واشنطن - (د ب أ): على مدى أكثر من قرن من الزمن أقامت الولايات المتحدة نهضتها وازدهارها وقوتها على أساس قدرتها الفريدة على ابتكار التكنولوجيا وتطويرها واستغلالها. لكن هذه القاعدة تواجه اليوم تحديا خطيرا مع تنامي المنافسة التي تقودها الدول الأخرى وبخاصة الصين في مجال الابتكار والتطوير. وقد حذر الخبيران الاقتصاديان ديفيد أوتور وديفيد دورن من «صدمة صينية ثانية»، لا تتمثل في صادرات الصين الرخيصة، بل في تفوقها التكنولوجي، حيث تسعى بكين إلى الريادة العالمية في أهم الصناعات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والفضاء، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال جاك سوليفان أستاذ كرسي كيسنجر لفن الحكم والنظام العالمي في كلية هارفارد كيندي: إن الصين حققت هذا التفوق من خلال بناء نظام واسع النطاق ولا مركزي لتمويل الابتكار المدعوم من الدولة، وتوجيه رؤوس الأموال إلى قطاعات التكنولوجيا المتقدمة ذات الأولوية، وتشجيع الشركات على التنافس بضراوة. وبهذا نجحت الصين في خلق سوق تحت السيطرة، مع قدرة الشركات الصينية على بناء طاقات إنتاجية تفوق قدرة الشركات الأمريكية وحلفائها، وإغراق الأسواق بالمنتجات قبل أن تتمكن الشركات الأمريكية والحليفة من زيادة إنتاجها. وقد خلقت استراتيجية الصين بيئة تكنولوجية تُنافس الآن - بل وتتفوق في بعض المجالات - على نظيرتها الأمريكية.
كما استخدمت بكين هذا النهج للسيطرة على سلاسل التوريد الحيوية، مستغلةً هذه السيطرة للضغط على منافسيها جيوسياسيا. ففي عام 2010، خفضت الصين صادرات العناصر الأرضية النادرة إلى اليابان بسبب خلاف دبلوماسي حول جزر في بحر الصين الشرقي. وبعد 15 عاما، وخلال الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، فرضت قيودا على تصدير هذه العناصر إليها ليضطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خفض الرسوم الجمركية المرتفعة على البضائع الصينية. وأصبحت القدرة الصناعية أداة للإكراه والتنافسية في آن واحد بالنسبة الى الصين.
في الوقت الذي كانت الصين تعزز فيه قوتها الصناعية، سمحت واشنطن لجزء كبير من قاعدتها الإنتاجية بالهجرة إلى الخارج. بدا أن هذا التحول في بداياته لا ينطوي على خسارة استراتيجية تُذكر. فقد ظلت الولايات المتحدة مركزا عالميا للبحث والاختراع، حتى مع تراجع فرص العمل في قطاع التصنيع وامتداد سلاسل التوريد عبر القارات. لكن الموقف تغير الآن وأصبح الثمن الذي تدفعه الولايات المتحدة نتيجة فصل الابتكار عن التصنيع باهظا للغاية بحيث لا يمكن تجاهله. فمع انتقال المصانع إلى الخارج، فقدت الولايات المتحدة جزءا كبيرا من قوتها العاملة الماهرة والخبرة اللازمة للبناء بسرعة وعلى نطاق واسع. وإذا لم تغير مسارها، فقد تفقد واشنطن تفوقها التكنولوجي، ومع مرور الوقت، قد تفقد ريادتها العالمية الأوسع، لصالح الصين.
لكن جاك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي خلال الفترة من 2021 إلى 2025 قال: إن الولايات المتحدة تحتاج إلى إعادة إحياء البيئة التي تسمح بازدهار الصناعات التحويلية المعقدة ذات القيمة العالية على أراضيها لكي تتجنب تآكل ما أسماه ألكسندر هاميلتون «أساسيات الإمداد الوطني». باختصار، يجب على أمريكا تحسين قدرتها على تصنيع ما تصممه. في الوقت نفسه يتعين على واشنطن ألا تسعى إلى تقليد استراتيجية بكين المدعومة من الدولة تقليدا كاملا لإعادة إحياء قاعدتها الصناعية. ففي نهاية المطاف، تتمتع الولايات المتحدة بمزايا عديدة مقارنة الصين، بما في ذلك قاعدتها العريضة من رواد الأعمال والجامعات المرموقة وأسواق رأس المال، التي تعد الأكبر في العالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك