البرنامج محطة يومية تجمع بين تنوع الموضوعات ودفء الصوت الإذاعي
هدفنا عودة علاقة المستمع بأثير البحرين حين كان الراديو رفيق الطريق
نطرح قضايا وسلوكيات بشكل مختلف وبلغة بسيطة قريبة من الناس
حوار: محمد القصاص
تصوير- عبدالأمير السلاطنة
لطالما جلسنا نستمتع ببرنامج «مشوار الظهيرة» في أواخر الثمانينات، وكان يمثل لنا محطة يومية جميلة تجمع بين تنوع الموضوعات ودفء الصوت الإذاعي وقربه من المستمعين حتى أصبح جزءا من ذكريات جيل ارتبط بالبرنامج وبأصوات مذيعاته الرائدات.
وبرنامج مشوار الظهيرة الذي انطلق في نهاية ثمانينيات القرن الماضي كان يأسر المستمعين عند عودتهم من المدارس، بما يقدمه من موضوعات متنوعة، وكأن المستمع في بستان يقتطف من كل موقع زهرة. كما تميز بتفاعله مع مقترحات المستمعين في زمن سبق ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية بصورتها الحالية. ومن بين المقترحات التي طرحت آنذاك، ولد برنامج (صباح الخير يا بحرين) قبل أن يتوقف (مشوار الظهيرة) سنوات ليعود مجددا اليوم بالاسم نفسه، بحلة جديدة تمزج بين عبق الماضي وروح الحاضر من إعداد وتقديم الإعلامية القديرة نسرين معروف.
ويبث برنامج مشوار الظهيرة عبر أثير إذاعة مملكة البحرين على التردد 102.3FM، من الأحد إلى الخميس عند الساعة الثانية ظهرا برؤية إعلامية متجددة، مع الحفاظ على الهوية الأصيلة التي تميز بها منذ انطلاقته من خلال تناول موضوعات تمس مختلف شرائح المجتمع، وفتح مساحة للحوار وتبادل الآراء بكل مهنية وموضوعية.
وفي هذا الحوار مع (أخبار الخليج) تحدثت الإعلامية نسرين معروف عن عودة (مشوار الظهيرة) وذكرياتها مع البرنامج وأبرز ما يميز نسخته الجديدة مع تفاعل المستمعين والتحديات المرتبطة بإعادة إحياء برنامج يحمل مكانة خاصة في الذاكرة الإذاعية البحرينية.
وفي مستهل الحوار سألناها:
{ متى بدأ برنامج (مشوار الظهيرة)، وماذا تعني لك عودته مجددا إلى أثير إذاعة مملكة البحرين؟
(مشوار الظهيرة) من البرامج التي لها تاريخ وذاكرة جميلة في إذاعة البحرين حيث انطلق لأول مرة تقريبا في نهاية الثمانينيات واستمر بثه سنوات عديدة وتوالت على تقديمه العديد من الرائدات الفاضلات في العمل الإذاعي ثم توقف سنوات طويلة قبل أن نعيده إلى الأثير في يوليو الماضي بحلة جديدة.
وبالنسبة إلي تحمل عودته معنى خاصا جدا في قلبي لأنني لا أتعامل معه كبرنامج إذاعي عادي وإنما كاسم له مكانته وذكرياته لدى المستمع البحريني ولدي شخصيا. فقد كنت أستمع إليه خلال رحلة عودتي من المدرسة وأستمتع بالموضوعات المتنوعة والحوارات الثرية التي كانت تطرح من خلاله.
لذلك عندما قررنا إعادته كان لدي شعور بالمسؤولية بقدر ما كان لدي من حماس. كنت أريد أن أحافظ على روحه التي أحبها الناس وفي الوقت نفسه نقدم برنامجا متجددا يشبه مستمع اليوم وحياته واهتماماته.
الإذاعة تحتفظ ببريقها رغم
تعدد المنصات ووسائل التواصل
{ ما الذي دفع إلى إعادة إحياء البرنامج في هذا التوقيت تحديدا؟
أعتقد أننا في وقت نحتاج فيه أكثر إلى البرامج التي تعيد إلى الإذاعة علاقتها المباشرة بالناس. اليوم هناك سرعة كبيرة في كل شيء، ومنصات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي ومحتوى لا ينتهي، لكن تظل للإذاعة بريقها المتوهج وخصوصيتها المتفردة ذلك الصوت الذي يرافقك في السيارة أو العمل ويشعرك بأن هناك شخصا يتحدث معك وليس إليك فقط.
ومن هنا جاءت فكرة إعادة مشوار الظهيرة فالاسم موجود في ذاكرة إذاعة البحرين والفكرة ما زالت صالحة لكننا أردنا أن نعيدها بما يناسب هذا الزمن وبموضوعات قريبة جدا من تفاصيل حياتنا اليومية.
{ هل تشعرين أن عودة البرنامج هي عودة إلى ذكريات المستمعين أم بداية لمرحلة جديدة مختلفة؟
هي الاثنان معا وهذا أجمل ما في التجربة. هناك بالتأكيد حنين وذاكرة مرتبطة باسم مشوار الظهيرة ولا أعتقد أننا يجب أن نتجاهل ذلك بل بالعكس نحترمه ونعتز به لكن في الوقت نفسه لا أريد أن يعيش البرنامج على الحنين وحده. بالنسبة إلي الماضي هو الجسر الذي عبرنا منه وليس المكان الذي سنتوقف عنده نريد أن يستذكر ويحتفظ المستمع القديم بعلاقته مع البرنامج وفي الوقت نفسه نريد أن يأتي مستمع جديد لم يعرف النسخة السابقة ويشعر بأن مشوار الظهيرة يمثله هو أيضا.
{ ما أبرز ما يميز مشوار الظهيرة في نسخته الجديدة عن البرنامج الذي عرفه المستمعون سابقا؟
أعتقد أن أبرز ما يميز النسخة الجديدة هو طبيعة الموضوعات وطريقة طرحها. نحاول ألا نقدم موضوعا لمجرد أنه جميل أو متداول، وإنما نبحث دائما عن الزاوية التي تجعل المستمع يشعر بأن السؤال يمسه شخصيا وأنه يتحدث عن شيء يعيشه أو مر به في حياته.
نتحدث عن العلاقات والسلوكيات والقيم والتكنولوجيا والمقارنة بالآخرين والفرص الثانية واحترام الوقت والمنافسة والقدوة وغيرها من القضايا التي نعيشها جميعا.
وأحب دائما أن تكون لغة البرنامج بسيطة وقريبة من الناس بعيدا عن التنظير. نحن لا نقدم إجابات جاهزة بقدر ما نفتح مساحة للتفكير والحوار ونترك للمستمع أن يشاركنا رأيه وتجربته وقناعته.
ومن الأشياء الجميلة أيضا في عودة مشوار الظهيرة أنها جاءت في زمن مختلف تماما عن الفترة التي كان يبث فيها البرنامج سابقا. اليوم لدينا وسائل التواصل الاجتماعي التي أضافت مساحة أكبر بكثير للتفاعل فلم تعد مشاركة المستمع مقتصرة على الاتصال الهاتفي فقط وإنما أصبح بإمكانه أن يكتب رأيه أو يشارك تجربته وتعليقه عبر منصات التواصل الاجتماعي وهذا أعطى البرنامج زخما وحيوية أكبر.
وأحيانا يكون أجمل ما في الحلقة هو هذا التنوع في آراء الناس شخص يتفق وآخر يختلف وشخص يروي تجربة عاشها، وآخر ينظر إلى الموضوع من زاوية لم تخطر لنا أصلا. وهذا بالنسبة إلي من أجمل ملامح النسخة الجديدة لأن المستمع لم يعد فقط متلقيا للبرنامج بل أصبح شريكا حقيقيا في الحوار وفي صناعة جزء مهم من محتوى الحلقة.
تفاعل المستمعين يمنح البرنامج زخما وحيوية
{ البرنامج ارتبط بذاكرة جيل من المستمعين، كيف وجدتم تفاعل الجمهور مع خبر عودته؟
كان التفاعل جميلا جدا وربما من أكثر الأشياء التي أسعدتني منذ عودة البرنامج.
بمجرد أن يسمع البعض اسم مشوار الظهيرة تأتي تلقائيا عبارة نتذكر هذا البرنامج أو يبدأ الشخص في الحديث عن الفترة التي كان يستمع فيها إليه وهذا يؤكد أن البرامج الإذاعية أحيانا لا تبقى في الذاكرة كمحتوى فقط وإنما ترتبط بمرحلة من حياة الإنسان.
والأجمل بالنسبة إلي أننا بعد العودة بدأنا نرى تفاعلا من مستمعين جدد أيضا وهنا تشعر أن البرنامج لا يستعيد جمهوره السابق فقط بل يبني علاقة جديدة مع جيل آخر.
{ هل وصلتك رسائل أو اتصالات من مستمعين كانوا يتابعون البرنامج في سنواته السابقة؟ وما أبرز هذه الرسائل؟
نعم، كثيرا.. ووصلتنا ردود فعل جميلة جدا. بعض المستمعين عبروا ببساطة عن سعادتهم بسماع اسم البرنامج مرة أخرى والبعض استعاد ذكرياته معه وهناك من قال إن مجرد سماع الموسيقى أو اسم مشوار الظهيرة أعاده إلى سنوات ومرحلة معينة من حياته.
هذه النوعية من الرسائل تلامسني كثيرا كإعلامية لأنها تذكرنا بأن الإذاعة ليست مجرد ميكروفون وبرنامج ينتهي بانتهاء الوقت المخصص له. أحيانا صوت أو إحساس أو برنامج أو حتى جملة بسيطة تبقى مع الإنسان سنوات طويلة.
{ ما أكثر شيء تتوقعين أن يحن إليه المستمعون من مشوار الظهيرة القديم؟
أعتقد أنهم يحنون قبل كل شيء إلى الإحساس الذي كان يمنحهم إياه البرنامج. قد تتغير الفقرات والأصوات والسنوات لكن الإنسان يتذكر شعوره. يتذكر أنه كان هناك برنامج يرافق ظهيرة يومه وأصوات اعتاد عليها واتصالات وقصص ومواقف من الناس وأظن أن هذا هو التحدي الجميل أمامنا اليوم: ألا نحاول نسخ الماضي لأن الزمن تغير وإنما أن نستعيد ذلك الدفء والقرب من المستمع بروح تناسب الحاضر.
{ البرنامج كان قريبا من الناس وقضاياهم اليومية، كيف ستستمرون في الحفاظ على هذه العلاقة مع المستمع؟
بأن نستمع إليهم أولا وأنا مؤمنة بأن البرنامج القريب من الناس لا يمكن أن يصنع بالكامل خلف مكتب أو شاشة خصوصا أننا في زمن التحول الذكي في مختلف المجالات. أحيانا فكرة حلقة كاملة تأتي من تعليق بسيط، أو موقف نراه في حياتنا، أو قضية يتحدث عنها الناس في مجالسهم وبيوتهم ووسائل التواصل لذلك أحاول دائما أن أسأل نفسي عند اختيار أي موضوع هل سيشعر المستمع أن هذا الكلام يعنيه؟ هل سيجد نفسه أو تجربته فيه؟ إذا كانت الإجابة نعم فغالبا نحن أمام موضوع يستحق أن نطرحه.
{ ما أبرز الموضوعات التي يسعى »مشوار الظهيرة« الى التركيز على طرحها في نسخته الجديدة؟
المساحة واسعة جدا لكن تركيزنا الأكبر على الموضوعات الاجتماعية والإنسانية التي تمس حياتنا اليومية تحدثنا مثلا عن المنافسة الشريفة، والقدوة، وتصحيح المسار، والحوار الراقي، والفرصة الثانية، والمقارنة بالآخرين، وتأثير التكنولوجيا في علاقتنا باللحظة، واحترام الوقت وغيرها.
وأحب تحديدا الموضوعات التي لا تكون إجابتها (نعم أو لا) وإنما تحتمل آراء مختلفة لأن أجمل الحلقات بالنسبة إلي هي التي أبدأها وأنا أملك وجهة نظر ثم أسمع المستمعين فأكتشف زوايا لم أفكر فيها من قبل.
{ كيف تختارون الموضوعات التي تستحق أن تكون محورا للحلقة؟
المعيار الأول عندي هو هل هذا الموضوع يشبه الناس؟ لا يهمني أن يكون الموضوع ضخما أو معقدا حتى يستحق حلقة. أحيانا موقف صغير جدا نمر به جميعا يفتح نقاشا أكبر بكثير مما نتوقع.
أراقب ما يدور حولنا وما يتحدث عنه الناس، وما نعيشه في العلاقات والعمل والأسرة والمجتمع، ثم نحاول أن نخرج من الفكرة بالسؤال الحقيقي الموجود خلفها أنا أحب السؤال الذي يجعل المستمع يتوقف للحظة ويقول (فعلا لم أفكر فيها بهذه الطريقة من قبل).
المستمع جزء أساسي من «مشوار الظهيرة»
{ هل ستعتمدون على الاتصالات والمداخلات المباشرة كما كان الحال في السابق؟
بالتأكيد، لأنها جزء أساسي من روح مشوار الظهيرة. أنا شخصيا أحب جدا التواصل المباشر مع المستمع وأعتقد أن أجمل ما في الإذاعة أنها تمنح الإنسان العادي مساحة حقيقية ليقول رأيه ويحكي تجربته.
والاتصالات بالنسبة إلي ليست مجرد فقرة نملأ بها وقت البرنامج بالعكس، أحيانا اتصال واحد يغير مسار الحلقة كلها، لأن تجربة حقيقية من مستمع قد تختصر كلاما كثيرا يمكن أن نقوله نحن في الاستديو. وهذا التفاعل هو الذي يجعل البرنامج حيا ومتجددا كل يوم.
{ ما أصعب تحد تتوقعينه في إعادة برنامج جماهيري بعد سنوات من التوقف؟
ربما أصعب تحد هو أن تحترم ذاكرة الناس من دون أن تصبح أسيرا لها. عندما تعيد برنامجا يحمل اسما معروفا هناك دائما مقارنة بما كان عليه في السابق وهذا طبيعي لكنني منذ البداية لم أرد أن ندخل في منافسة مع الماضي أو نحاول تقليده حرفيا.
نحن نحترم تاريخ مشوار الظهيرة ونبني عليه لكن لدينا حاضر مختلف ومستمع مختلف وإيقاع حياة مختلف وبالنسبة إلي النجاح الحقيقي سيكون عندما يستمع إلينا من عرف البرنامج قديما ويقول: (ما زال فيه شيء من مشوارنا الذي أحببناه) وفي الوقت نفسه يستمع شاب أو شابة يعرفانه للمرة الأولى ويشعران بأن هذا البرنامج يتحدث عنهما وعن حياتهما اليوم عندها أعتقد أننا نكون قد نجحنا فعلا في إعادة (مشوار الظهيرة) إلى الأثير لا كذكرى من الماضي وإنما كبرنامج له مكانه في الحاضر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك