتأميني

تشير‭ ‬تطورات‭ ‬أزمة‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬تاريخي‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬الغربي،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬هي‭ ‬المؤمِّن‭ ‬النهائي‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بعد‭ ‬انسحاب‭ ‬شركات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬لندن‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬سوق‭ ‬لويدز‭ ‬اللندنية‭ ‬هي‭ ‬الضامن‭ ‬الأساسي‭ ‬للتجارة‭ ‬البحرية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون،‭ ‬انسحب‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬72‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬بدء‭ ‬الحرب،‭ ‬وتدخلت‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مباشرة‭ ‬عبر‭ ‬مؤسسة‭ ‬التمويل‭ ‬الدولية‭ (‬DFC‭) (‬مؤسسة‭ ‬تمويل‭ ‬التنمية‭ ‬الدولية‭ ‬الأمريكية‭ (‬U‭.‬S‭. ‬International‭ ‬Development‭ ‬Finance‭ ‬Corporation‭ ‬التي‭ ‬أنشأتها‭ ‬لتقديم‭ ‬برنامج‭ ‬إعادة‭ ‬تأمين‭ ‬بقيمة‭ ‬20‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬مارس،‭ ‬ومع‭ ‬3‭ ‬أبريل‭ ‬توسعت‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬هذا‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الحكومي‭ ‬هو‭ ‬تحول‭ ‬جوهري‭ ‬يغير‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ (‬The‭ ‬Insurance‭ ‬War‭: ‬How‭ ‬Iran‭ ‬Crisis‭ ‬Ended‭ ‬Britains‭ ‬300‭ ‬Years‭ ‬Hold‭ ‬Over‭ ‬Global‭ ‬Energy‭ ‬Trade‭ | ‬Times‭ ‬Now‭).‬

الثالث‭: ‬فرض‭ ‬نظام‭ ‬

إقليمي‭ ‬جديد

في‭ ‬الواقع،‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬يدفع‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬جديدة‭ ‬لتطورات‭ ‬الدور‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬حربها‭ ‬لتشكيل‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬جديد‭ ‬يحفظ‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬تنافس‭ ‬متسارع‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬المنافسة‭ ‬الكبرى‭... ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬الصراع‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكية‭ ‬لفرض‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد،‭ ‬يضمن‭ ‬عدم‭ ‬بقاء‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬تحت‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬العربي‭. ‬ووفقًا‭ ‬لهذه‭ ‬القراءة،‭ ‬فإن‭ ‬ورقة‭ ‬الضغط‭ ‬الإيرانية‭ (‬إغلاق‭ ‬المضيق‭) ‬قد‭ ‬انقلبت‭ ‬عليها،‭ ‬إذ‭ ‬استخدمها‭ ‬ترامب‭ ‬لحشد‭ ‬تحالف‭ ‬دولي‭ ‬ضد‭ ‬طهران،‭ ‬وفرض‭ ‬سيطرة‭ ‬بلاده‭ ‬على‭ ‬المضيق‭ (‬What‭ ‬stopping‭ ‬war‭-‬risk‭ ‬insurance‭ ‬in‭ ‬the‭ ‬Strait‭ ‬of‭ ‬Hormuz‭ ‬tells‭ ‬us‭ | ‬World‭ ‬Economic‭ ‬Forum‭).‬

بإيجاز،‭ ‬إنَّ‭ ‬لعبة‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالممر‭ ‬المائي‭ ‬وحده،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬المضيق‭ ‬ساحة‭ ‬معركة‭ ‬معقدة‭ ‬تُستخدم‭ ‬فيها‭ ‬الصواريخ‭ ‬وأسواق‭ ‬التأمين‭ ‬والنفط‭ ‬كأسلحة‭. ‬وإنَّ‭ ‬التوقف‭ ‬الفعلي‭ ‬للملاحة‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬نتيجة‭ ‬قرار‭ ‬صدر‭ ‬من‭ ‬لندن‭ ‬وواشنطن،‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬شلل‭ ‬أصاب‭ ‬البنية‭ ‬المالية‭ (‬شركات‭ ‬التأمين‭) ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬حكومي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬فهل‭ ‬هذا‭ ‬الشلل‭ (‬القرار‭) ‬كان‭ ‬واقعيا‭ ‬أم‭ ‬مفتعلا؟‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬ستكشفه‭ ‬الأيام‭.‬

ولكن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬الأهداف‭ ‬الحقيقية‭ ‬للحرب‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مختزلة‭ (‬تقريبًا‭) ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬لوجستيات‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬الخصوم‭ ‬الاستراتيجيين‭ (‬الصين‭)‬،‭ ‬ورسم‭ ‬ملامح‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬وعالمي‭ ‬جديد‭. ‬وإنَّ‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تداوله‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬حول‭ ‬أهداف‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬التضليل‭ ‬لتوجيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭.‬

في‭ ‬المقال‭ ‬القادم‭ ‬سنحاول‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬يلح‭ ‬على‭ ‬القارئ‭ ‬كأحد‭ ‬نتائج‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬المذكورة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬وهو‭: ‬هل‭ ‬إذا‭ ‬انسحبت‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬المضيق،‭ ‬ووافقت‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬أمريكا،‭ ‬ستنقلب‭ ‬اللعبة‭ ‬وستخسر‭ ‬أمريكا‭ ‬اهدافها‭ ‬الرئيسية‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ (‬اللعبة‭)‬؟‭!‬

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا