دراسات: المستهلكون يكتسبون «عادات جديدة» خلال 66 يوما.. والبعض يقع فريسة التسوق الاندفاعي
تقرير: محمد الساعي
تؤكد الدراسات الاقتصادية أن الأزمات التي يمر بها أي مجتمع، اقتصادية كانت أو صحية أو سياسية أو جيوسياسية أو بيئية، تسهم في إحداث تغيير قد يكون جذريا في سلوك الكثير من المستهلكين وأنماط استهلاكهم، حيث تدفع المستهلك إلى إعادة ترتيب أولوياته الشرائية وتفضيلاته وإعادة رسم خريطة الانفاق وفقاً للحاجة والقدرة المادية. ويتخذ التغيير عدة أبعاد مثل إعادة تصنيف النفقات إلى ضرورية وما يمكن الاستغناء عنه، وتأجيل شراء بعض السلع، والبحث عن البدائل الأرخص والعروض والخصومات. وقد تكون النتيجة عكسية؛ إذ يتجه البعض إلى ما يسمى الاستهلاك التعويضي كوسيلة للتخفيف من الضغوط النفسية.
فما هي الأزمات التي تؤثر على أنماط الاستهلاك؟ وما أبرز التغييرات التي تطرأ على سلوك المستهلكين؟ وهل يكون التأثير مؤقتا؟ أم أنه يتسمر حتى بعد انتهاء الأزمة؟
أنواع الأزمات
يمكن تصنيف الأزمات التي تؤثر على أنماط الاستهلاك إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: من حيث تأثيرها على المستهلك: أزمات تؤثر على الدخل، وأزمات ترفع كلفة المعيشة مثل التضخم والركود، وأزمات تؤثر على الثقة أو توافر السلع.
وبينت دراسة بعنوان (استجابة سلوك المستهلك للاضطرابات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد)، نشرت في Journal of Retailing and Consumer Services عام 2021، أن المستهلكين يكتسبون «عادات جديدة» خلال الأزمة تستغرق في المتوسط 66 يومًا لتصبح سلوكًا دائمًا. كما تزيد مرونة المستهلك في الاستغناء عن العلامات التجارية المفضلة بنسبة %75 نتيجة نقص البضائع في المنافذ أو ارتفاع أسعارها، والتحول إلى علامات تجارية جديدة متاحة محليًا.
وإجمالا، من أبرز أنواع الأزمات المؤثرة في سلوك المستهلك:
- الأزمات الاقتصادية. وهي الأقوى والأسرع تأثيرا، وتشمل التضخم وارتفاع الأسعار والركود وفقدان الوظائف. فهذه الازمات تتسبب في انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع أو تقلب الأسعار.
فمثلا لفتت دراسة بعنوان (التضخم يخلق مستهلكاً أكثر حساسية للسعر)، نشرتها مجلة Journal of Retailing عام 2023، إلى أن التضخم لا يعني فقط أن المستهلك يدفع أكثر، بل يؤدي إلى إعادة تشكيل طريقة اختياره للمنتج والمتجر والعلامة التجارية، حيث يستخدم المستهلكون استراتيجيات مختلفة للتكيف مع التضخم، فيما يعيد تجار التجزئة تعديل الأسعار والعروض والمنتجات وقنوات البيع استجابة لتغير سلوك المستهلك.
- الأزمات الصحية والجائحات التي تهدد الصحة العامة وتفرص قيودا احترازية تغير من سلوك المستهلكين، مثل التوجه المتزايد إلى التجارة الإلكترونية، أو الشراء الهلعي للمواد الغذائية والطبية، وزيادة الاهتمام بمنتجات الصحة والعناية الشخصية. كما أن العمل من المنزل الذي أفرزته جائحة كورونا مثلا خلق طلبا متزايدا على الأثاث المريح والقهوة واشتراكات الترفيه، فضلا عن التغير حتى في التفضيلات وأنماط التسوق.
فمثلا أكدت دراسة بعنوان «كورونا أعاد توزيع إنفاق الأسر»، أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في البحرين عام 2020، أن الأزمة أدت إلى انخفاض واضح في نشاط التجزئة، مع إعادة هيكلة استهلاك الأسر، وزيادة الإنفاق على ما يمكن استهلاكه داخل المنزل، مثل الغذاء والأثاث والترفيه والاتصالات، مع تراجع الإنفاق على الأنشطة خارج المنزل مثل الفنادق والملابس والسفر. ورافق ذلك تحول المستهلكين من النقد إلى وسائل الدفع غير التلامسية والمدفوعات عبر الهاتف.
- الأزمات الجيوسياسية والصراعات وسلاسل الامداد، التي تتسبب في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية ونقص المواد الخام، وارتفاع أسعار الطاقة والشحن، ما يدفع إلى التوجه إلى منتجات بديلة أو تخزين السلع، أو حتى المقاطعة لبعض العلامات التجارية بناءً على مواقف سياسية أو أخلاقية.
- الكوارث الطبيعية والتغير المناخي، فغالبا ما تقود إلى زيادة الوعي بالاستدامة، والتقليل من الهدر، مع ارتفاع الطلب على المنتجات الموفرة للطاقة وتخزين الطعام والماء والأدوية.
- الأزمات التكنولوجية والأمن السيبراني، مثل تسريب البيانات الشخصية، وانقطاع الخدمات الرقمية، أو هجمات الفدية على المؤسسات الكبرى، وهو ما يؤدي إلى تراجع الثقة في المنصات الرقمية، والعودة إلى وسائل الدفع التقليدية، والمفاضلة بين الشركات بناءً على معايير أمان البيانات والخصوصية. كما أن انتشار الذكاء الاصطناعي خلق مستهلكا جديدا أكثر قدرة على المقارنة والتحقق من الإعلانات.
- أزمات الغذاء ونقص السلع، ما يؤدي إلى الشراء بكميات أكبر وتخزين بعض المنتجات.
- أزمات الطاقة والوقود، مثل ارتفاع أسعار البنزين والكهرباء والغاز.
- أزمات العقارات والإسكان، مثل ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات بشكل مبالغ، ما يؤثر ليس فقط على قرارات شراء العقارات، وإنما على الإنفاق العام.
- أزمات الديون وارتفاع أسعار الفائدة، ما يقلل الأموال المتاحة للاستهلاك ويدفع الأسر إلى إعادة ترتيب ميزانياتها.
ملامح التغيير
السؤال هنا، ما هي أبرز ملامح التغيير في سلوك المستهلكين بسبب الأزمات؟
في الواقع، يحدث التغيير من خلال عدة قنوات؛ أبرزها:
1- تغير مفهوم «الضروري» و«الرفاهية» لدى المستهلك وإعادة تفعيل «هرم ماسلو»؛ فمثلا قد ينفق الفرد في الفترات العادية نسبة كبيرة من دخله على ما يسمى الاحتياجات العالية؛ مثل التقدير الاجتماعي والترفيه وتحقيق الذات. ولكن في الأزمات يكون التركيز على الأولويات الأساسية كالغذاء والدواء والسكن. ويتم الاستغناء أو تأجيل ما عدا ذلك.
2- التحول من سلوك «الرغبة» إلى «الحاجة» عند اختيار المنتجات.
3- البحث عن الأرخص؛ فالمستهلك في فترة الأزمات لا يركز على (ماذا أريد أن أشتري) بقدر (كم أستطيع أن أدفع)؛ إذ يصبح السعر عاملاً أكثر تأثيراً من السابق في قرار الشراء. ويبدأ المستهلك بالمقارنة بين المتاجر والمنصات، والبحث عن الخصومات والعروض التي تحقق أفضل توازن بين السعر والجودة والمنفعة.
وقد يشمل الأمر التخلي عن العلامات التجارية المعروفة، والاتجاه نحو المنتجات ذات الحجم العائلي أو الشراء بالجملة، وقد يتطلب الأمر مقارنات مطولة للأسعار، والانتقال من فكرة «الشراء الشامل من متجر واحد» إلى الشراء من عدة متاجر وفقا للسعر الأفضل.
4- الإقبال على الخصومات والعروض التجارية كوسيلة للحفاظ على مستوى استهلاكي أقل وخاصة بالنسبة إلى السلع الاستهلاكية؛ ففي الأزمات لا يكون التعامل مع العروض مجرد مسألة توفير عابرة، بل يتحول إلى استراتيجية إدارة ميزانية تعتمدها الأسرة لحماية قدرتها الشرائية. ويشمل التغيير هنا تكييف المستهلك قوائم تسوقه الأسبوعية أو الشهرية بناءً على نشرات التخفيضات التي تعلنها المتاجر، وكذلك تأجيل الشراء انتظارًا لمواسم التخفيضات، وتزايد الاعتماد على التطبيقات وبرامج الولاء.
5- الانتقال من العلامات التجارية المعروفة إلى بدائل أقل سعراً. لذلك يصف الاقتصاديون الأزمات بأنها اختبار حقيقي لولاء المستهلك للعلامة التجارية التي اعتاد عليها؛ حيث تدفع الأزمات وارتفاع تكاليف المعيشة المستهلك إلى إعادة تقييم ولائه للعلامات التجارية، وغالبا ما يضطر إلى التوجه إلى منتجات أقل شهرة طالما أنها تحقق مستوى مقبولاً من الجودة بسعر أقل.
6- انتشار ظاهرة المنتجات الاقتصادية والعلامات التجارية الخاصة. فالبحث عن قيمة أكبر لكل مبلغ يدفعه المستهلك وقت الأزمات يزيد الطلب على المنتجات الاقتصادية والعلامات التجارية الخاصة بالمتاجر نفسها، حيث توفر بديلاً أقل كلفة من العلامات التجارية المعروفة مع الحفاظ على مستوى مقبول من الجودة مثل المواد الغذائية والمنظفات.
7- كسر حاجز الخوف والتجربة مقارنة بالظروف الاعتيادية التي يتردد فيها المستهلك في تجربة سلع غير معروفة بالنسبة إليه.
8- تراجع مفهوم «القيمة الاجتماعية» والخجل الاجتماعي للشراء وقت الأزمات؛ إذ يصبح الانفاق الذكي أكثر أهمية من التفاخر بالسلع الفاخرة والماركات.
9- نمو هاجس المقارنة قبل الشراء، بحيث يتحول المستهلك من التسوق العفوي السريع إلى البحث والمقارنة التي تتزايد بتزايد الضغط على ميزانيته.
10- تزايد الاعتماد على المراجعات والتقييمات للمستهلكين السابقين لتقليل مخاطر الشراء لسلع غير مجربة.
11- إطالة مدة اتخاذ القرار؛ فقد يتطلب اتخاذ قرار بشراء سلعة معينة لحظات في الظروف الاعتيادية، ولكن في فترة الأزمات غالبا ما يكون هناك تأخير أياما أو أسابيع بهدف البحث والمفاضلة والمقارنة بين الخيارات والأسعار.
12- تراجع الشراء العفوي مقابل تزايد التخطيط المسبق. وهذا ما يعني أن المستهلك لا يركز على (هل أريد هذا المنتج؟) بقدر ما يركز على (هل احتاج إليه فعلا؟). كما تدفع الأزمات إلى الاعتماد على التخطيط المسبق للشراء وتحديد ميزانية وإعداد قوائم بالمشتريات ومقارنة الأسعار وتحديد ما هو ضروري وما يمكن تأجيله.
وإن كانت الدراسات تثبت أن الشراء العاطفي أو السريع لا يختفي حتى في الأزمات، يظل المستهلك يبحث عن متنفس نفسي صغير وسط ضغوط الأزمة. ولكن هذا النوع من الشراء يتراجع بشكل ملحوظ، وقد يتخذ أشكالا أخرى مثل تحول السلوك الاندفاعي نحو العروض.
13- مضاعفة مدة استهلاك المنتجات. وهو ما يشمل التوجه إلى إصلاح الأجهزة وصيانتها بدلاً من استبدالها بجديدة. والاستمرار في استخدام الأجهزة القديمة مثل الهواتف والملابس مددا أطول مما كان معتاداً قبل الأزمة.
كما تشجع الأزمات على توسع سوق المنتجات المستعملة والمجددة، وتدفع بعض المستهلكين إلى تعلم إصلاحات بسيطة بأنفسهم، أو البحث عن ورش وخدمات صيانة أقل كلفة.
14- بروز قوائم الانتظار، وهذا يحدث نتيجة تغير الأولويات خلال الأزمات؛ مثل تأجيل شراء الأثاث أو وسائل الترفيه أو حتى الصيانة إلى تحسن الظروف.
التسوق الاندفاعي!
على الرغم من هذه التغيرات التي تطرأ على سلوك المستهلكين فترة الأزمات، التي يمكن تصنيف جلها بالإيجابية، فإن النتائج قد تكون عكسية لدى البعض أو في بعض الظروف بحيث يحدث ما يمكن اعتباره تسوقا اندفاعيا لا عقلانيا؛ بمعنى أنه في الوقت الذي قد تدفع الأزمة البعض إلى التقشف والادخار، فإنها قد تدفع آخرين إلى الشراء المفرط لعدة أسباب، منها:
- القلق من نقص السلع أو اختفائها في السوق.
- التوتر والقلق وعدم اليقين، ما يدفع البعض إلى الشعور بالأمان والسيطرة على الوضع عندما يشتري بكميات مبالغا فيها.
- الخوف من تقلبات الأسعار والشراء قبل ارتفاعها.
- الرغبة في التخزين وخاصة المواد الغذائية والمنتجات الصحية، بحيث يتحول التسوق من تلبية الحاجة إلى استعداد لأسوأ احتمال.
- الاستهلاك التعويضي لتخفيف الضغوط النفسية والتوتر، مثل الإنفاق على الترفيه والمطاعم وشراء الملابس.
الانصياع لفخ العروض والخصومات التي تتزايد فترة الأزمات والضغوط المالية.
وكل ذلك يؤكد أن الأزمات لا تصنع مستهلكاً مقتصداً وعقلانيا دائما، بل قد تصنع مستهلكاً متناقضاً في السلوك الإنفاقي، إذ يعمد إلى تقليل الإنفاق من جانب لكنه يبالغ في الجانب الآخر.
وهذا ما أكدته دراسة نشرتها مجلة Frontiers in Psychology بعنوان (الأزمة الصحية قد تؤدي إلى الاستهلاك غير العقلاني)، حيث وجد الباحثون علاقة إيجابية بين الإحساس بخطورة الأزمة والشعور بالندرة والحالة النفسية السلبية والسلوك الاستهلاكي غير العقلاني، بما في ذلك الإسراع في شراء وتخزين المستلزمات.
***
في الجزء الثاني من الموضوع نناقش تأثير الأزمات على السلوك التفاخري للمستهلكين، وأبرز اختلافات المستهلكين الخليجيين عن غيرهم في فترات الأزمات، إلى جانب بحث ما إذا كانت هذه التغيرات تبقى دائما أم تعود إلى سابق عهدها بعد انقضاء الأزمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك