أسر تعاني «الفقر المبتسم» و«الندوب الخفية» بسبب مظاهر اجتماعية خادعة
سيارات فارهة من دون بنزين.. قوائم انتظار لماركات فاخرة.. وحقيبة يد تفوق الراتب بأضعاف!
دراسات: من يشعرون أن مكانتهم الاجتماعية منخفضة أكثر ميلا إلى الاستهلاك الاستعراضي!
«المقارنة المجتمعية» و«ماذا يقول الناس» أكثر الشراك التي تقود الأسر الى وطأة الاستنزاف المالي
الأسر التي تحاول الحفاظ على «برستيجها» تعيش صراعا بين مظهر خارجي خداع وذعر داخلي مكتوم
يحكي أحد المواطنين موقفا مر به، عندما التقى زميل مهنة له، يقود سيارة فارهة تفوق امكانياته بمراحل. غادر الزميل سيارته وهو يتبختر بعد أن حقق مأربه بإبهار الآخرين بمظهره الاجتماعي.
انجز الزميلان المهمة الموكلة اليهما، وعادا ادراجهما إلى مواقف السيارات. يقول محدثنا، شعرت بالإحراج من سيارتي المتواضعة التي تقف بجانب سيارته الفخمة، ولكن كانت الصدمة عندما التفت الي زميلي وقال على استحياء: هل أجد عندك خمسة دنانير تحولها لي عبر «بنفت» لأن خزان السيارة «ناشف» واحتاج الى ان اتزود بالوقود!.
خلال حديث مع أحد المستثمرين، أكد لنا أن هناك قائمة انتظار لإحدى أشهر ماركات الساعات العالمية، تصل الى أكثر من عام، وتضم هذه القائمة مئات الأشخاص نسبة كبيرة منهم من ذوي الدخل المتوسط، علما بأن أسعار هذه الساعات لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار وتصل الى عشرات الآلاف!.
فيما تباهت إحدى الموظفات بأن قيمة حقيبة اليد التي تحملها تفوق قيمة راتبها الشهري بضعفين!
الطبقة المتوسطة
في أي مجتمع، تعتبر الطبقة المتوسطة هي الركيزة الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتعزيز النمو. وكلما كانت الطبقة المتوسطة واسعة وقوية، كلما كان المجتمع أكثر استقراراً وتوازناً وقدرة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
ومع التسليم بأن لكل طبقة في المجتمع أولوياتها وإمكانياتها المادية، فإن المشكلة تحدث عندما تحاول هذه الطبقة او تلك، أن تعيش بمستوى يفوق امكانياتها المالية، فقط من أجل المظاهر الاجتماعية و«البرستيج»!، وهذا ما يجعل الأسرة تنتقل من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الفقيرة بشكل غير معلن!، وتبدو في الظاهر أسرة ميسورة الحال، تتحلى بـ«برستيج» راق، يدرس أبناءها في مدارس خاصة، يتزين أفرادها بأشهر الماركات و«البراندات»، يمتلكون سيارة فارهة، تسافر في الاجازات، ولكنها في الخفاء تعاني هشاشة وضغوطا مالية قد تصل الى حد الأزمة، مع الاعتماد على القروض وبطاقات الائتمان، بسبب هذا البرستيج الزائف.
وبالتالي لم يعد المظهر الاجتماعي للأسرة مؤشراً دقيقاً على وضعها المالي الحقيقي. وحتى الدخل المرتفع يتحول بفضل الحرص على المظاهر، إلى دخل محجوز مسبقا، لان هناك اختلافا بين الدخل والقدرة الفعلية على الإنفاق. فالدخل هو متوسط ما تحصل عليه الأسرة شهرياً، بينما تمثل القدرة المالية ما يتبقى من هذا الدخل بعد سداد الالتزامات الأساسية وما تستطيع الأسرة ادخاره أو استخدامه في حالات الطوارئ.
والغريب أن أكثر الطبقات معاناة من المشكلة ليست الطبقة الفقيرة او المتوسطة التقليدية، وإنما الطبقة المتوسطة العليا، مثل كبار الموظفين والأطباء والمهندسين والمحامين ومديري الشركات المتوسطة. فهذه الطبقة تتمتع بدخل مرتفع نسبياً، لكنها تعاني من ارتفاع الالتزامات وتضخم نمط الحياة. فالمشكلة في هذه الطبقة ليست في عدم كفاية الراتب والدخل، وإنما في الفجوة بين الدخل والمستوى المعيشي الذي أصبحت الأسرة تطمح اليه.
لذلك ليس بالمستغرب ان يعتبر الراتب المرتفع في الاقتصاد الحديث مؤشرا خادعا وخاصة فيما يتعلق بالرفاهية والأمان المالي. حيث يتحول في كثير من الأحيان من «أداة لبناء الثروة» إلى أداة لنمط حياة مكلف، تدعمه ضريبة المظاهر الاجتماعية و«البرستيج الوظيفي»، ويؤدي الى تآكل القدرة المالية لاسيما مع وجود التضخم وتفاقم الاحتياجات. فالقاعدة الدارجة هي (كلما ارتفع الدخل ارتفع نمط الحياة).
الفقر المبتسم
تُعرف هذه الظاهرة اقتصادياً واجتماعياً بـظاهرة «الفقر المبتسم»، ومن أبرز مظاهر هذه الظاهرة التي تعتبر فخا للأسر:
- امتلاك أصول ثابتة عالية مقابل ضعف في السيولة. فمثلا قد تمتلك الأسرة أصولاً ذات قيمة عالية مثل منزل كبير، ولكنها لا تملك سيولة نقدية لتغطية المصاريف اليومية.
فمثلا أشارت دراسة للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأمريكي (NBER) بعنوان Hand-to-Mouth Consumers الى ان هناك شريحة واسعة تُعرف بـ Wealthy Hand-to-Mouth (أثرياء باليد إلى الفم)، وهم أفراد أو أسر يمتلكون أصولاً غير سائلة (كالبيوت أو العقارات)، لكنهم يعيشون بدخل شهري يذهب بالكامل الى الاستهلاك والأقساط، ويواجهون عجزاً عن تدبير مبلغ نقدي بسيط للطوارئ من دون الاستدانة.
- ممتلكات مموّلة بالديون والالتزامات القاسية، مثل سيارات فاخرة بالأقساط والقروض مرتفعة الفوائد.
- الاعتماد على بطاقات الائتمان لتغطية المشتريات اليومية والسفر ومحاولة العيش في نمط معين. ما يتسبب في تراكم الفوائد والدوران في حلقة مفرغة.
- الدخول في دوامة المقارنة الاجتماعية والبرستيج. مثل تسجيل الأبناء في مدارس خاصة باهظة لتجنب النظرة الاجتماعية، حتى لو كان ذلك على حساب الادخار أو الاقتراض. وكذلك الإنفاق ببذخ على الهدايا والمناسبات، والأزياء للحفاظ على الصورة الذهنية أمام الأقارب والمعارف.
والنتيجة، سكن في مناطق راقية وسيارات حديثة، سفر منتظم وماركات شهيرة، مظهر مستقر أمام الآخرين. وفي الواقع: معدل ادخار صفر أو سالب، اعتماد تام على الحد الأدنى لبطاقات الائتمان، عجز وقلق نفسي دائم من أي طارئ مالي أو حي أو وظيفي. وتتحول الاسرة من متوسطة الى ما يعرف بالميسورين المتعثرين، او الفقراء غير المعلنين!. وتكون غنية بالأصول وفقيرة بالسيولة. حتى يتحول البرستيج الى عبء مالي.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تصبح الأسرة أسيرة لمستوى معيشي» معين ويصعب عليها التراجع عنه.
مقارنة اجتماعية
اجمالا، هناك عدة عوامل تقود الى هذه الظاهرة، من أبرزها:
- المقارنة الاجتماعية وحب المظاهر، الأمر الذي يدفع الكثير من الاسر إلى محاولة مجاراة نمط حياة الأقارب أو الأصدقاء تجنباً للشعور بالدونية.
ووفقا لدراسة بعنوان «السلوك الاستهلاكي التفاخري لدى الأسرة وعلاقته بالوضع الاقتصادي والاجتماعي» نشرتها مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الملك سعود في الرياض، فإن حوالي 67% من الأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود يقرون بأن جزءاً رئيساً من قراراتهم الشرائية للسلع غير الأساسية كالسيارات والمناسبات والسفر يُعزى إلى ضغوط المقارنة الاجتماعية وتجنب نظرة القصور. وهو ما يؤكد وجود علاقة طردية بين انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع معدلات الاستدانة لغرض «الإنفاق المظهري» لدى الفئات الأقل دخلاً.
- الربط الزائف بين المكانة والقيمة الذاتية، واعتبار المظهر الخارجي والإنفاق مؤشرا على النجاح وعلى المكانة الاجتماعية.
لذلك تؤكد الدراسات النفسية ومنها دراسة The Effects of Subjective Socioeconomic Status on Conspicuous Consumption التي نشرتها مجلة Journal of Applied Social Psychology عام 2022، أن الأشخاص الذين يشعرون بأن مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية منخفضة، أكثر ميلاً إلى الاستهلاك الاستعراضي. وان الاستهلاك الاستعراضي لا يخص الأغنياء فقط، بل يمكن أن يصبح وسيلة لدى بعض الأشخاص لتعويض الشعور بأنهم أقل مكانة من الآخرين.
- وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرض الحياة المترفة للبعض ويصوره على انه الحياة الطبيعية التي يجب ان يعيشها أي شخص، وهو ما يخلق ما يسمى «الانحياز الإدراكي» الذي يدفع الضحية الى محاولة الوصول الى ذلك المستوى حتى لو كان الثمن هو القروض والمدخرات والاستقرار النفسي.
- سهولة الحصول على الديون الاستهلاكية والبطاقات الائتمانية وأدوات التمويل وعروض «اشترِ الآن وادفع لاحقاً».
وهذا ما تؤكده دراسة لجامعة هارفارد وبنك التنمية للبلدان الأمريكية (IDB) بعنوان Conspicuous Consumption and Credit Access (الإنفاق المظهري والوصول إلى الائتمان)، حيث أثبتت الدراسة أن التوسع في تقديم القروض الاستهلاكية وسهولة بطاقات الائتمان أدى إلى رفع «سقف التوقعات المعيشية» للطبقات المتوسطة، ما دفع الأسر الى الإنفاق على سلع المظهر والمكانة الاجتماعية (كالسفر والسيارات والمدارس) بنسب تفوق نمو أجورهم الحقيقية.
- عدم التكيف مع مستوى الدخل. فمثلا قد يرتفع دخل الاسرة في مرحلة ما، ما يجعلها ترتقي في مصاريفها الثابتة مثل أقساط المدارس الخاصة. ولكن قد ينخفض الدخل لأي ظرف لاحقا من دون رغبة من الاسرة في خفض المستوى الاجتماعي والمالي لها.
ففي اقتصاد السلوك، يعتبر الانتقال إلى مستوى إنفاق أعلى أمر ممتع ومرن، ولكن المشكلة في العودة إلى مستوى أدنى، حيث يبرز هنا ما يعرف بعدم التماثل في الإنفاق، لأن الفرد اعتاد على الرفاهية، والتنازل عنها تعتبر خسارة كبيرة. فضلا عن الخوف من وصمة التراجع اجتماعيا.
- ضعف الثقافة المالية والتخطيط. ومن مظاهر ذلك التركيز على امتلاك الأصول ومظاهر الثراء من دون الاحتفاظ برصيد نقدي كاف.
- الالتزامات الاجتماعية المبالغ فيها. فكثير من المناسبات باتت تمثل ضغوطا مالية على الاسرة حتى المتوسطة بسبب انتشار ظاهرة «البرستيج» والمظاهر الاجتماعية المبالغ فيها، مثل الاعراس والهدايا والولائم وغيرها.
والأسوأ من ذلك، ان الكثير من مظاهر الرفاه الاجتماعي يتحول مع الوقت والاعتياد إلى التزامات أساسية لا يقبل المجتمع بأقل منها!. وما كان يُعتبر رفاهية قبل سنوات قد يتحول إلى مطلب طبيعي في نظر المستهلك. وهو ما يعرف اقتصاديا بالتطبيع التدريجي للرفاهية.
- الاحتياجات والمصاريف اللاحقة. فمثلا امتلاك سيارة فارهة لا يعني نهاية المطاف بالنسبة الى المصاريف. لأن كلفة الصيانة والتأمين ستكون مرتفعة. فضلا عن أنه في الغالب ستفضل الاسرة التوجه الى مطاعم ومجمعات أرقى!.
وتدريجيا تتضاعف المشكلة، حيث إن الكثير من الأسر تستمر في الإنفاق بذات المستوى ولا تلجأ الى خفض النفقات على الرغم تراجع قدرتها المالية. ويتحول الانفاق هنا من معادلة القدرة المالية إلى الحفاظ على صورة القدرة المالية ولو بشكل خادع.
لذلك، على الرغم من إدراك كثير من الأسر للمشكلة بشكل مبكر، إلا أن اتخاذ قرارات بخفض الإنفاق أمر صعب بالنسبة إليها، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود نفقات يمكن الاستغناء عنها، وإنما بتداخل الاعتبارات الاجتماعية والنفسية والعائلية مع القرارات المالية. كما أن الرفاهية تتحول بالنسبة الى كثير من الأسر إلى «حق مكتسب».
وهذا ما أكدته دراسة بعنوان الاستهلاك الاستعراضي والمكانة الاجتماعية، نشرتها مجلة Prague Economic Paper عام 2024، حيث أكدت أن المكانة الاجتماعية والعادات والتقاليد والتسهيلات المصرفية والبيع بالتقسيط تلعب دوراً رئيسياً في زيادة الاستهلاك الاستعراضي في دول المنطقة.
ومرة أخرى، توجه أصابع الاتهام الى «نظرة المجتمع» التي تعتبر من أكثر العوامل التي تجعل الأسر تقع في الفخ. حيث تزداد المشكلة في المجتمعات التي تلعب المقارنة الاجتماعية دوراً كبيراً في تحديد المكانة.
ودائما تتكرر عبارة «ماذا سيقول الناس؟». وتحت وطأة ذلك، تفضل الاسرة عند أي ظروف مالية، استنزاف مدخراتها ومضاعفة ديونها، على خفض مستوى معيشتها، لأن كلفة الاعتراف بالتراجع الاجتماعي تبدو لها أكبر من الكلفة المالية.
التعليم الخاص
يعتبر التعليم الخاص أحد أبرز مظاهر وأسباب المشكلة. فمن جانب، تطمح كل أسرة في ان يحصل أبناؤها على أفضل تعليم. ومن جانب، باتت المدارس الخاصة أحد المظاهر التي تدل على المكانة الاجتماعية.
ولكن المفارقة ان التعليم الخاص يعتبر أكثر الالتزامات التي يصعب التراجع عنها وخاصة عندما تمر الاسرة بضائقة مالية. كما أن الانتقال من مدرسة خاصة إلى حكومية، لا يعتبر بالنسبة الى كثير من الأسر قراراً مالياً بقدر ما يرتبط بالجانب الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية والبعد النفسي للأبناء.
وبالتالي قد تتخلى الاسرى عن الكثير من المظاهر المرتبطة بالبرستيج، ولكن تبقى المدارس الخاصة آخر الخيارات وأصعبها، بل هي خط أحمر مهما كانت الظروف بسبب ارتباط المدرسة بالمكانة الاجتماعية.
من اجل ذلك، يميل الكثير من الاقتصاديين الى اعتبار كلفة التعليم الخاص كأحد المؤشرات المهمة لقياس هشاشة الطبقة المتوسطة. والمعيار هنا ليس فقط ما هو معدل دخل الاسرة، وانما ما هي نسبة الانفاق من هذا الدخل على التعليم الخاص؟
الوقوع في فخ الاقتراض
بعد ان تقع الاسرة في فخ المظاهر والبرستيج الخادع من دون سيولة كافية، تبدأ المشكلة، وهي اللجوء إلى الأقساط والقروض وبطاقات الائتمان لتغطية الالتزامات وأولها التعليم الخاص. ويكون الأمر أشبه بكرة الثلج التي تهوي من شاهق. يعني يبدأ الامر بالتزامات تفوق القدرة المالية للأسرة، فيحدث نقص في السيولة، يتم تعويضه باستخدام البطاقة أو القرض، وهذا ما يخلق قسطا شهريا جديدا، يؤدي بدوره الى انخفاض الدخل المتاح، وتدريجيا يتطلب هو أيضا اللجوء إلى ائتمان جديد.
ويصبح المؤشر أكثر خطورة عندما يتعدى الاقتراض من كونه حالة استثنائية، إلى سلوك متكرر وجزء من تخطيط الميزانية.
وهنا تحدث الكارثة، حيث تتحول الأسرة من الضغط المالي، الى التعسر والتعثر عندما يصبح الدخل غير كافٍ لتغطية الالتزامات، وتضطر الأسرة بصورة متكررة إلى الاقتراض لسداد نفقات سابقة أو حتى أقساط أخرى. أي تنتقل الاسرة من مرحلة المعاناة في التكيف مع الالتزامات، الى مرحلة العجز عن السداد وربما الانهيار المالي.
الندوب الخفية
إذن، قد تظهر الكثير من الأسر بمظهر اجتماعي ملفت، وينبئ مظهرها باستقرار مالي تغبط عليه، ولكن كل ذلك يمثل ستارا لما يعرب بالندوب الخفية التي لها انعكاساتها النفسية والاجتماعية والمالية. فالضائقة المالية التي تسببها المظاهر الاجتماعي تتجاوز من كونها مجرد نقص في السيولة او صعوبة في تسديد الالتزامات، إلى مشكلة نفسية واجتماعية معقدة تعيد تشكيل هوية الفرد، وتؤثر في علاقاته الأسرية ومكانته الاجتماعية.
ففي الجانب النفسي، يحدث ما يسمى بالمعركة الصامتة التي تجعل الفرد يعيش حالة من القلق المستمر وتآكل تقدير الذات والشعور بالعجز المكتسب. والسبب أنه في الثقافة الاستهلاكية الحديثة، يرتبط النجاح المالي بالنجاح الشخصي. وبالتالي قد يعكس التعثر المالي نفسيا شعورا بالفشل الذي يؤدي إلى انخفاض حاد في تقدير الذات والشعور بالدونية.
وتؤكد دراسات علم النفس الاقتصادي أن القلق المالي المستمر قد يتسبب في خفض نسبة الذكاء المؤقت بمقدار 13 نقطة. ويجعل الفرد يعيش حالة استنفار ذهني دائم للتعامل مع المشكلة، ما يسبب إنهاكاً نفسياً وتشتتاً دائمين.
ليس هذا فحسب، حيث ان الامر قد يصل الى اضطرابات القلق وازدواجية الهوية، بحيث تعيش الأسر التي تحاول الحفاظ على «برستيجها» حالة من الازدواجية والصراع بين مظهر خارجي خداع وذعر داخلي مكتوم.
وعلى الصعيد الاجتماعي، قد يحدث ما يعرف بالانسحاب التدريجي من المجتمع تجنباً لكلفة الوجود في المناسبات وهروبا من الاضطرار الى مجاراة الإنفاق بمستويات الآخرين.
ويتحول هذا التجنب مع الوقت إلى عزلة اجتماعية يفقد الفرد فيها الكثير من الدعم النفسي والاجتماعي. وفي خط مواز، ترتفع احتمالات تزايد التوتر الأسري وتفكك الروابط بسبب الخلافات المالية.
وعندما يضطر الشخص الى تقليص إنفاقه التفاخري، قد يعاني من الشعور بفقدان الاحترام الطبقي.
طبقة جديدة
علماء الاقتصاد باتوا يميلون إلى ان المجتمعات التي تعاني من هذه المظاهر الخداعة، تظهر فيها ما يمكن اعتباره «طبقة متوسطة جديدة» تتميز بأنها ثرية مظهرِياً، وهشة ماليا. وتختلف عن التقليدية التي طالما عرفت بانها مستقرة وقادرة على الادخار. وبالتالي لم تعد هذه الطبقة تشعر بالأمان الذي تمزيت به. وباتت تعيش حالة من الطوارئ لتدفع ضريبة الظهور بالمظهر الاجتماعي العالي. علما بأن المشكلة لم تعد ترتبط بحالات فردية في المجتمع، وانما باتت في كثير من المجتمعات وخاصة في دول المنطقة، تحولا جذريا في سلوك المجتمع خاصة الطبقة المتوسطة.
وتكمن عقدة المشكلة في أنه لا يمكن وصف هذه الفئة بالفقر بالمعنى التقليدي كونها تمتلك دخلاً جيداً. ولكنها باتت أكثر عرضة للصدمات المالية. ولم تعد المشكلة في أن هذه الطبقة المتوسطة تفقد دخلها فحسب، بل في أنها تفقد قدرتها على الادخار والأمان المالي مع استمرار إصرارها على الظهور بمظهر الميسور.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك