العدد : ١٧٦٩٤ - الأربعاء ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٤ - الأربعاء ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

السياحي

عودة وشيكة للطيران فوق الصوتي

الأربعاء ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

يشهد‭ ‬الأفق‭ ‬الجوي‭ ‬عودة‭ ‬وشيكة‭ ‬للطيران‭ ‬فوق‭ ‬الصوتي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬طفرة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬المحركات،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬زلزال‭ ‬اقتصادي‭ ‬وثقافي‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬السياحة‭ ‬العالمية،‭ ‬ويعد‭ ‬باختصار‭ ‬زمن‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬النصف،‭ ‬محولاً‭ ‬المسافات‭ ‬الهائلة‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬نزهات‭ ‬قصيرة‭.‬

هذا‭ ‬الحراك‭ ‬المتسارع‭ ‬تقوده‭ ‬اليوم‭ ‬تحالفات‭ ‬دولية‭ ‬وشركات‭ ‬طموحة‭ ‬تخطت‭ ‬مرحلة‭ ‬التصاميم‭ ‬الورقية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاختبارات‭ ‬الجوية‭ ‬الصارمة‭. ‬إن‭ ‬النجاحات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬نماذج‭ ‬تجريبية‭ ‬مثل‭ ‬طائرة‭ ‬“XB-1”‭ ‬التابعة‭ ‬لشركة‭ ‬“بوم‭ ‬سوبرسونيك”،‭ ‬والجهود‭ ‬العلمية‭ ‬لوكالة‭ ‬“ناسا”‭ ‬عبر‭ ‬طائرتها‭ ‬الهادئة‭ ‬“X-59،‭ ‬تعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬الطيران‭.‬

فلم‭ ‬يعد‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬كسر‭ ‬حاجز‭ ‬الصوت‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كسره‭ ‬بذكاء‭ ‬وهدوء‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬عقبة‭ ‬“الدوي‭ ‬الصوتي”‭ ‬التي‭ ‬تسببت‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬حظر‭ ‬الطيران‭ ‬السريع‭ ‬فوق‭ ‬التجمعات‭ ‬السكنية‭. ‬هذا‭ ‬العمق‭ ‬الهندسي‭ ‬الجديد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستمائة‭ ‬مسار‭ ‬جوي‭ ‬عالمي‭ ‬مربح،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬لسنا‭ ‬أمام‭ ‬تجربة‭ ‬نخبوية‭ ‬محدودة،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬شبكة‭ ‬نقل‭ ‬عالمية‭ ‬جديدة‭ ‬ستغير‭ ‬مفاهيم‭ ‬التدفق‭ ‬السياحي‭ ‬والاستثماري‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬

إن‭ ‬الأثر‭ ‬المباشر‭ ‬لهذا‭ ‬التحول‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬السياحة‭ ‬يتجاوز‭ ‬فكرة‭ ‬الرفاهية‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الأسواق‭ ‬الجغرافية‭. ‬الوجهات‭ ‬السياحية‭ ‬النائية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬عزلة‭ ‬نسبية‭ ‬بسبب‭ ‬طول‭ ‬الرحلات‭ ‬وعواقب‭ ‬“اضطراب‭ ‬الرحلات‭ ‬الجوية‭ ‬الطويلة”‭ (‬Jet‭ ‬Lag‭)‬،‭ ‬ستجد‭ ‬نفسها‭ ‬فجأة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المنافسة‭.‬

تخيل‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬رحلة‭ ‬من‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬أو‭ ‬القارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ساعات‭ ‬معدودة؛‭ ‬هذا‭ ‬الاختصار‭ ‬الزمني‭ ‬سيحول‭ ‬سياحة‭ ‬الأعمال‭ ‬وعطلات‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬الفاخرة‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬محلي‭ ‬أو‭ ‬إقليمي‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬عابر‭ ‬للقارات‭.‬

ستضطر‭ ‬الفنادق‭ ‬والمنتجعات‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ابتكار‭ ‬خدماتها‭ ‬لتلائم‭ ‬هذا‭ ‬“المسافر‭ ‬السريع”‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬العالية‭ ‬لكنه‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الوقت،‭ ‬مما‭ ‬سينعش‭ ‬سياحة‭ ‬النخبة‭ ‬ويضخ‭ ‬سيولة‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تحسن‭ ‬استغلال‭ ‬هذا‭ ‬التدفق‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬البراق‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬عميقة‭ ‬تتطلب‭ ‬تحليلاً‭ ‬واقعياً،‭ ‬لعل‭ ‬أبرزها‭ ‬معضلة‭ ‬الاستدامة‭ ‬البيئية‭ ‬والمعادلة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للتكلفة‭.‬

فالأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الطائرات‭ ‬تَعِد‭ ‬بالاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬وقود‭ ‬الطيران‭ ‬المستدام‭ ‬لتقليل‭ ‬الانبعاثات،‭ ‬وهو‭ ‬التزام‭ ‬أخلاقي‭ ‬وتجاري‭ ‬حتمي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التغير‭ ‬المناخي،‭ ‬لكن‭ ‬وفرة‭ ‬هذا‭ ‬الوقود‭ ‬وتكلفته‭ ‬لا‭ ‬تزالان‭ ‬تشكلان‭ ‬علامة‭ ‬استفهام‭ ‬كبيرة‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أسعار‭ ‬التذاكر‭ ‬المتوقعة،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬توازي‭ ‬أسعار‭ ‬درجة‭ ‬الأعمال‭ ‬الحالية،‭ ‬تثير‭ ‬تساؤلاً‭ ‬جوهرياً‭: ‬هل‭ ‬يسهم‭ ‬الطيران‭ ‬الفوق‭ ‬صوتي‭ ‬في‭ ‬ديمقراطية‭ ‬السفر‭ ‬وجعله‭ ‬متاحاً‭ ‬للجميع،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬سيعمق‭ ‬الفجوة‭ ‬الطبقية‭ ‬في‭ ‬السياحة‭ ‬العالمية‭ ‬ليصبح‭ ‬الزمن‭ ‬امتيازاً‭ ‬حصرياً‭ ‬للأثرياء؟‭ ‬إن‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬ستحسمها‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة،‭ ‬لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬قطاع‭ ‬السياحة‭ ‬الطائرة‭ ‬لن‭ ‬يعود‭ ‬أبداً‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا