العدد : ١٧٦٩٠ - السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٠ - السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

العناد الاستراتيجي والحروب طويلة الأمد في الثقافة الإيرانية

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

منذُ‭ ‬سقوطِ‭ ‬إمبراطوريتِها‭ ‬الساسانيَّة،‭ ‬تحاولُ‭ ‬إيران‭ ‬أن‭ ‬تبررَ‭ ‬حروبَها‭ ‬في‭ ‬المنطقةِ‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬موقعِ‭ ‬الدفاع،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يصفها‭ ‬بعض‭ ‬المُتًفذلِكين‭ (‬فَذلَك،‭ ‬يُفَذْلِكُ‭) ‬بأنها‭ ‬سلوكُ‭ ‬‮«‬الدفاعِ‭ ‬عن‭ ‬الحضارةِ‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬القراءةُ‭ ‬الواقعيَّة‭ ‬وجدت،‭ ‬في‭ ‬محاولاتِ‭ ‬توسيع‭ ‬النفوذِ‭ ‬الفارسي‭ ‬عبرَ‭ ‬الصراعِ‭ ‬والحروبِ‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تاريخِ‭ ‬بلاد‭ ‬فارس‭ ‬منذ‭ ‬نشأتِها،‭ ‬أن‭ ‬منطقَ‭ ‬الصراعِ‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الحضارة‮»‬‭ ‬في‭ ‬السلوكِ‭ ‬الإيراني‭ ‬يعدُّ‭ ‬قاصرًا،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬قد‭ ‬يحجبُ‭ ‬جانبًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المُدافع،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬غالباً‮ ‬فاعلٌ‭ ‬هجوميٌّ‮ ‬يبادرُ‭ ‬إلى‭ ‬صنعِ‭ ‬الحروب‭ ‬وإشعال‭ ‬الصراعات،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬حدودها‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬المناطق‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬هذا‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬الحالة‭ ‬بالبعد‭ ‬الأنثروبولوجي‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬مختلفة‭ ‬لا‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬‮«‬رد‭ ‬الفعل‮»‬‭ ‬الدفاعي،‭ ‬بل‭ ‬على‮ «‬ديناميكية‭ ‬التوسع‮»‬‭ ‬و«إدارة‭ ‬الصراع‮» ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬التكوين‭ ‬الفكري‭ ‬والسياسي‭ ‬الفارسي‭.‬

إيران‭ ‬كـ«دولة‭ ‬حرب‮»‬‭...‬

‭ ‬تراث‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬

النظرُ‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬الطويل‭ ‬لإيران،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث،‭ ‬يكشفُ‭ ‬أن‭ ‬المشروعَ‭ ‬الإيراني‭ ‬كان‭ ‬غالباً‭ ‬مشروعًا إمبراطوريًّا‭ ‬توسعيًّا‭. ‬الإمبراطوريات‭ ‬وأنظمة‭ ‬الحكم‭ ‬الفارسية‭ ‬المتعاقبة‭ (‬الأخمينية،‭ ‬الباراثية،‭ ‬السامانية،‭ ‬الساسانية،‭ ‬الصفوية،‭ ‬القاجارية،‭ ‬البهلوية،‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭) ‬قامت‭ ‬جميعها‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬المركزية‭ ‬والامتداد،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحدود‭ ‬هو‭ ‬الغاية،‭ ‬بل توسيع‭ ‬النفوذ وفرض‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬الجيران،‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬العرب،‭ ‬الأتراك،‭ ‬أو‭ ‬الإغريق‭ ‬وغيرهم‭. ‬هذا‭ ‬الإرثُ‭ ‬الإمبراطوري،‭ ‬كدولة‭ ‬حرب،‭ ‬خلق‭ ‬ثقافة‭ ‬سياسيَّة‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬المحيط‭ ‬كساحة‭ ‬نفوذ‭ ‬طبيعية،‭ ‬وكتهديد‭ ‬خارجي‭ ‬بالمنطق‭ ‬الفارسي‭.‬

ما‭ ‬يثيرُ‭ ‬الاهتمامَ،‭ ‬في‭ ‬تراث‭ ‬دولة‭ ‬الحرب‭ ‬هذا،‭ ‬هو‭ ‬كيف‭ ‬تستخدم‭ ‬إيران‮ «‬سردية‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‮»‬‭ ‬كغطاء‭ ‬استراتيجي‭ ‬لعمليات‭ ‬هجوميَّة،‭ ‬كمثال‭ ‬في‭ ‬خطابها‭ ‬الرسمي‭ ‬المعاصر‭ ‬تُقدّم‭ ‬إيران‭ ‬أي‭ ‬تحرك‭ ‬عسكري‭ ‬أو‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ (‬من‭ ‬العراق‭ ‬واليمن‭ ‬إلى‭ ‬لبنان‭ ‬وغزة‭) ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ردع‭ ‬ودفاع‭ (‬مقاومة‭) ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬وحماية‭ ‬الثورة‭. ‬لكن‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬تُعدُّ‭ ‬هجماتٍ‭ ‬استباقيَّة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‮ ‬إضعاف‭ ‬الخصم‭ (‬المُتخَيَّل‭)‬‮ ‬وتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬النفوذ،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭-‬الإيرانية‭ ‬عندما‭ ‬أنكرت‭ ‬أنها‭ ‬بدأت‭ ‬الحرب،‭ ‬وعندما‭ ‬رفضت‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬رغم‭ ‬القبول‭ ‬بالهدنة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬دعمها‭ ‬للمليشيات‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬ولبنان،‭ ‬وسوريا،‭ ‬واليمن‭. ‬هنا،‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬هو‭ ‬‮«‬العدو‮»‬،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬هو‭ ‬قادم‭ ‬لاحتلال‭ ‬طهران،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬نفوذها،‭ ‬وهذا‭ ‬يُعد‭ ‬تهديداً‭ ‬وجودياً‭ ‬لدى‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭.‬

الصراع‭ ‬الدائم‭ ‬كآلية

‭ ‬للبقاء‭ ‬الداخلي

من‭ ‬منظور‭ ‬أنثروبولوجي‭ ‬سياسي،‭ ‬تلعب‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬المباشرة،‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة،‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‮ ‬استمرارية‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬نفسه،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تهديدات‭ ‬خارجية‭. ‬فالصراع‭ ‬الدائم‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬يُستخدم‭ ‬كأداة‭ ‬لـتجييش‭ ‬الداخل‮ ‬وتوحيد‭ ‬الفئات‭ ‬المتنازعة‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬العدو‭ ‬المشترك؛‭ ‬كما‭ ‬يُستخدم‭ ‬لتبرير‭ ‬القمع الداخلي‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬قبضة‭ ‬الأمن‭ ‬والعسكرة‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الخارج‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬الغضب‭ ‬الشعبي‮ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬نحو‭ ‬أهداف‭ ‬خارجية‭.‬

فالحرب،‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬ليست‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬عدوان،‭ ‬بل‭ ‬هي‮ ‬استراتيجية‭ ‬بقاء للنظام‭ ‬السياسي،‭ ‬وتحويل‭ ‬للتناقضات‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬خارجي‭.‬

العناد‭ ‬الفارسي‭... ‬أيديولوجيا‭ ‬أم‭ ‬منطق‭ ‬حديث‭ ‬للصبر

يتميَّزُ‭ ‬الفرسُ‭ ‬بقدرةٍ‭ ‬استثنائيَّة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬وطأة‭ ‬الحروب‭ ‬الممتدة،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬الصبر‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬سمة‭ ‬سلوكية‭ ‬راسخة‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬العسكري‭ ‬الإيراني‭ ‬وإدارتها‭ ‬للأزمات‭. ‬

إن‭ ‬‮«‬الصبر‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬العناد‮»‬‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬الذي‭ ‬يتميّزَ‭ ‬به‭ ‬الفرس‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سمة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬الشخصية‭ ‬الفارسية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬تفاعل‭ ‬عميق‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬طبقات‭ ‬تاريخية‭ ‬وثقافية‭ ‬تشكلت‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬حيث‭ ‬تداخلت‭ ‬الأساطير‭ ‬الفارسية‭ ‬القديمة‭ ‬وقصص‭ ‬الأبطال‭ ‬مع‭ ‬الموروث‭ ‬المذهبي‭ ‬لخلق‭ ‬ثقافة‭ ‬تُمجد‭ ‬التضحية‭ ‬والصبر‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬‮«‬الظلم»؛‭ ‬واندمج‭ ‬هذا‭ ‬تاريخياً‭ ‬ليشكل‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬حرب‮»‬،‭ ‬ونموذج‭ ‬مركزي‭ ‬للمقاومة‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تخيّله‭ ‬من‭ ‬‮«‬ظلم‭ ‬وطغيان‮»‬،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬النتيجة‭ ‬هي‭ ‬الهزيمة‭. ‬هذا‭ ‬المزيج‭ ‬يحول‭ ‬الفشل‭ ‬العسكري‭ ‬المحتمل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬انتصار‭ ‬أخلاقي‮»‬‭ ‬وفضيلة،‭ ‬ويشجع‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬تستخدم‭ ‬الدولة‭ ‬أيضاً‭ ‬رموزاً‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الفارسي‭ ‬القديم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرموز‭ ‬الدينية‭ ‬لتعبئة‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭.‬

إن‭ ‬العنادَ‭ ‬الذي‭ ‬تظهره‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬الطويلة،‭ ‬ورفضها‭ ‬الاستسلام‭ ‬حتى‭ ‬الانهيار‭ ‬التام‭ (‬ذهنية‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية‭)‬،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمه‭ ‬فقط‭ ‬كعناد‭ ‬استراتيجي،‭ ‬أو‭ ‬ثقافي،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬نفس‭ ‬طويل‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أيضاً‭ ‬منطق‭ ‬أيديولوجي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬عقيدة‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬والصبر‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬‮«‬المهدي‭ ‬المنتظر‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يضفي‭ ‬شرعية‭ ‬دينية‭ ‬على‭ ‬التحمل‭ ‬والتضحية،‭ ‬ويحوّل‭ ‬الهزيمة‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬إلهي‭.‬

بالمنظور‭ ‬‮«‬الباطني‮»‬‭ ‬يعد‭ ‬العناد‭ ‬الفارسي‭ ‬منطقاً‭ ‬سياسياً،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬‮«‬العدو‭ ‬الخارجي‮»‬‭ ‬وسيلة‭ ‬لتوحيد‭ ‬الصف‭ ‬الداخلي‭ ‬وتجاوز‭ ‬الخلافات،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الضغط‭ ‬الخارجي‭ ‬أداة‭ ‬غير‭ ‬فعّالة‭ ‬لكسر‭ ‬الإرادة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬لربما‭ ‬تقويها‭... ‬وحيث‭ ‬يعرف‭ ‬النظام‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬استسلام‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬سيُضعف‭ ‬مكانته‭ ‬الداخلية،‭ ‬ويفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مطالب‭ ‬المعارضة،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انهياره‭. ‬لذلك‭ ‬يفضل‭ ‬‮«‬الانهيار‭ ‬التام‮»‬‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬ضعف‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الصراعات‭ ‬الطويلة‭ ‬وإخضاع‭ ‬المجتمع‭ ‬له،‭ ‬رغم‭ ‬كوارثه‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬القمع‭ ‬الشديد‭ ‬داخلياً،‭ ‬واستغلال‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬لتبرير‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬وتأثير‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين‭. ‬بالنتيجة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬السلطة،‭ ‬وهي‭ ‬آليات‭ ‬تختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬أخرى‭ (‬Iranians‭ ‬struggle‭ ‬with‭ ‬economic‭ ‬collapse‭, ‬war‭, ‬uncertain‭ ‬nuclear‭ ‬talks‭).‬

مقارنة‭ ‬مع‭ ‬النظراء‭ ‬التاريخيين

من‭ ‬المثير‭ ‬للاهتمام‭ ‬مقارنة‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬مع‭ ‬سلوك‭ ‬الدول‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الأخرى‭. ‬فبينما‭ ‬كانت‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬الأوروبية‭ ‬تعيد‭ ‬حساب‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬بعد‭ ‬هزائم‭ ‬كبرى‭ (‬كفرنسا‭ ‬بعد‭ ‬حروب‭ ‬نابليون‭ ‬أو‭ ‬ألمانيا‭ ‬بعد‭ ‬الحربين‭)‬،‭ ‬تحولت‭ ‬الهزائم‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى مادة‭ ‬للأسطورة،‮ ‬وذريعة‭ ‬للثأر،‭ ‬وللإنكار‭ ‬أحياناً‭... ‬مثال‭: ‬ثأر‭ ‬الفرس‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الساسانية،‭ ‬أو‭ ‬ادعاء‭ ‬النصر‭ ‬والصمود‭ ‬الأسطوري‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الثماني‭ ‬سنوات‭ ‬مع‭ ‬العراق‭. ‬وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬ثقافة‭ ‬سياسية‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الصراع‭ ‬ليس‭ ‬كمسألة‭ ‬ربح‭ ‬وخسارة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كمعركة‭ ‬مستمرة،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬الانسحاب‭ ‬عاراً‭ ‬والاستمرار‭ ‬فضيلة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬هو‭ ‬الانهيار‭.‬

استمرارية‭ ‬النموذج

‭ ‬الهجومي‭ ‬في‭ ‬المستقبل

إذا‭ ‬اعتبرنا‭ ‬أن‭ ‬منطق‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الهجومي‭ ‬يعد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المُرَجّح‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬العوامل‭ ‬الداخلية‭ (‬مثال‭: ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬البقاء‭)‬،‭ ‬والعوامل‭ ‬الإقليمية‭ (‬مثال‭: ‬ضعف‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬وغياب‭ ‬ردع‭ ‬حقيقي‭). ‬وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬تخوض‭ ‬حروباً‭ ‬دفاعية‭ ‬عن‭ ‬حدودها‭ ‬الجغرافية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تخوض حروباً‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬نموذجها‭ ‬السياسي،‭ ‬سرديتها،‭ ‬وقوتها‭ ‬الناعمة‭ ‬والصلبة،‭ ‬ولتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬نفوذها‭... ‬وهذا‭ ‬الفرق‭ ‬جوهره‭ ‬ليس‭ ‬جغرافياً‭ ‬بل هوياتياً‭ ‬ونظامياً‭.‬

أخيراً،‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬تبلور‭ ‬استراتيجيات‭ ‬عسكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬إيرانية‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬الخصوم‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬حاسمة،‭ ‬طورت‭ ‬إيران‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بفلسفة‮ «‬الدفاع‭ ‬الفسيفسائي‮»‬‭ ‬‭(‬Irans‭ ‬‘Mosaic‭ ‬Defense’‭ ‬Strategy‭: ‬Decentralization‭ ‬as‭ ‬Resilience‭ ‬Factor‭ - ‬The‭ ‬Soufan‭ ‬Center‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬شبكات‭ ‬المقاومة‭ ‬والنفوذ‭ ‬موزعة‭ ‬ولا‭ ‬مركزية،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬تدميرها‭ ‬بقوة‭ ‬مركزية‭ ‬واحدة‭ ‬أمراً‭ ‬صعباً‭ ‬للغاية‭. ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬التفاوضي،‭ ‬تُظهر‭ ‬إيران‮ «‬نَفَسًا‭ ‬طويلا‮»‬‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬النزاعات،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالإيقاع‭ ‬الغربي‭ ‬السريع‭ ‬الذي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليه‭ ‬دورات‭ ‬الانتخابات‭ ‬الإعلامية‭. ‬هذا‭ ‬الصبر‭ ‬ليس‭ ‬عيباً‭ ‬حضارياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تكيف‭ ‬أنثروبولوجي‭ ‬مع‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التفاوض‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬ضعف‭ ‬ظاهري،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬سلاحًا‭.‬

في‭ ‬مقال‭ ‬قادم‭ ‬سنقدمُ‭ ‬تحليلا‭ ‬لظاهرة‭ ‬الصراعِ‭ ‬التوسعي‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬منظورٍ‭ ‬أنثروبولوجي‭ ‬وفلسفي‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬إجاباتٍ‭ ‬لتساؤلات‭ ‬مشروعة‭: ‬هل‭ ‬تعيشُ‭ ‬إيران‭ ‬حالةَ‭ ‬حرب‭ ‬دائمة‭ ‬مع‭ ‬خصوم‭ ‬حقيقيين؟‭ ‬أم‭ ‬إنها‭ ‬تصنع‭ ‬الخصوم‭ ‬بفلسفة‭ ‬‮«‬العدو‮»‬‭ ‬و»صناعة‭ ‬الخصم‮»‬‭ ‬كآلية‭ ‬للبقاء‭ ‬والهيمنة؟‭ ‬وهل‭ ‬يعدُّ‭ ‬هذا‭ ‬سلوك‭ ‬دولة‭ ‬طبيعية؟‭ ‬أم‭ ‬يعدُّ‭ ‬إشكالاً‭ ‬عميقًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬التحليلَ‭ ‬السياسيَّ‭ ‬التقليدي؟

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا