لا نكتفي بالاستجابة للطوارئ.. واستثمارنا الأكبر في الوقاية
هدفنا ليس إصدار تقارير بل إنتاج معرفة تساعد صانع القرار الخليجي
أجرى الحوار: لمياء إبراهيم
تختزل تجربة الجوائح درسًا محوريًا في إدارة الصحة العامة، حيث إن الأزمات لا تنتظر استكمال الجاهزية، بل تتطلب رؤية استباقية تحول الخطط إلى استراتيجيات مستدامة، لذلك تبرز أهمية تعزيز المنظومة الصحية الخليجية للانتقال من مرحلة الاستجابة للأزمات إلى بناء بيئة وقائية متكاملة تعتمد على الأدلة العلمية والشراكة الاستراتيجية.
وعلى هامش استضافة مملكة البحرين الاجتماع الثاني عشر للجنة وزراء الصحة بدول مجلس التعاون الخليجي، حاورت «أخبار الخليج» البروفيسور مناف القحطاني، أول بحريني يتولى منصب الرئيس التنفيذي للمركز الخليجي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (CDC Gulf)، وتتناول معه أولويات العمل الخليجي المشترك في مجالات الإنذار المبكر، وتوظيف التكنولوجيا لدعم صحة المجتمعات الخليجية واستراتيجيات المركز في المرحلة المقبلة.
- بداية نبارك لكم الثقة الخليجية بتولي هذا المنصب التنفيذي، ما هي أولوياتكم الاستراتيجية الأكثر إلحاحاً التي تضعونها على طاولة العمل خلال العام الأول؟
أشكركم، والحقيقة أنني أنظر إلى هذه الثقة قبل كل شيء باعتبارها مسؤولية وليست منصباً.
منذ اليوم الأول كان هدفي ألا نبدأ بمشاريع كثيرة لمجرد أن نقول إن لدينا مشاريع، بل أن نبني المؤسسة بصورة صحيحة ومستدامة، وأن نحدد أين يستطيع المركز أن يضيف قيمة حقيقية لدول مجلس التعاون.
أولويتنا هي أن يكون المركز قادراً على رؤية المخاطر الصحية مبكراً، وربط المعلومات بالقرار، ودعم دول المجلس في الاستعداد والاستجابة، وفي الوقت نفسه الاستثمار بشكل أكبر في الوقاية وبناء القدرات والسياسات المبنية على الدليل.
ولهذا نعمل على مسارات مترابطة تشمل الرصد والإنذار المبكر، والطوارئ الصحية، وبرامج وسياسات الصحة العامة، والتدريب وبناء القدرات، وتعزيز الاستفادة من البيانات والمعلومات الصحية، إلى جانب تطوير الشراكات العلمية.
وكل ذلك لا يتم بمعزل عن مجلس الصحة الخليجي، بل ضمن منظومة واحدة وخطة استراتيجية متكاملة معه ومع دول المجلس. بالنسبة إلي، النجاح ليس في أن يكبر اسم المركز، وإنما أن تكبر فائدته لدول الخليج ومواطنيها.
ويأتي هذا الحوار وأنا اليوم في البحرين، وقت تستعد فيه مملكة البحرين لاستضافة أعمال الدورة الثانية عشرة لمجلس الصحة لدول مجلس التعاون، وما تتضمنه من اجتماعات وزراء الصحة الخليجيين. ولهذا التوقيت معنى خاص بالنسبة إلي؛ فهو يجسد ما نؤمن به من أن الخبرة الوطنية تصبح أكثر إثراً عندما تلتقي داخل إطار خليجي مشترك، وأن ما يجمعنا في الصحة هو خدمة الإنسان أينما كان في دولنا.
- أُنشئ المركز الخليجي (Gulf CDC) بقرار من قمة العلا لدعم المنظومة الصحية الإقليمية، كيف تخططون لتوطيد التنسيق بين وزارات الصحة في دول مجلس التعاون لتوحيد السياسات الوقائية؟
أعتقد أن كلمة «التوحيد» يجب أن نفهمها بصورة مرنة. دول الخليج بينها تشابه كبير، لكن لكل دولة منظومتها الصحية وظروفها وأولوياتها.
لذلك نحن لا نسعى إلى أن نجعل الجميع نسخة واحدة، وإنما أن نصنع إطاراً خليجياً مشتركاً يسمح لنا بأن نتعلم من بعضنا، ونقترب في المعايير والسياسات عندما تكون المصلحة مشتركة، مع احترام كامل لخصوصية كل دولة وسيادتها على قراراتها وبياناتها.
ولدينا ميزة مهمة جداً في الخليج، نحن لسنا دولاً بعيدة عن بعضها جغرافياً أو اجتماعياً. حركة الناس بين دولنا كبيرة، والتحديات الصحية في كثير من الأحيان مشتركة، وبالتالي فإن نجاح دولة خليجية في الوقاية من مرض أو التعامل مع خطر صحي هو نجاح يمكن أن تستفيد منه بقية الدول.
وأعتقد أن دور المركز هنا هو أن يكون الجسر الذي يحول هذه الخبرات الوطنية الممتازة إلى معرفة خليجية مشتركة.
- ما هو الدور المنتظر للمركز في نقل الصحة العامة الخليجية من مرحلة «الاستجابة والأزمات» إلى مرحلة «الوقاية المبكرة والاستباقية»؟
هذه من أكثر الأفكار التي أؤمن بها شخصياً.
خلال جائحة كوفيد-19 عشنا جميعاً فترة كان فيها الوقت عاملاً حاسماً. أحياناً يكون الفرق بين قرار اتُخذ اليوم وقرار اتُخذ بعد أسبوع فرقاً كبيراً في مسار حدث صحي كامل.
ومن تجربتي مع الفريق الوطني في البحرين خلال الجائحة، تعلمت أن إدارة الأزمات لا تبدأ عندما تصل الأزمة إلى بابك، بل قبل ذلك بكثير: عندما ترصد، وتحلل، وتفكر في السيناريوهات، وتتدرب، وتسأل باستمرار: ماذا لو؟
وهذا تحديداً ما نريد تعزيزه خليجياً.
الرصد المبكر، وتمارين المحاكاة، ورفع الجاهزية، وتطوير خطط الطوارئ، وبناء القدرات البشرية، وتحليل المخاطر، كلها أجزاء من منظومة واحدة.
تمتلك المنطقة تجارب غنية في إدارة الجوائح. كيف سينعكس هذا التراكم المعرفي على بناء نظام خليجي موحد للرصد الوبائي المبكر والتنبؤ بالأمراض؟
لدينا في دول الخليج خبرات كبيرة جداً، ليس فقط من كوفيد-19، وإنما من التعامل مع أمراض معدية مختلفة، والتجمعات البشرية الكبرى، والطوارئ الصحية، والعمل المخبري والوبائي.
التحدي الآن هو ألا تبقى هذه الخبرات داخل ذاكرة الأفراد أو المؤسسات، وإنما أن تتحول إلى معرفة مؤسسية خليجية مستدامة.
لذلك نحن نعمل على تعزيز مفهوم الاستخبارات الوبائية والإنذار المبكر، والاستفادة بصورة أفضل من مصادر المعلومات المختلفة، بحيث يستطيع صانع القرار أن يحصل على صورة أكثر اكتمالاً وفي الوقت المناسب.
لكنني دائماً أقول للفريق، هدفنا ليس إنتاج تقارير أكثر، بل إنتاج معرفة تساعد على اتخاذ قرار أفضل.
- هل هناك توجه لبناء قاعدة بيانات صحية خليجية موحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنذار القطاعات الصحية مبكراً؟
الذكاء الاصطناعي بالتأكيد يفتح آفاقاً كبيرة للصحة العامة، ونحن ننظر إليه كأداة مهمة، لكنني لا أعتقد أن البداية الصحيحة هي أن نقول نريد أكبر قاعدة بيانات أو أكثر الأنظمة تعقيداً.
السؤال الأهم هو: ما القرار الصحي الذي نريد أن تساعدنا المعلومات على اتخاذه؟
قد تكون القيمة الحقيقية في ربط مصادر موثوقة للمعلومات وتحليلها بصورة أسرع وأكثر ذكاءً، مع وجود حوكمة واضحة جداً للبيانات واحترام ملكيتها وخصوصيتها.
فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعدنا في قراءة الإشارات وتحليل الاتجاهات واختصار الوقت، لكنه لا يستبدل الطبيب أو عالم الوبائيات أو المختص في الصحة العامة.
أنا أؤمن بالتكنولوجيا التي تعزز عقل الإنسان، لا التكنولوجيا التي تحاول أن تلغي دوره.
- كيف يسهم المركز في دعم البحوث الطبية وتوليد الأدلة العلمية الموجهة خصيصاً للتحديات الصحية ذات الأولوية في البيئة الخليجية؟
لدينا جامعات ومراكز بحثية وباحثون متميزون جداً في الخليج، ودور المركز ليس أن ينافسهم، بل أن يساعد على توجيه جزء من هذه القوة العلمية نحو الأسئلة التي يحتاج إليها صانع القرار الخليجي.
أنا كوني طبيبا، أحب البحث العلمي الذي ينتهي بشيء يمكن استخدامه، لا يكفيني أن نعرف أن هناك مشكلة؛ بل يجب أن نصل الى حل للمشكلة.
لذلك نسعى لتشجيع البحث التطبيقي وتوليد الأدلة المحلية، وربط الباحثين بصناع السياسات ومتخصصي الصحة العامة.
فالقرار المبني على بيانات خليجية وعلى واقع مجتمعاتنا سيكون دائماً أكثر قيمة من مجرد استنساخ حلول صُممت لبيئات مختلفة.
- يُعد العنصر البشري ركيزة الأمن الصحي. كيف ستعملون على تطوير برامج تدريبية إقليمية لبناء (جيش خليجي من خبراء الوبائيات والصحة العامة)؟
أفضل أن أسميه شبكة خليجية من العقول والخبرات الصحية. لأن الأمن الصحي في النهاية يصنعه الإنسان.
يمكنك شراء أفضل الأنظمة والتقنيات، لكن إذا لم يكن لديك أشخاص يعرفون كيف يقرؤون الإشارة ويتخذون القرار ويقودون الفريق في وقت الأزمة فلن تحقق هذه الأنظمة قيمتها الحقيقية.
نريد أن تكون برامج بناء القدرات مرتبطة باحتياجات دول المجلس، وأن تشمل التدريب العملي، وتمارين المحاكاة، والوبائيات الميدانية، والقيادة أثناء الطوارئ، وتحليل المخاطر، وغيرها من المهارات.
وأحد الأمور التي تعلمتها خلال كوفيد هو أن الأزمة لا تسأل عن المسمى الوظيفي. فجأة تجد الطبيب وعالم المختبر وعالم الوبائيات والإداري والمتخصص في البيانات والاتصال يعملون جميعاً حول طاولة واحدة.
- ولهذا نريد بناء جيل خليجي يعرف كيف يعمل معاً قبل أن تأتي الأزمة، لا أن يتعارف أثناءها.
- ما هي خططكم لتعزيز الشراكات العلمية مع المراكز العالمية المماثلة ونقل أفضل الممارسات إلى المنطقة؟
نحن منفتحون جداً على التعاون مع المؤسسات والمراكز الصحية والعلمية الدولية.
لكن لدي مبدأ واضح، الشراكة الناجحة ليست مجرد توقيع مذكرة تفاهم أو التقاط صورة.
- نطرح تساؤلات، ماذا سنتعلم؟ ماذا سنبني؟ وما الذي سيبقى لدينا بعد انتهاء المشروع؟ لإقامة علاقات تسمح بتبادل الخبرات، وبناء القدرات، والتدريب، والتعاون في الاستعداد للأوبئة والطوارئ الصحية، والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية.
- ما الرسالة التوعوية التي توجهونها الى المواطن والمقيم في دول المجلس حول دور الوقاية في رفع جودة الحياة؟
رسالتي بسيطة جداً، الصحة ليست شيئاً نتذكره عندما نمرض.
الوقاية تبدأ من القرارات الصغيرة التي نتخذها كل يوم، في غذائنا، وحركتنا، وفحوصاتنا، وطريقة تعاملنا مع المعلومات الصحية.
وأحياناً أفضل قرار صحي هو القرار الذي يمنعك أصلاً من أن تصبح مريضاً.
لكنني أيضاً لا أحب أن نحمل الفرد المسؤولية كاملة؛ علينا كمؤسسات صحية أن نوفر له المعلومة الصحيحة والبيئة التي تساعده على اتخاذ القرار الصحيح.
كيف تقيمون مستوى التكامل الصحي الخليجي في الوقت الراهن؟
أنا متفائل جداً. لدول الخليج تاريخ طويل من العمل المشترك، وهناك بنية مؤسسية وخبرات وعلاقات بين القيادات والفرق الصحية يمكن البناء عليها.
لكن دائماً هناك مساحة للانتقال إلى مستوى أعلى.
المرحلة القادمة في رأيي هي الانتقال تدريجياً من التعاون في المشاريع إلى التكامل في المنظومات؛ بحيث تصبح مشاركة المعرفة، والإنذار المبكر، والاستعداد للطوارئ، والسياسات المشتركة، وبناء القدرات، جزءاً طبيعياً من طريقة عملنا اليومية.
والمركز الخليجي جزء من هذا المسار، يعمل جنباً إلى جنب مع مجلس الصحة الخليجي ودول المجلس، وليس بديلاً عن أي منها.
- وفي الختام، كأول بحريني يتولى منصب الرئيس التنفيذي للمركز الخليجي، ماذا يمثل لك هذا الموقع الجديد؟
بالتأكيد هو مصدر اعتزاز كبير، وكوني أول بحريني يتولى هذا المنصب الخليجي يضيف الى هذا الاعتزاز معنى خاصاً، لكنه قبل ذلك كله شعور بالمسؤولية.
أنا ابن البحرين، وما وصلت إليه في مسيرتي المهنية لم يكن عملاً فردياً. كان خلفي وطن آمن بي، وقيادة حكيمة دعمت أبناءها، ومؤسسات أتاحت لي أن أتعلم وأخدم، وزملاء عملت معهم سنوات طويلة.
وأخص بالذكر تجربتي خلال جائحة كوفيد-19. كانت مرحلة صعبة على الجميع، لكنها علمتني درساً لن أنساه في أصعب اللحظات لا يصنع النجاح شخص واحد، بل فريق يؤمن ببعضه.
كنت واحداً من فريق البحرين، وأعتز بذلك أكثر من أي لقب.
أما اختياري لهذا الموقع، فقد جاء بعد مسار مهني طويل وعملية اختيار وتقييم شملت عدة مراحل واختبارات ومقابلات، ثم حظيت بثقة ودعم خليجي أعتز بهما كثيراً.
ولا يمكن أن أتحدث عن هذه الرحلة من دون أن أقول شكراً لأهلي؛ لوالدتي حفظها الله، ولزوجتي التي كانت وما زالت سنداً وداعماً حقيقياً في كل مرحلة. واستحضر والدي رحمه الله، الذي توفي قبل عام من انضمامي إلى المركز. كنت أتمنى أن يكون حاضراً ليرى هذه الخطوة، لكن ما غرسه فيّ من قيم العمل والانضباط وخدمة الناس يبقى حاضراً معي في كل مسؤولية أتولاها.
ربما أجمل ما في هذه المرحلة بالنسبة إلي أنني جئت من تجربة وطنية أحبها وأفتخر بها، لأعمل اليوم في مساحة خليجية أوسع أحبها بالقدر نفسه.
لا أريد أن أكون «البحريني الذي أصبح رئيساً للمركز» بقدر ما أتمنى، بعد سنوات، أن يُقال إن فريقاً خليجياً عمل معاً وترك منظومة صحة عامة أقوى لمن يأتي بعده. المناصب تمر، والأسماء تتغير، لكن المؤسسات الجيدة تبقى.
وإذا استطعنا أن نترك بعدنا مركزاً خليجياً يثق به المواطن وصانع القرار والعاملون في الصحة العامة، ويشعر كل خليجي أنه يمثله، فسأعتبر أنني وزملائي أدينا الأمانة.
وختاما، أنني أعرف حجم الكفاءات الموجودة في دولنا، وأعرف أن ما يجمعنا في الخليج أكبر بكثير من أي تحدٍ صحي قد يواجهنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك