العدد : ١٧٦٦٩ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٩ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ صفر ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

هل التخلف إرث استعماري؟!

بقلم: سميرة بن رجب.

السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

يمثل‭ ‬التخلف‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬منه‭ ‬دول‭ ‬مرت‭ ‬باستعمار‭ ‬طويل،‭ ‬مقابل‭ ‬تقدم‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬إشكالية‭ ‬هيكلية‭ ‬معقدة،‭ ‬هي‮ ‬نتاج‭ ‬حتمي‭ ‬لعلاقات‭ ‬استعمارية‭ ‬وإمبريالية‭ ‬عميقة‭ ‬الجذور،‭ ‬وما‭ ‬خلّفته‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬وثقافية‭ ‬مُصَمَّمَة‭ ‬لاستمرار‭ ‬التبعية‭.‬

شكّلَت‭ ‬هذه‭ ‬الهيكلية‭ ‬المعقدة‭ ‬فجوة‭ ‬في‭ ‬نظريات‭ ‬التخلف،‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬التحديث‮»‬‭ ‬و«نظرية‭ ‬التبعية‮»‬،‭ ‬وتفسيرهما‭.. ‬فنظرية‭ ‬التحديث‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬التخلف‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لـ«تقليدية‮»‬‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وأن‭ ‬طريق‭ ‬التقدم‭ ‬هو‭ ‬محاكاة‭ ‬النموذج‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬التصنيع‭ ‬والقيم‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬وتعتبر‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬التخلف‭ ‬هو‭ ‬عوامل‭ ‬داخلية‭.‬

أما‭ ‬نظرية‭ ‬التبعية‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬كرد‭ ‬نقدي‭ ‬للنظرية‭ ‬السابقة‭ ‬فترى‭ ‬أن تخلف‭ ‬دول‭ ‬‮«‬الهامش‮»‬‭ ‬أو‭ ‬دول‭ ‬‮«‬الطرف‮»‬‭ (‬الجنوب‭ ‬العالمي‭) ‬ليس‭ ‬نتيجة‭ ‬قصور‭ ‬داخلي،‭ ‬بل‭ ‬هو شرط‭ ‬أساسي‭ ‬لثروة‭ ‬وتقدم‭ ‬دول‭ ‬‮«‬المركز‮»‬‭ (‬الشمال‭ ‬العالمي‭). ‬فثروة‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬وتخريب‭ ‬اقتصادات‭ ‬المستعمرات‭ ‬السابقة؛‭ ‬وإن‭ ‬تخلف‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬ليس‭ ‬مرحلة‭ ‬مؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬للرأسمالية‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬لتوفير‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬والعمالة‭ ‬الرخيصة،‭ ‬وأسواق‭ ‬للمنتجات‭ ‬النهائية‭.‬

وسنحاول‭ ‬هنا‭ ‬إيجاز‭ ‬أهم‭ ‬الرؤى‭ ‬والأفكار‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭.‬

الإرث‭ ‬الاستعماري‭.. ‬

الاستعمار‭ ‬الجديد

انتهى‭ ‬الاستعمار‭ ‬المباشر،‭ ‬واستمرت‭ ‬آليات‭ ‬التبعية‭ ‬بأشكال‭ ‬جديدة‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬استمرارية‭ ‬تخلف‭ ‬الدول،‭ ‬لأن‭ ‬هياكلها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعكس‭ ‬إرثًا‭ ‬استعماريا‭ ‬متمثلاً‭ ‬بصورة‭ ‬مكثفة‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬سياسية‭ ‬نخبوية‭ ‬فاسدة،‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬فاشلة‭ ‬لمؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬وتغلب‭ ‬عليها‭ ‬ممارسات‭ ‬النهب‭ ‬وتبديد‭ ‬الثروة‭. ‬

تبنّت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬أنظمة‭ ‬سياسية‭ ‬وقانونية‭ ‬مستوردة‭ ‬من‭ ‬الغرب،‭ ‬‮«‬الديمقراطية‭ ‬الليبرالية‭ ‬مثالاً‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬سياقها‭ ‬الثقافي‭ ‬والتاريخي،‭ ‬فأدى‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬‮«‬الديمقراطيات‭ ‬غير‭ ‬الليبرالية‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يبقي‭ ‬الحال‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه،‭ ‬وتزيد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬التحديث‭ ‬والتبعية‭.‬

التعليم‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬التبعية

صُممت‭ ‬نظم‭ ‬التعليم‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الحديثة‭ ‬لتُنتج‭ ‬نُخبًا‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬ثقافتها‭ ‬وواقع‭ ‬مجتمعها،‭ ‬وتُدرّبها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الغربي،‭ ‬وليس‭ ‬ناقدين‭ ‬له‭. ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬تخلف‭ ‬فكري‭ ‬حقيقي،‭ ‬إذ‭ ‬يتجاهل‭ ‬معظم‭ ‬المتعلمين‭ ‬خطر‭ ‬عامل‭ ‬الفقر‭ ‬على‭ ‬المشاريع‭ ‬التنموية،‭ ‬ويفتقر‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬الفقر‭ ‬وأنماطه‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتهم،‭ ‬ويفتقر‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬الأسباب‭ ‬الجذرية‭ ‬للفقر،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭.‬

لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬الاستعمار‭ ‬بالسيطرة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬المؤسسات‭ ‬والهوية‭ ‬الثقافية،‭ ‬وطمس‭ ‬الثقافات‭ ‬المحلية‭ ‬والإطاحة‭ ‬بالنظم‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التقليدية‭ (‬العولمة‭ ‬مثالا‭)‬،‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬التجريد‭ ‬الثقافي‭ ‬خلق‭ ‬فراغًا‭ ‬واستمرارية‭ ‬للهيمنة‭ ‬الفكرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعليم‭ ‬النخب‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وسيطًا‭ (‬فاسداً‭) ‬بين‭ ‬المستعمِر‭ ‬والمستعمَر،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‭ (‬العراق‭ ‬مثالا‭)‬‮»‬‭.‬

كيف‭ ‬صُنع‭ ‬التخلف

لصناعة‭ ‬التخلف،‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬الاستعمار‭ ‬على‭ ‬نهب‭ ‬الموارد،‭ ‬بل‭ ‬أنشأ‭ ‬هياكل‭ ‬مُصَمّمَة‭ ‬لاستمرار‭ ‬التبعية‭. ‬إذ‭ ‬خلقت‭ ‬السياسات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬اقتصادات‭ ‬مزدوجة‭ ‬في‭ ‬مستعمراتها‭. ‬اقتصاد‭ ‬‮«‬حديث‮»‬‭ ‬موجه‭ ‬للتصدير‭ (‬مثل‭ ‬التعدين‭ ‬والزراعة‭ ‬التجارية‭) ‬يسيطر‭ ‬عليه‭ ‬المستعمِر،‭ ‬وقطاعٌ‭ ‬‮«‬تقليدي‮»‬‭ ‬يعمل‭ ‬بـ«الكفاف‮»‬‭ ‬ويُهمَل‭. ‬هذا‭ ‬الهيكل‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬الثروة‭ ‬للخارج‭ ‬ويُبقي‭ ‬القطاع‭ ‬التقليدي‭ ‬متخلفاً‭.‬

ولتكريس‭ ‬التبعية‭ ‬التجارية‭ ‬والمالية‭ ‬صُممت‭ ‬اقتصادات‭ ‬المستعمرات‭ ‬لتزويد‭ ‬المستعمِر‭ ‬بالمواد‭ ‬الخام،‭ ‬بينما‭ ‬تُجبر‭ ‬على‭ ‬استيراد‭ ‬المنتجات‭ ‬المصنعة‭ ‬منه‭ (‬النفط‭ ‬مثالاً‭)‬،‭ ‬ويؤدي‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬تدهور‭ ‬شروط‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬لصالح‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭. ‬وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬تعمل‭ ‬الديون‭ ‬المتراكمة‭ ‬وشروط‭ ‬القروض‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬تقييد‭ ‬سياسات‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وتُبقيها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تبعية‭.‬

مؤسسات‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ ‬

ونظامها‭ ‬النقدي

مؤسسات‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ ‬هما‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي؛‭ ‬وهما‭ ‬مؤسستان‭ ‬دوليتان‭ ‬تأسستا‭ ‬عام‭ ‬1944‭ ‬بهدف‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬يُطلق‭ ‬على‭ ‬هاتين‭ ‬المؤسستين‭ ‬معًا‭ ‬هذا‭ ‬الاسم‭ ‬نسبةً‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬انعقاد‭ ‬المؤتمر‭ ‬الذي‭ ‬أسسهما‭ (‬What‭ ‬are‭ ‬the‭ ‬Bretton‭ ‬Woods‭ ‬Institutions‭? - ‬Bretton‭ ‬Woods‭ ‬Project‭).‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬إنشاء‭ ‬المؤسستين،‭ ‬صُمم‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‮»‬‭ ‬النقدي،‭ ‬وهو‭ ‬نظام‭ ‬لأسعار‭ ‬الصرف‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬الاستقرار‭. ‬كان‭ ‬جوهر‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬الدولار‭ ‬بالذهب،‭ ‬وربط‭ ‬العملات‭ ‬بالدولار،‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1958،‭ ‬واستمر‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1971‭ ‬قبل‭ ‬صدور‭ ‬قرار‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ريتشارد‭ ‬نيكسون‭ ‬وقف‭ ‬تحويل‭ ‬الدولار‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬الأجنبية‭ (‬The‭ ‬Operation‭ ‬and‭ ‬Demise‭ ‬of‭ ‬the‭ ‬Bretton‭ ‬Woods‭ ‬System;‭ ‬1958‭ ‬to‭ ‬1971‭ | ‬NBER‭). ‬ورغم‭ ‬انهيار‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬فإن‭ ‬المؤسستين‭ ‬استمرتا‭ ‬وازدادت‭ ‬أهميتهما‭ ‬كركائز‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬

مؤسسات‭ ‬‮«‬بريتون‭ ‬وودز‮»‬‭ ‬والإرث‭ ‬الاستعماري‭ ‬والتبعية

النقد‭ ‬الأكثر‭ ‬جذرية‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬نظريات‭ ‬مثل نظرية‭ ‬التبعية،‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬لم‭ ‬تُخلَق‭ ‬لتعزيز‭ ‬التنمية‭ ‬المستقلة،‭ ‬بل لإدماج‭ ‬اقتصادات‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬العالمي‭ ‬ككيانات‭ ‬تابعة،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬علاقات‭ ‬هيمنة‭ ‬واستغلال‭ ‬مشابهة‭ ‬للعهد‭ ‬الاستعماري،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فقدان‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬بما‭ ‬تفرضه‭ ‬برامج‭ ‬القروض‭ (‬برامج‭ ‬التكيف‭ ‬الهيكلي‭ ‬مثالاً‭) ‬من‭ ‬شروط‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬المقترضة‭ (‬خفض‭ ‬قيمة‭ ‬العملة،‭ ‬وخصخصة‭ ‬القطاع‭ ‬العام،‭ ‬ورفع‭ ‬الدعم‭.. ‬مثالا‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬يُضعف‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬سياساتها‭ ‬وفق‭ ‬أولوياتها‭ ‬ويجعلها‭ ‬منفذة‭ ‬لإملاءات‭ ‬خارجية‭.‬

تُقدّم‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬نموذجًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬واحدًا‭ (‬الخصخصة،‭ ‬التقشف‭) ‬كحل‭ ‬وحيد‭ ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬له،‭ ‬بينما‭ ‬يتم‭ ‬تهميش‭ ‬البدائل‭ ‬الوطنية‭ ‬كحماية‭ ‬الصناعات‭ ‬الناشئة‭ ‬أو‭ ‬صناديق‭ ‬الثروة‭ ‬السيادية،‭ ‬ما‭ ‬يمنع‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬تنموية‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬سياقها‭ ‬الخاص‭.‬

بإيجاز‭ ‬شديد،‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬الجدل‭ ‬الدائر‭ ‬حول‭ ‬مؤسسات‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ (‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي‭) ‬أمراً‭ ‬أكاديميًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬حيوي‭ ‬حول مستقبل‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتوزيع‭ ‬الثروة‭ ‬العالمي،‭ ‬ومعنى‭ ‬التنمية‭ ‬الحقيقية‭. ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬التبعية‭ ‬والهيمنة‭ ‬والتخلف‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي‭.. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬آليات‭ ‬الإقراض‭ ‬المشروط‭ ‬تعيد‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬إنتاج‭ ‬هياكل‭ ‬سلطة‭ ‬تحافظ‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬على‭ ‬التخلف،‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬‮«‬فشل‮»‬‭ ‬الشعوب،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬لتصميم‭ ‬مؤسسي‭ ‬يرتبط‭ ‬بمصالح‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬ويُسلِب‭ ‬الدول‭ ‬المقترضة‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬سيادتها‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬سياساتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

بالنتيجة،‭ ‬تكمن‭ ‬إشكالية‭ ‬التخلف‭ ‬في‮ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬صُنع‭ ‬تاريخيًا‭ ‬لخدمة‭ ‬مصالح‭ ‬دول‭ ‬المركز‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬دول‭ ‬الهامش‭.. ‬وإن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬التقدم،‭ ‬رغم‭ ‬استعمارها،‭ ‬كالنموذج‭ ‬الصيني‭ ‬العظيم،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬ظروفها‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬الاستثنائية،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكسر‭ ‬دائرة‭ ‬دول‭ ‬المركز‭ ‬ودول‭ ‬الهامش،‭ ‬بل‭ ‬أعادت‭ ‬بها‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬تنموية‭ ‬مركزية‭ ‬وقوية،‭ ‬وبناء‭ ‬هيكلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمؤسسات‭. ‬أما‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬متخلفة‭ ‬فهي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬أسيرة‭ ‬لهذه‭ ‬الهياكل‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬التقدم‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدو‭ ‬مستحيلا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُعاد‭ ‬بناء‭ ‬أسس‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬من‭ ‬جذورها‭.‬

والمستقبل‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الضغوط‭ ‬المتزايدة‭ ‬من‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي،‭ ‬المدعومة‭ ‬بأزمات‭ ‬حادة‭ ‬كتغير‭ ‬المناخ‭ ‬والديون،‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إصلاحات‭ ‬جوهرية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الحالي‭ ‬سيقاوم،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التجزؤ‭ ‬وظهور‭ ‬أنظمة‭ ‬موازية‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا