العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

«برستيج» بلا سيولة.. عندما تتحول الطبقات المتوسطة إلى فقيرة!

تحقيق: محمد الساعي.

الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

أسر‭ ‬تعاني‭ ‬‮«‬الفقر‭ ‬المبتسم‮»‬‭ ‬و«الندوب‭ ‬الخفية‮»‬‭ ‬بسبب‭ ‬مظاهر‭ ‬اجتماعية‭ ‬خادعة

سيارات‭ ‬فارهة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬بنزين‭.. ‬قوائم‭ ‬انتظار‭ ‬لماركات‭ ‬فاخرة‭.. ‬وحقيبة‭ ‬يد‭ ‬تفوق‭ ‬الراتب‭ ‬بأضعاف‭!‬

دراسات‭: ‬من‭ ‬يشعرون‭ ‬أن‭ ‬مكانتهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬منخفضة‭ ‬أكثر‭ ‬ميلا‭ ‬إلى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭!‬

‮«‬المقارنة‭ ‬المجتمعية‮»‬‭ ‬و«ماذا‭ ‬يقول‭ ‬الناس‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬الشراك‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬الأسر‭ ‬الى‭ ‬وطأة‭ ‬الاستنزاف‭ ‬المالي

الأسر‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬‮«‬برستيجها‮»‬‭ ‬تعيش‭ ‬صراعا‭ ‬بين‭ ‬مظهر‭ ‬خارجي‭ ‬خداع‭ ‬وذعر‭ ‬داخلي‭ ‬مكتوم


يحكي‭ ‬أحد‭ ‬المواطنين‭ ‬موقفا‭ ‬مر‭ ‬به،‭ ‬عندما‭ ‬التقى‭ ‬زميل‭ ‬مهنة‭ ‬له،‭ ‬يقود‭ ‬سيارة‭ ‬فارهة‭ ‬تفوق‭ ‬امكانياته‭ ‬بمراحل‭. ‬غادر‭ ‬الزميل‭ ‬سيارته‭ ‬وهو‭ ‬يتبختر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حقق‭ ‬مأربه‭ ‬بإبهار‭ ‬الآخرين‭ ‬بمظهره‭ ‬الاجتماعي‭. ‬

انجز‭ ‬الزميلان‭ ‬المهمة‭ ‬الموكلة‭ ‬اليهما،‭ ‬وعادا‭ ‬ادراجهما‭ ‬إلى‭ ‬مواقف‭ ‬السيارات‭. ‬يقول‭ ‬محدثنا،‭ ‬شعرت‭ ‬بالإحراج‭ ‬من‭ ‬سيارتي‭ ‬المتواضعة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬بجانب‭ ‬سيارته‭ ‬الفخمة،‭ ‬ولكن‭ ‬كانت‭ ‬الصدمة‭ ‬عندما‭ ‬التفت‭ ‬الي‭ ‬زميلي‭ ‬وقال‭ ‬على‭ ‬استحياء‭: ‬هل‭ ‬أجد‭ ‬عندك‭ ‬خمسة‭ ‬دنانير‭ ‬تحولها‭ ‬لي‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬بنفت‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬خزان‭ ‬السيارة‭ ‬‮«‬ناشف‮»‬‭ ‬واحتاج‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬اتزود‭ ‬بالوقود‭!.‬

خلال‭ ‬حديث‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬المستثمرين،‭ ‬أكد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قائمة‭ ‬انتظار‭ ‬لإحدى‭ ‬أشهر‭ ‬ماركات‭ ‬الساعات‭ ‬العالمية،‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام،‭ ‬وتضم‭ ‬هذه‭ ‬القائمة‭ ‬مئات‭ ‬الأشخاص‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المتوسط،‭ ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬أسعار‭ ‬هذه‭ ‬الساعات‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬دينار‭ ‬وتصل‭ ‬الى‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭!.‬

فيما‭ ‬تباهت‭ ‬إحدى‭ ‬الموظفات‭ ‬بأن‭ ‬قيمة‭ ‬حقيبة‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬تفوق‭ ‬قيمة‭ ‬راتبها‭ ‬الشهري‭ ‬بضعفين‭!‬

الطبقة‭ ‬المتوسطة

في‭ ‬أي‭ ‬مجتمع،‭ ‬تعتبر‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬هي‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬للاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والسياسي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬النمو‭. ‬وكلما‭ ‬كانت‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬واسعة‭ ‬وقوية،‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬وتوازناً‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬مستدام‭.‬

ومع‭ ‬التسليم‭ ‬بأن‭ ‬لكل‭ ‬طبقة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬أولوياتها‭ ‬وإمكانياتها‭ ‬المادية،‭ ‬فإن‭ ‬المشكلة‭ ‬تحدث‭ ‬عندما‭ ‬تحاول‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬او‭ ‬تلك،‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬بمستوى‭ ‬يفوق‭ ‬امكانياتها‭ ‬المالية،‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المظاهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬و‮«‬البرستيج‮»‬‭!‬،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأسرة‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬إلى‭ ‬الطبقة‭ ‬الفقيرة‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬معلن‭!‬،‭ ‬وتبدو‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬أسرة‭ ‬ميسورة‭ ‬الحال،‭ ‬تتحلى‭ ‬بـ«برستيج‮»‬‭ ‬راق،‭ ‬يدرس‭ ‬أبناءها‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬خاصة،‭ ‬يتزين‭ ‬أفرادها‭ ‬بأشهر‭ ‬الماركات‭ ‬و«البراندات‮»‬،‭ ‬يمتلكون‭ ‬سيارة‭ ‬فارهة،‭ ‬تسافر‭ ‬في‭ ‬الاجازات،‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭ ‬تعاني‭ ‬هشاشة‭ ‬وضغوطا‭ ‬مالية‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬الأزمة،‭ ‬مع‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬وبطاقات‭ ‬الائتمان،‭ ‬بسبب‭ ‬هذا‭ ‬البرستيج‭ ‬الزائف‭. ‬

وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المظهر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للأسرة‭ ‬مؤشراً‭ ‬دقيقاً‭ ‬على‭ ‬وضعها‭ ‬المالي‭ ‬الحقيقي‭. ‬وحتى‭ ‬الدخل‭ ‬المرتفع‭ ‬يتحول‭ ‬بفضل‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬المظاهر،‭ ‬إلى‭ ‬دخل‭ ‬محجوز‭ ‬مسبقا،‭ ‬لان‭ ‬هناك‭ ‬اختلافا‭ ‬بين‭ ‬الدخل‭ ‬والقدرة‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭. ‬فالدخل‭ ‬هو‭ ‬متوسط‭ ‬ما‭ ‬تحصل‭ ‬عليه‭ ‬الأسرة‭ ‬شهرياً،‭ ‬بينما‭ ‬تمثل‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭ ‬ما‭ ‬يتبقى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدخل‭ ‬بعد‭ ‬سداد‭ ‬الالتزامات‭ ‬الأساسية‭ ‬وما‭ ‬تستطيع‭ ‬الأسرة‭ ‬ادخاره‭ ‬أو‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ‭. ‬

والغريب‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬الطبقات‭ ‬معاناة‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬الطبقة‭ ‬الفقيرة‭ ‬او‭ ‬المتوسطة‭ ‬التقليدية،‭ ‬وإنما‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬العليا،‭ ‬مثل‭ ‬كبار‭ ‬الموظفين‭ ‬والأطباء‭ ‬والمهندسين‭ ‬والمحامين‭ ‬ومديري‭ ‬الشركات‭ ‬المتوسطة‭. ‬فهذه‭ ‬الطبقة‭ ‬تتمتع‭ ‬بدخل‭ ‬مرتفع‭ ‬نسبياً،‭ ‬لكنها‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الالتزامات‭ ‬وتضخم‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭. ‬فالمشكلة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬كفاية‭ ‬الراتب‭ ‬والدخل،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الدخل‭ ‬والمستوى‭ ‬المعيشي‭ ‬الذي‭ ‬أصبحت‭ ‬الأسرة‭ ‬تطمح‭ ‬اليه‭.‬

لذلك‭ ‬ليس‭ ‬بالمستغرب‭ ‬ان‭ ‬يعتبر‭ ‬الراتب‭ ‬المرتفع‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭ ‬مؤشرا‭ ‬خادعا‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالرفاهية‭ ‬والأمان‭ ‬المالي‭. ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬من‭ ‬‮«‬أداة‭ ‬لبناء‭ ‬الثروة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لنمط‭ ‬حياة‭ ‬مكلف،‭ ‬تدعمه‭ ‬ضريبة‭ ‬المظاهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬و«البرستيج‭ ‬الوظيفي‮»‬،‭ ‬ويؤدي‭ ‬الى‭ ‬تآكل‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭ ‬لاسيما‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬التضخم‭ ‬وتفاقم‭ ‬الاحتياجات‭. ‬فالقاعدة‭ ‬الدارجة‭ ‬هي‭ (‬كلما‭ ‬ارتفع‭ ‬الدخل‭ ‬ارتفع‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭).‬

الفقر‭ ‬المبتسم

تُعرف‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬اقتصادياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬بـظاهرة‭ ‬‮«‬الفقر‭ ‬المبتسم‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهر‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬فخا‭ ‬للأسر‭:‬

‭- ‬امتلاك‭ ‬أصول‭ ‬ثابتة‭ ‬عالية‭ ‬مقابل‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬السيولة‭. ‬فمثلا‭ ‬قد‭ ‬تمتلك‭ ‬الأسرة‭ ‬أصولاً‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬عالية‭ ‬مثل‭ ‬منزل‭ ‬كبير،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬سيولة‭ ‬نقدية‭ ‬لتغطية‭ ‬المصاريف‭ ‬اليومية‭.‬

فمثلا‭ ‬أشارت‭ ‬دراسة‭ ‬للمكتب‭ ‬الوطني‭ ‬للبحوث‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأمريكي‭ (‬NBER‭) ‬بعنوان‭ ‬Hand‭-‬to‭-‬Mouth‭ ‬Consumers‭   ‬الى‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‭ ‬Wealthy‭ ‬Hand‭-‬to‭-‬Mouth‭  (‬أثرياء‭ ‬باليد‭ ‬إلى‭ ‬الفم‭)‬،‭ ‬وهم‭ ‬أفراد‭ ‬أو‭ ‬أسر‭ ‬يمتلكون‭ ‬أصولاً‭ ‬غير‭ ‬سائلة‭ (‬كالبيوت‭ ‬أو‭ ‬العقارات‭)‬،‭ ‬لكنهم‭ ‬يعيشون‭ ‬بدخل‭ ‬شهري‭ ‬يذهب‭ ‬بالكامل‭ ‬الى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والأقساط،‭ ‬ويواجهون‭ ‬عجزاً‭ ‬عن‭ ‬تدبير‭ ‬مبلغ‭ ‬نقدي‭ ‬بسيط‭ ‬للطوارئ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاستدانة‭.‬

‭- ‬ممتلكات‭ ‬مموّلة‭ ‬بالديون‭ ‬والالتزامات‭ ‬القاسية،‭ ‬مثل‭ ‬سيارات‭ ‬فاخرة‭ ‬بالأقساط‭ ‬والقروض‭ ‬مرتفعة‭ ‬الفوائد‭.‬

‭- ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬لتغطية‭ ‬المشتريات‭ ‬اليومية‭ ‬والسفر‭ ‬ومحاولة‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬معين‭. ‬ما‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬تراكم‭ ‬الفوائد‭ ‬والدوران‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭.‬

‭- ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬المقارنة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والبرستيج‭. ‬مثل‭ ‬تسجيل‭ ‬الأبناء‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬خاصة‭ ‬باهظة‭ ‬لتجنب‭ ‬النظرة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الادخار‭ ‬أو‭ ‬الاقتراض‭. ‬وكذلك‭ ‬الإنفاق‭ ‬ببذخ‭ ‬على‭ ‬الهدايا‭ ‬والمناسبات،‭ ‬والأزياء‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬الذهنية‭ ‬أمام‭ ‬الأقارب‭ ‬والمعارف‭.‬

والنتيجة،‭ ‬سكن‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬راقية‭ ‬وسيارات‭ ‬حديثة،‭ ‬سفر‭ ‬منتظم‭ ‬وماركات‭ ‬شهيرة،‭ ‬مظهر‭ ‬مستقر‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين‭. ‬وفي‭ ‬الواقع‭: ‬معدل‭ ‬ادخار‭ ‬صفر‭ ‬أو‭ ‬سالب،‭ ‬اعتماد‭ ‬تام‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬لبطاقات‭ ‬الائتمان،‭ ‬عجز‭ ‬وقلق‭ ‬نفسي‭ ‬دائم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬طارئ‭ ‬مالي‭ ‬أو‭ ‬حي‭ ‬أو‭ ‬وظيفي‭. ‬وتتحول‭ ‬الاسرة‭ ‬من‭ ‬متوسطة‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالميسورين‭ ‬المتعثرين،‭ ‬او‭ ‬الفقراء‭ ‬غير‭ ‬المعلنين‭!. ‬وتكون‭ ‬غنية‭ ‬بالأصول‭ ‬وفقيرة‭ ‬بالسيولة‭. ‬حتى‭ ‬يتحول‭ ‬البرستيج‭ ‬الى‭ ‬عبء‭ ‬مالي‭.‬

وتزداد‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬الأسرة‭ ‬أسيرة‭ ‬لمستوى‭ ‬معيشي‮»‬‭ ‬معين‭ ‬ويصعب‭ ‬عليها‭ ‬التراجع‭ ‬عنه‭.‬

مقارنة‭ ‬اجتماعية

اجمالا،‭ ‬هناك‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬تقود‭ ‬الى‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭:‬

‭- ‬المقارنة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وحب‭ ‬المظاهر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاسر‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬مجاراة‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬الأقارب‭ ‬أو‭ ‬الأصدقاء‭ ‬تجنباً‭ ‬للشعور‭ ‬بالدونية‭.‬

ووفقا‭ ‬لدراسة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬السلوك‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬التفاخري‭ ‬لدى‭ ‬الأسرة‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‮»‬‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬بجامعة‭ ‬الملك‭ ‬سعود‭ ‬في‭ ‬الرياض،‭ ‬فإن‭ ‬حوالي‭ ‬67‭%‬‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المتوسط‭ ‬والمحدود‭ ‬يقرون‭ ‬بأن‭ ‬جزءاً‭ ‬رئيساً‭ ‬من‭ ‬قراراتهم‭ ‬الشرائية‭ ‬للسلع‭ ‬غير‭ ‬الأساسية‭ ‬كالسيارات‭ ‬والمناسبات‭ ‬والسفر‭ ‬يُعزى‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬المقارنة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتجنب‭ ‬نظرة‭ ‬القصور‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬وجود‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬بين‭ ‬انتشار‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الاستدانة‭ ‬لغرض‭ ‬‮«‬الإنفاق‭ ‬المظهري‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬الفئات‭ ‬الأقل‭ ‬دخلاً‭.‬

‭- ‬الربط‭ ‬الزائف‭ ‬بين‭ ‬المكانة‭ ‬والقيمة‭ ‬الذاتية،‭ ‬واعتبار‭ ‬المظهر‭ ‬الخارجي‭ ‬والإنفاق‭ ‬مؤشرا‭ ‬على‭ ‬النجاح‭ ‬وعلى‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬

لذلك‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬النفسية‭ ‬ومنها‭ ‬دراسة‭ ‬The‭ ‬Effects‭ ‬of‭ ‬Subjective‭ ‬Socioeconomic‭ ‬Status‭ ‬on‭ ‬Conspicuous‭ ‬Consumption‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ ‬Journal‭ ‬of‭ ‬Applied‭ ‬Social‭ ‬Psychology‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬أن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يشعرون‭ ‬بأن‭ ‬مكانتهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬منخفضة،‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬إلى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭. ‬وان‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬الأغنياء‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬لتعويض‭ ‬الشعور‭ ‬بأنهم‭ ‬أقل‭ ‬مكانة‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭.‬

‭- ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬الحياة‭ ‬المترفة‭ ‬للبعض‭ ‬ويصوره‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يعيشها‭ ‬أي‭ ‬شخص،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الانحياز‭ ‬الإدراكي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬الضحية‭ ‬الى‭ ‬محاولة‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬المستوى‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬هو‭ ‬القروض‭ ‬والمدخرات‭ ‬والاستقرار‭ ‬النفسي‭. ‬

‭- ‬سهولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الديون‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والبطاقات‭ ‬الائتمانية‭ ‬وأدوات‭ ‬التمويل‭ ‬وعروض‭ ‬‮«‬اشترِ‭ ‬الآن‭ ‬وادفع‭ ‬لاحقاً‮»‬‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬دراسة‭ ‬لجامعة‭ ‬هارفارد‭ ‬وبنك‭ ‬التنمية‭ ‬للبلدان‭ ‬الأمريكية‭ (‬IDB‭) ‬بعنوان‭ ‬Conspicuous‭ ‬Consumption‭ ‬and‭ ‬Credit‭ ‬Access‭ (‬الإنفاق‭ ‬المظهري‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬الائتمان‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬أثبتت‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬القروض‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬وسهولة‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬‮«‬سقف‭ ‬التوقعات‭ ‬المعيشية‮»‬‭ ‬للطبقات‭ ‬المتوسطة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأسر‭ ‬الى‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬سلع‭ ‬المظهر‭ ‬والمكانة‭ ‬الاجتماعية‭ (‬كالسفر‭ ‬والسيارات‭ ‬والمدارس‭) ‬بنسب‭ ‬تفوق‭ ‬نمو‭ ‬أجورهم‭ ‬الحقيقية‭.‬

‭- ‬عدم‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬مستوى‭ ‬الدخل‭. ‬فمثلا‭ ‬قد‭ ‬يرتفع‭ ‬دخل‭ ‬الاسرة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬ترتقي‭ ‬في‭ ‬مصاريفها‭ ‬الثابتة‭ ‬مثل‭ ‬أقساط‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة‭. ‬ولكن‭ ‬قد‭ ‬ينخفض‭ ‬الدخل‭ ‬لأي‭ ‬ظرف‭ ‬لاحقا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رغبة‭ ‬من‭ ‬الاسرة‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمالي‭ ‬لها‭. ‬

ففي‭ ‬اقتصاد‭ ‬السلوك،‭ ‬يعتبر‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬إنفاق‭ ‬أعلى‭ ‬أمر‭ ‬ممتع‭ ‬ومرن،‭ ‬ولكن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أدنى،‭ ‬حيث‭ ‬يبرز‭ ‬هنا‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بعدم‭ ‬التماثل‭ ‬في‭ ‬الإنفاق،‭ ‬لأن‭ ‬الفرد‭ ‬اعتاد‭ ‬على‭ ‬الرفاهية،‭ ‬والتنازل‭ ‬عنها‭ ‬تعتبر‭ ‬خسارة‭ ‬كبيرة‭. ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬وصمة‭ ‬التراجع‭ ‬اجتماعيا‭.‬

‭- ‬ضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬والتخطيط‭. ‬ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬ذلك‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬الأصول‭ ‬ومظاهر‭ ‬الثراء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬برصيد‭ ‬نقدي‭ ‬كاف‭. ‬

‭- ‬الالتزامات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المبالغ‭ ‬فيها‭. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬المناسبات‭ ‬باتت‭ ‬تمثل‭ ‬ضغوطا‭ ‬مالية‭ ‬على‭ ‬الاسرة‭ ‬حتى‭ ‬المتوسطة‭ ‬بسبب‭ ‬انتشار‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬البرستيج‮»‬‭ ‬والمظاهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المبالغ‭ ‬فيها،‭ ‬مثل‭ ‬الاعراس‭ ‬والهدايا‭ ‬والولائم‭ ‬وغيرها‭.‬

والأسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬ان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الرفاه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يتحول‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬والاعتياد‭ ‬إلى‭ ‬التزامات‭ ‬أساسية‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المجتمع‭ ‬بأقل‭ ‬منها‭!. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يُعتبر‭ ‬رفاهية‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مطلب‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المستهلك‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬اقتصاديا‭ ‬بالتطبيع‭ ‬التدريجي‭ ‬للرفاهية‭.‬

‭- ‬الاحتياجات‭ ‬والمصاريف‭ ‬اللاحقة‭. ‬فمثلا‭ ‬امتلاك‭ ‬سيارة‭ ‬فارهة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬المصاريف‭. ‬لأن‭ ‬كلفة‭ ‬الصيانة‭ ‬والتأمين‭ ‬ستكون‭ ‬مرتفعة‭. ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬ستفضل‭ ‬الاسرة‭ ‬التوجه‭ ‬الى‭ ‬مطاعم‭ ‬ومجمعات‭ ‬أرقى‭!.‬

وتدريجيا‭ ‬تتضاعف‭ ‬المشكلة،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬بذات‭ ‬المستوى‭ ‬ولا‭ ‬تلجأ‭ ‬الى‭ ‬خفض‭ ‬النفقات‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬تراجع‭ ‬قدرتها‭ ‬المالية‭. ‬ويتحول‭ ‬الانفاق‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬خادع‭.‬

لذلك،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬للمشكلة‭ ‬بشكل‭ ‬مبكر،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬بخفض‭ ‬الإنفاق‭ ‬أمر‭ ‬صعب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها،‭ ‬لأن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بوجود‭ ‬نفقات‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها،‭ ‬وإنما‭ ‬بتداخل‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والنفسية‭ ‬والعائلية‭ ‬مع‭ ‬القرارات‭ ‬المالية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرفاهية‭ ‬تتحول‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حق‭ ‬مكتسب‮»‬‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬دراسة‭ ‬بعنوان‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬والمكانة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭  ‬Prague‭ ‬Economic‭ ‬Paper‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬حيث‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬والتسهيلات‭ ‬المصرفية‭ ‬والبيع‭ ‬بالتقسيط‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭. ‬

ومرة‭ ‬أخرى،‭ ‬توجه‭ ‬أصابع‭ ‬الاتهام‭ ‬الى‭ ‬‮«‬نظرة‭ ‬المجتمع‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الأسر‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬الفخ‭. ‬حيث‭ ‬تزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬المقارنة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬دوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المكانة‭.‬

ودائما‭ ‬تتكرر‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬سيقول‭ ‬الناس؟‮»‬‭. ‬وتحت‭ ‬وطأة‭ ‬ذلك،‭ ‬تفضل‭ ‬الاسرة‭ ‬عند‭ ‬أي‭ ‬ظروف‭ ‬مالية،‭ ‬استنزاف‭ ‬مدخراتها‭ ‬ومضاعفة‭ ‬ديونها،‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬مستوى‭ ‬معيشتها،‭ ‬لأن‭ ‬كلفة‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالتراجع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تبدو‭ ‬لها‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الكلفة‭ ‬المالية‭.‬

التعليم‭ ‬الخاص

يعتبر‭ ‬التعليم‭ ‬الخاص‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهر‭ ‬وأسباب‭ ‬المشكلة‭. ‬فمن‭ ‬جانب،‭ ‬تطمح‭ ‬كل‭ ‬أسرة‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬يحصل‭ ‬أبناؤها‭ ‬على‭ ‬أفضل‭ ‬تعليم‭. ‬ومن‭ ‬جانب،‭ ‬باتت‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة‭ ‬أحد‭ ‬المظاهر‭ ‬التي‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

ولكن‭ ‬المفارقة‭ ‬ان‭ ‬التعليم‭ ‬الخاص‭ ‬يعتبر‭ ‬أكثر‭ ‬الالتزامات‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬التراجع‭ ‬عنها‭ ‬وخاصة‭ ‬عندما‭ ‬تمر‭ ‬الاسرة‭ ‬بضائقة‭ ‬مالية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬خاصة‭ ‬إلى‭ ‬حكومية،‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬قراراً‭ ‬مالياً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بالجانب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والبعد‭ ‬النفسي‭ ‬للأبناء‭.‬

وبالتالي‭ ‬قد‭ ‬تتخلى‭ ‬الاسرى‭ ‬عن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المظاهر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبرستيج،‭ ‬ولكن‭ ‬تبقى‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة‭ ‬آخر‭ ‬الخيارات‭ ‬وأصعبها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬خط‭ ‬أحمر‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭ ‬بسبب‭ ‬ارتباط‭ ‬المدرسة‭ ‬بالمكانة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬

من‭ ‬اجل‭ ‬ذلك،‭ ‬يميل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الى‭ ‬اعتبار‭ ‬كلفة‭ ‬التعليم‭ ‬الخاص‭ ‬كأحد‭ ‬المؤشرات‭ ‬المهمة‭ ‬لقياس‭ ‬هشاشة‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭. ‬والمعيار‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معدل‭ ‬دخل‭ ‬الاسرة،‭ ‬وانما‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬نسبة‭ ‬الانفاق‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدخل‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬الخاص؟

الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الاقتراض

بعد‭ ‬ان‭ ‬تقع‭ ‬الاسرة‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬المظاهر‭ ‬والبرستيج‭ ‬الخادع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سيولة‭ ‬كافية،‭ ‬تبدأ‭ ‬المشكلة،‭ ‬وهي‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الأقساط‭ ‬والقروض‭ ‬وبطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬لتغطية‭ ‬الالتزامات‭ ‬وأولها‭ ‬التعليم‭ ‬الخاص‭. ‬ويكون‭ ‬الأمر‭ ‬أشبه‭ ‬بكرة‭ ‬الثلج‭ ‬التي‭ ‬تهوي‭ ‬من‭ ‬شاهق‭. ‬يعني‭ ‬يبدأ‭ ‬الامر‭ ‬بالتزامات‭ ‬تفوق‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭ ‬للأسرة،‭ ‬فيحدث‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬السيولة،‭ ‬يتم‭ ‬تعويضه‭ ‬باستخدام‭ ‬البطاقة‭ ‬أو‭ ‬القرض،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬قسطا‭ ‬شهريا‭ ‬جديدا،‭ ‬يؤدي‭ ‬بدوره‭ ‬الى‭ ‬انخفاض‭ ‬الدخل‭ ‬المتاح،‭ ‬وتدريجيا‭ ‬يتطلب‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬ائتمان‭ ‬جديد‭.‬

ويصبح‭ ‬المؤشر‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬عندما‭ ‬يتعدى‭ ‬الاقتراض‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬حالة‭ ‬استثنائية،‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬متكرر‭ ‬وجزء‭ ‬من‭ ‬تخطيط‭ ‬الميزانية‭. ‬

وهنا‭ ‬تحدث‭ ‬الكارثة،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬المالي،‭ ‬الى‭ ‬التعسر‭ ‬والتعثر‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الدخل‭ ‬غير‭ ‬كافٍ‭ ‬لتغطية‭ ‬الالتزامات،‭ ‬وتضطر‭ ‬الأسرة‭ ‬بصورة‭ ‬متكررة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬لسداد‭ ‬نفقات‭ ‬سابقة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬أقساط‭ ‬أخرى‭. ‬أي‭ ‬تنتقل‭ ‬الاسرة‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬المعاناة‭ ‬في‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الالتزامات،‭ ‬الى‭ ‬مرحلة‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬السداد‭ ‬وربما‭ ‬الانهيار‭ ‬المالي‭.‬

الندوب‭ ‬الخفية

إذن،‭ ‬قد‭ ‬تظهر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬بمظهر‭ ‬اجتماعي‭ ‬ملفت،‭ ‬وينبئ‭ ‬مظهرها‭ ‬باستقرار‭ ‬مالي‭ ‬تغبط‭ ‬عليه،‭ ‬ولكن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يمثل‭ ‬ستارا‭ ‬لما‭ ‬يعرب‭ ‬بالندوب‭ ‬الخفية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬انعكاساتها‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والمالية‭. ‬فالضائقة‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تسببها‭ ‬المظاهر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تتجاوز‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬مجرد‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬السيولة‭ ‬او‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬تسديد‭ ‬الالتزامات،‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬معقدة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬هوية‭ ‬الفرد،‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬علاقاته‭ ‬الأسرية‭ ‬ومكانته‭ ‬الاجتماعية‭.‬

‭ ‬ففي‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي،‭ ‬يحدث‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالمعركة‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الفرد‭ ‬يعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬المستمر‭ ‬وتآكل‭ ‬تقدير‭ ‬الذات‭ ‬والشعور‭ ‬بالعجز‭ ‬المكتسب‭. ‬والسبب‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الحديثة،‭ ‬يرتبط‭ ‬النجاح‭ ‬المالي‭ ‬بالنجاح‭ ‬الشخصي‭. ‬وبالتالي‭ ‬قد‭ ‬يعكس‭ ‬التعثر‭ ‬المالي‭ ‬نفسيا‭ ‬شعورا‭ ‬بالفشل‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬الذات‭ ‬والشعور‭ ‬بالدونية‭.‬

وتؤكد‭ ‬دراسات‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أن‭ ‬القلق‭ ‬المالي‭ ‬المستمر‭ ‬قد‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬نسبة‭ ‬الذكاء‭ ‬المؤقت‭ ‬بمقدار‭ ‬13‭ ‬نقطة‭. ‬ويجعل‭ ‬الفرد‭ ‬يعيش‭ ‬حالة‭ ‬استنفار‭ ‬ذهني‭ ‬دائم‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬المشكلة،‭ ‬ما‭ ‬يسبب‭ ‬إنهاكاً‭ ‬نفسياً‭ ‬وتشتتاً‭ ‬دائمين‭.‬

ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬حيث‭ ‬ان‭ ‬الامر‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬الى‭ ‬اضطرابات‭ ‬القلق‭ ‬وازدواجية‭ ‬الهوية،‭ ‬بحيث‭ ‬تعيش‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬‮«‬برستيجها‮»‬‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الازدواجية‭ ‬والصراع‭ ‬بين‭ ‬مظهر‭ ‬خارجي‭ ‬خداع‭ ‬وذعر‭ ‬داخلي‭ ‬مكتوم‭.‬

وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالانسحاب‭ ‬التدريجي‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬تجنباً‭ ‬لكلفة‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬وهروبا‭ ‬من‭ ‬الاضطرار‭ ‬الى‭ ‬مجاراة‭ ‬الإنفاق‭ ‬بمستويات‭ ‬الآخرين‭.‬

ويتحول‭ ‬هذا‭ ‬التجنب‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬عزلة‭ ‬اجتماعية‭ ‬يفقد‭ ‬الفرد‭ ‬فيها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬وفي‭ ‬خط‭ ‬مواز،‭ ‬ترتفع‭ ‬احتمالات‭ ‬تزايد‭ ‬التوتر‭ ‬الأسري‭ ‬وتفكك‭ ‬الروابط‭ ‬بسبب‭ ‬الخلافات‭ ‬المالية‭. ‬

وعندما‭ ‬يضطر‭ ‬الشخص‭ ‬الى‭ ‬تقليص‭ ‬إنفاقه‭ ‬التفاخري،‭ ‬قد‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬بفقدان‭ ‬الاحترام‭ ‬الطبقي‭. ‬

طبقة‭ ‬جديدة

علماء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬باتوا‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬الخداعة،‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬‮«‬طبقة‭ ‬متوسطة‭ ‬جديدة‮»‬‭ ‬تتميز‭ ‬بأنها‭ ‬ثرية‭ ‬مظهرِياً،‭ ‬وهشة‭ ‬ماليا‭. ‬وتختلف‭ ‬عن‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬عرفت‭ ‬بانها‭ ‬مستقرة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬الادخار‭. ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬تشعر‭ ‬بالأمان‭ ‬الذي‭ ‬تمزيت‭ ‬به‭. ‬وباتت‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الطوارئ‭ ‬لتدفع‭ ‬ضريبة‭ ‬الظهور‭ ‬بالمظهر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العالي‭. ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترتبط‭ ‬بحالات‭ ‬فردية‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وانما‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬تحولا‭ ‬جذريا‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المجتمع‭ ‬خاصة‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭. ‬

وتكمن‭ ‬عقدة‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬بالفقر‭ ‬بالمعنى‭ ‬التقليدي‭ ‬كونها‭ ‬تمتلك‭ ‬دخلاً‭ ‬جيداً‭. ‬ولكنها‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للصدمات‭ ‬المالية‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬تفقد‭ ‬دخلها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬تفقد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬والأمان‭ ‬المالي‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬إصرارها‭ ‬على‭ ‬الظهور‭ ‬بمظهر‭ ‬الميسور‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا