بيروت - (أ ف ب): بينما يُذكي حرّ الصيف حرائق الغابات حول العالم، يتهم سكان ومسؤولون في لبنان إسرائيل بإضرام النيران في جنوب البلاد لإحراق مساحات خضراء وتدمير الغطاء النباتي بشكل «ممنهج». خلال ثلاث سنوات من المعارك بين حزب الله وإسرائيل تخلّلتها أشهر قليلة من الهدوء، أحصت السلطات اللبنانية احتراق 16 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والأحراج، بينها حقول واسعة في بلدة حولا الحدودية.
ويقول حيدر قطيش (36 عاما)، أحد النازحين من حولا، عبر الهاتف، لوكالة فرانس برس، من بلدة شقرا المحاذية لحولا، «حرقوا كل شيء. ومن لم يحرقوا أرضه جرفوها. تنظر إلى حقول البلدة وتراها سوداء». ويتابع الأب لأربعة أبناء «خسارتنا كبيرة وليس بيدنا حيلة»، مضيفا: «يمكن أن تعيد بناء البيوت المهدومة خلال عام، لكنّ الشجر لا ينمو في عام واحد». وخلال أغسطس الجاري، رصد مصوّر لوكالة فرانس برس عشرات الحرائق على امتداد مناطق واسعة في جنوب لبنان طالت حولا وميس الجبل وبني حيان ووادي السلوقي من بين مناطق أخرى تقع بمعظمها داخل ما تصنّفه إسرائيل بـ«منطقة أمنية» تبقي قواتها فيها رغم توقيع اتفاق إطار مع لبنان في 26 يونيو لوضع حدّ للقتال.
ولا تقتصر الحرائق على تلك المنطقة. فمنذ يوليو، رصد الدفاع المدني اللبناني حرائق قريبة من «خطوط التماس» أي في المناطق المحاذية لمناطق انتشار القوات الإسرائيلية، وفق ما يشرح رئيس مركز النبطية للدفاع المدني حسين فقيه في اتصال مع فرانس برس. ويتسبّب القصف الإسرائيلي و«القنابل المتفجرة والمسيّرات» باندلاع تلك الحرائق، وفق فقيه الذي يشير الى استخدام القوات الإسرائيلية في بعض الأحيان «قنابل فوسفورية وقنابل عنقودية لإضرامها». ويتهم مسؤولون وسكان لبنانيون ومنظمات حقوقية إسرائيل باتباع سياسة «الأرض المحروقة»، في خطوة يقول خبراء إن هدفها إبعاد مقاتلي حزب الله عن حدودها.
وردا على أسئلة مكتب القدس في فرانس برس بهذا الصدد، أفاد الجيش الاسرائيلي بأنه «على علم بالأثر البيئي المحتمل لعملياته في المنطقة»، وبأنه يتخذ «إجراءات احتياطية للحدّ من الأذى على المدنيين وعلى البيئة». في قرية كفرشوبا المأهولة والمحاذية لمناطق وجود القوات الإسرائيلية، شاهد السكان النيران تندلع عند أطراف بلدتهم في الخامس من أغسطس، «نتيجة إطلاق نار من القوات الإسرائيلية»، كما يشرح رئيس بلديتها قاسم القادري لفرانس برس. وأتت النيران على «مساحة كبيرة معظمها مناطق حرجية برية»، تبلغ مساحتها كيلومترين مربعين.
وأمضى السكان، بحسب القادري، يومين في إطفاء النيران بوسائل بدائية لتعذّر وصول فرق الدفاع المدني الملزمة بتنسيق تحركاتها مع الجيش اللبناني الذي ينسّق بدوره مع الجيش الإسرائيلي عبر آلية مراقبة وقف إطلاق النار. وتوجّهت فرق الدفاع المدني إلى كفرشوبا، وفق ما يشرح فقيه، لكن «لم تأت الموافقة (الإسرائيلية) إلا في اليوم التالي. كان الحريق قد أتى على كلّ شيء». وتكرّر ذلك مرارا. ولم يتمكن سكان كفرشوبا من تنظيف حقولهم من الأعشاب البرية لتجنّب توسّع الحرائق، بسبب قربها من منطقة انتشار القوات الإسرائيلية.
وداخل مقرّ المركز الوطني للبحوث العلمية (مركز حكومي) في بيروت الذي يوثّق الأضرار جراء الهجمات الإسرائيلية منذ عام 2023، يشرح الأمين العام للمركز الدكتور شادي عبدالله أن «رقعة الحرائق مطلع الحرب الأولى انحصرت بالشريط الحدودي». لكن بعد اندلاع الحرب الأخيرة امتدت إلى مناطق أبعد «قد لا تكون تحت الاحتلال الاسرائيلي لكنها تحت غطاء النار الإسرائيلية». ويضيف عبدالله «يحرقون الأراضي بشكل ممنهج، هذا دليل على أنهم يحاولون أن يعزلوا وينشئوا منطقة خالية من الحجر والبشر وكل مقومات الحياة البيئية».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك