يمثل التخلف الذي تعاني منه دول مرت باستعمار طويل، مقابل تقدم دول أخرى، إشكالية هيكلية معقدة، هي نتاج حتمي لعلاقات استعمارية وإمبريالية عميقة الجذور، وما خلّفته من أنظمة اقتصادية وسياسية وثقافية مُصَمَّمَة لاستمرار التبعية.
شكّلَت هذه الهيكلية المعقدة فجوة في نظريات التخلف، ما بين «نظرية التحديث» و«نظرية التبعية»، وتفسيرهما.. فنظرية التحديث التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية ترى أن التخلف هو نتيجة لـ«تقليدية» المجتمعات، وأن طريق التقدم هو محاكاة النموذج الغربي في التصنيع والقيم والمؤسسات، وتعتبر أن السبب في التخلف هو عوامل داخلية.
أما نظرية التبعية التي ظهرت كرد نقدي للنظرية السابقة فترى أن تخلف دول «الهامش» أو دول «الطرف» (الجنوب العالمي) ليس نتيجة قصور داخلي، بل هو شرط أساسي لثروة وتقدم دول «المركز» (الشمال العالمي). فثروة الدول المتقدمة مبنية على استغلال وتخريب اقتصادات المستعمرات السابقة؛ وإن تخلف هذه الدول ليس مرحلة مؤقتة، بل هو نتيجة حتمية للرأسمالية العالمية التي تحتاج إلى مناطق لتوفير المواد الخام والعمالة الرخيصة، وأسواق للمنتجات النهائية.
وسنحاول هنا إيجاز أهم الرؤى والأفكار في تفسير هذه الظاهرة.
الإرث الاستعماري..
الاستعمار الجديد
انتهى الاستعمار المباشر، واستمرت آليات التبعية بأشكال جديدة تظهر في استمرارية تخلف الدول، لأن هياكلها الاقتصادية والسياسية لا تزال تعكس إرثًا استعماريا متمثلاً بصورة مكثفة في ثقافة سياسية نخبوية فاسدة، تجسدت في إدارة فاشلة لمؤسسات الدولة، وتغلب عليها ممارسات النهب وتبديد الثروة.
تبنّت هذه الدول أنظمة سياسية وقانونية مستوردة من الغرب، «الديمقراطية الليبرالية مثالاً»، لكنها لا تعمل وفق سياقها الثقافي والتاريخي، فأدى إلى ظهور ما يُسمى «الديمقراطيات غير الليبرالية»، ما يبقي الحال على ما هو عليه، وتزيد الفجوة بين التحديث والتبعية.
التعليم وإعادة إنتاج التبعية
صُممت نظم التعليم الاستعمارية الحديثة لتُنتج نُخبًا منفصلة عن ثقافتها وواقع مجتمعها، وتُدرّبها على أن تكون جزءًا من النظام الغربي، وليس ناقدين له. أدى هذا إلى استمرار تخلف فكري حقيقي، إذ يتجاهل معظم المتعلمين خطر عامل الفقر على المشاريع التنموية، ويفتقر إلى معرفة الفقر وأنماطه في مجتمعاتهم، ويفتقر إلى القدرة على التفكير النقدي في الأسباب الجذرية للفقر، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الوضع القائم.
لم يكتفِ الاستعمار بالسيطرة الاقتصادية، بل عمل على تفكيك المؤسسات والهوية الثقافية، وطمس الثقافات المحلية والإطاحة بالنظم السياسية والاجتماعية التقليدية (العولمة مثالا)، هذا «التجريد الثقافي خلق فراغًا واستمرارية للهيمنة الفكرية من خلال تعليم النخب على أن تكون وسيطًا (فاسداً) بين المستعمِر والمستعمَر، بدلا من أن تكون قادرة على إعادة البناء (العراق مثالا)».
كيف صُنع التخلف
لصناعة التخلف، لم يقتصر دور الاستعمار على نهب الموارد، بل أنشأ هياكل مُصَمّمَة لاستمرار التبعية. إذ خلقت السياسات الاستعمارية اقتصادات مزدوجة في مستعمراتها. اقتصاد «حديث» موجه للتصدير (مثل التعدين والزراعة التجارية) يسيطر عليه المستعمِر، وقطاعٌ «تقليدي» يعمل بـ«الكفاف» ويُهمَل. هذا الهيكل يضمن استمرار تدفق الثروة للخارج ويُبقي القطاع التقليدي متخلفاً.
ولتكريس التبعية التجارية والمالية صُممت اقتصادات المستعمرات لتزويد المستعمِر بالمواد الخام، بينما تُجبر على استيراد المنتجات المصنعة منه (النفط مثالاً)، ويؤدي هذا إلى تدهور شروط التبادل التجاري لصالح الدول المتقدمة. وفي الجانب الآخر تعمل الديون المتراكمة وشروط القروض الصادرة عن مؤسسات بريتون وودز المالية الدولية على تقييد سياسات هذه الدول وتُبقيها في حالة تبعية.
مؤسسات بريتون وودز
ونظامها النقدي
مؤسسات بريتون وودز هما صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي؛ وهما مؤسستان دوليتان تأسستا عام 1944 بهدف إعادة بناء النظام الاقتصادي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول. يُطلق على هاتين المؤسستين معًا هذا الاسم نسبةً إلى مكان انعقاد المؤتمر الذي أسسهما (What are the Bretton Woods Institutions? - Bretton Woods Project).
وإلى جانب إنشاء المؤسستين، صُمم في المؤتمر «نظام بريتون وودز» النقدي، وهو نظام لأسعار الصرف كان من المفترض أن يحقق الاستقرار. كان جوهر هذا النظام يقوم على ربط الدولار بالذهب، وربط العملات بالدولار، الذي بدأ في عام 1958، واستمر حتى عام 1971 قبل صدور قرار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى ذهب للبنوك المركزية الأجنبية (The Operation and Demise of the Bretton Woods System; 1958 to 1971 | NBER). ورغم انهيار هذا النظام فإن المؤسستين استمرتا وازدادت أهميتهما كركائز أساسية في النظام المالي العالمي.
مؤسسات «بريتون وودز» والإرث الاستعماري والتبعية
النقد الأكثر جذرية لهذه المؤسسات ينطلق من نظريات مثل نظرية التبعية، التي ترى أن هذه المؤسسات لم تُخلَق لتعزيز التنمية المستقلة، بل لإدماج اقتصادات الجنوب العالمي في النظام الرأسمالي العالمي ككيانات تابعة، ما يعيد إنتاج علاقات هيمنة واستغلال مشابهة للعهد الاستعماري، من خلال فقدان السيادة الوطنية بما تفرضه برامج القروض (برامج التكيف الهيكلي مثالاً) من شروط سياسية واقتصادية على الدول المقترضة (خفض قيمة العملة، وخصخصة القطاع العام، ورفع الدعم.. مثالا)، ما يُضعف قدرة الحكومات الوطنية على رسم سياساتها وفق أولوياتها ويجعلها منفذة لإملاءات خارجية.
تُقدّم هذه المؤسسات نموذجًا اقتصاديًا واحدًا (الخصخصة، التقشف) كحل وحيد لا بديل له، بينما يتم تهميش البدائل الوطنية كحماية الصناعات الناشئة أو صناديق الثروة السيادية، ما يمنع الدول من تبني سياسات تنموية تتلاءم مع سياقها الخاص.
بإيجاز شديد، لا يعد الجدل الدائر حول مؤسسات بريتون وودز (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) أمراً أكاديميًا، بل هو صراع حيوي حول مستقبل السيادة الوطنية، وتوزيع الثروة العالمي، ومعنى التنمية الحقيقية. هذه المؤسسات تعد من أدوات إعادة إنتاج التبعية والهيمنة والتخلف في دول الجنوب العالمي.. فمن خلال آليات الإقراض المشروط تعيد هذه المؤسسات إنتاج هياكل سلطة تحافظ في كثير من الأحيان على التخلف، ليس بسبب «فشل» الشعوب، بل نتيجة لتصميم مؤسسي يرتبط بمصالح الدول الكبرى ويُسلِب الدول المقترضة جزءًا كبيرًا من سيادتها في رسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية.
بالنتيجة، تكمن إشكالية التخلف في نظام عالمي صُنع تاريخيًا لخدمة مصالح دول المركز على حساب دول الهامش.. وإن الدول التي تمكنت من التقدم، رغم استعمارها، كالنموذج الصيني العظيم، هي التي عملت على صناعة ظروفها التاريخية والسياسية الاستثنائية، وفي هذه الظروف تمكنت من أن تكسر دائرة دول المركز ودول الهامش، بل أعادت بها بناء الإنسان من خلال سياسات تنموية مركزية وقوية، وبناء هيكلة الاقتصاد والمؤسسات. أما الدول التي ظلت متخلفة فهي تلك التي بقيت أسيرة لهذه الهياكل الاستعمارية، ما جعل التقدم الحقيقي يبدو مستحيلا ما لم يُعاد بناء أسس الدولة والمجتمع من جذورها.
والمستقبل يتوقف على ما إذا كانت الضغوط المتزايدة من الجنوب العالمي، المدعومة بأزمات حادة كتغير المناخ والديون، ستؤدي إلى إصلاحات جوهرية، أم أن النظام الدولي الحالي سيقاوم، ما يدفع نحو مزيد من التجزؤ وظهور أنظمة موازية.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك