تفريخ الميد والبياح يجب أن يكون ضمن خطة وطنية لدعم الاستزراع السمكي
تقرير: نوال عباس
كشفت إحصائيات بوابة البحرين للبيانات المفتوحة عن ارتفاع ملحوظ في واردات البحرين من أسماك الميد والبياح خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، في وقت يرى مختصون أن هذه الأرقام لا تعكس فقط حركة التجارة، بل تفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بقدرة المخزون السمكي المحلي على تلبية الطلب في السنوات المقبلة، ومدى الحاجة إلى تعزيز برامج حماية المخزون والاستزراع السمكي.
وأظهرت البيانات أن البحرين استوردت خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026 نحو 251.9 طنًا من الميد والبياح، بقيمة إجمالية بلغت 105,741 دينارًا بحرينيًا، مقارنة بـ105.8 أطنان بقيمة 48,394 دينارًا خلال الفترة نفسها من عام 2025، بما يمثل زيادة بلغت نحو 138% في حجم الواردات خلال عام واحد.
وتوزعت واردات عام 2026 بين 160.9 طنًا من الأسماك الطازجة أو المبردة، و91 طنًا من الأسماك المجمدة، لتشكل الأخيرة نحو 36.1% من إجمالي الواردات.
ارتفاع الواردات
كما ارتفعت واردات الأسماك الطازجة والمبردة وحدها بنسبة تقارب 52.1% مقارنة بالأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، وهو ما يشير إلى أن الزيادة لم تقتصر على الأسماك المجمدة، بل شملت أيضًا الأسماك الطازجة والمبردة التي تدخل السوق منافسة بصورة مباشرة للصيد المحلي.
وتوضح بيانات الاستيراد أن البحرين استوردت خلال الفترة الممتدة من 2020 حتى 2025 نحو 2,735.6 طنًا من الميد والبياح، بقيمة إجمالية بلغت نحو 1.508 مليون دينار بحريني، وبمتوسط سنوي يقارب 456 طنًا.
وبحسب البيانات، بلغت الواردات 610.2 أطنان في عام 2020، ثم تراجعت إلى 355.1 طنا في عام 2021، قبل أن ترتفع مجددًا إلى 506.4 أطنان في عام 2022، ثم 479.4 طنا في عام 2023، و384.1 طنا في عام 2024، لتسجل نحو 400.5 طن خلال عام 2025.
ورغم التفاوت في الكميات من عام إلى آخر، فإن الملاحظة الأبرز تتمثل في استمرار دخول مئات الأطنان من الميد والبياح إلى السوق المحلية بصورة سنوية، ما يشير إلى أن الاستيراد لم يعد مجرد شحنات موسمية محدودة، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة إمدادات هذين النوعين في البحرين.
حجم الطلب
وقال الناشط البيئي فاضل بن رضي إن قراءة أرقام استيراد الميد والبياح إلى البحرين لا ينبغي أن تقتصر على الجانب التجاري فقط، موضحًا أن هذه البيانات تعطي مؤشرًا على حجم الطلب في السوق، كما تفتح تساؤلًا أكبر يتعلق بقدرة المخزون السمكي المحلي على تلبية هذا الطلب خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن الأرقام الواردة في التحليل اعتمدت على إحصائيات بوابة البحرين للبيانات المفتوحة، مشيرًا إلى أن التصنيف الجمركي يجمع الميد والبياح تحت بند واحد، ولذلك فإن الكميات الواردة تمثل النوعين مجتمعين، ولا يمكن من خلالها تحديد حصة كل نوع بصورة منفصلة.
وأضاف أن ارتفاع الاستيراد لا يثبت بمفرده انهيار مخزون الميد والبياح، لأن الوصول إلى هذا الاستنتاج يحتاج إلى مسوحات بحرية وبيانات علمية تشمل كميات المصيد، وجهد الصيد، وأحجام الأسماك، وأعمارها، ومعدلات التكاثر.
كميات غير مستقرة
واستدرك قائلًا إن دلالة الاستيراد لا يمكن تجاهلها، فحين يحتاج السوق إلى مئات الأطنان من الخارج بصورة سنوية، فإن ذلك يعد مؤشرًا على أن المصيد المحلي لا يغطي الطلب طوال العام، أو أن الكميات المتوافرة في السوق أصبحت غير مستقرة.
وأكد أن تحديد نسبة اعتماد البحرين الفعلية على الاستيراد يتطلب ربط بيانات الواردات بأرقام الصيد المحلي، والصادرات، وإعادة التصدير، والتغير في المخزون التجاري، إلا أن الأرقام الحالية تكفي لطرح سؤال جاد حول قدرة مخزون الميد والبياح على الصمود إذا استمرت الضغوط الحالية.
تحديات المخزون السمكي
وأشار بن رضي إلى أن المخزون السمكي يواجه أكثر من تحدٍ، موضحًا أن المشكلة لا ترتبط بالصيد فقط، بل تشمل ارتفاع درجات حرارة المياه، وموجات الحر البحرية، والتغيرات التي تشهدها المناطق الساحلية، إضافة إلى التلوث وتراجع بعض موائل الحضانة والتكاثر.
وأضاف أن هناك أيضًا ضغوطًا ناجمة عن الصيد الجائر، وزيادة جهد الصيد، وصيد الأسماك الصغيرة قبل وصولها إلى الأحجام التي تسمح لها بالتكاثر، وهو ما يؤدي إلى تراجع أعداد الأسماك البالغة القادرة على إنتاج البيوض، وبالتالي انخفاض قدرة المخزون على تعويض ما يتم اصطياده.
ولفت إلى أن هذه الضغوط لا تؤثر في الأسماك الكبيرة فقط، بل تمتد كذلك إلى البيوض واليرقات والأسماك الصغيرة التي تحتاج إلى بيئة ساحلية مناسبة للنمو والحماية، مؤكدًا أن معالجة نقص السوق بالاستيراد وحده لا تكفي، لأن الاستيراد يوفر الأسماك للمستهلك لكنه لا يعالج الأسباب التي أدت إلى تراجع الإمدادات المحلية.
إثراء المخزون
وفيما يتعلق بإثراء المخزون، قال بن رضي إن تفريخ الميد والبياح وإنتاج اليرقات يجب أن يكون جزءًا من خطة وطنية لدعم الاستزراع السمكي وإثراء المخزون، مشددًا على أن هذه العملية ينبغي ألا تتحول إلى إطلاق عشوائي للأعداد في البحر.
وأوضح أن إنتاج اليرقات داخل المفرخ يمثل بداية البرنامج وليس نهايته، إذ يتطلب الأمر اختيار أمهات محلية سليمة، والمحافظة على التنوع الوراثي، وتربية اليرقات حتى تصل إلى مرحلة مناسبة، ثم اختيار مواقع ومواسم الإطلاق وفق دراسات علمية واضحة.
وأكد أن العنصر الأهم يتمثل في متابعة نتائج الإطلاق، لمعرفة عدد الأسماك التي بقيت على قيد الحياة، ومدى قدرتها على التأقلم، وما إذا كانت قد أسهمت لاحقًا في دعم المخزون والمصيد، موضحًا أن غياب المتابعة يجعل أعداد اليرقات المعلنة مجرد أرقام يصعب قياس أثرها الحقيقي.
وأضاف أن إنتاج اليرقات وحده لن يحقق النتائج المرجوة إذا كانت مناطق الحضانة متدهورة، أو إذا تعرضت الأسماك الصغيرة للصيد مباشرة بعد إطلاقها.
وشدد بن رضي على أن تطوير الاستزراع التجاري للميد والبياح يمكن أن يخفف الضغط على المخزون الطبيعي، ويوفر منتجًا محليًا، ويقلل الحاجة إلى الاستيراد، لكنه يجب أن يسير بالتوازي مع حماية البيئة البحرية، وليس بديلًا عنها.
برنامج متكامل
ودعا إلى تنفيذ برنامج متكامل يشمل التقييم الدوري للمخزون، وحماية مناطق التكاثر والحضانة، وتنظيم جهد الصيد، والحد من صيد الأحجام الصغيرة، ودعم المفرخات وإنتاج اليرقات، وتنفيذ برامج لإثراء المخزون يمكن قياس نتائجها علميًا.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الاستيراد قادر على سد النقص في الأسواق، لكنه لا يستطيع إعادة بناء المخزون السمكي، معتبرًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استيراد الميد والبياح، وإنما في ألا يتحول الاستيراد إلى بديل دائم عن حماية البحر، ودعم المخزون، وتنمية الإنتاج المحلي.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك