أكد تقرير نشرته (سي إن إن) أن انخفاض منسوب نهر الدانوب لم يعد مجرد ظاهرة بيئية موسمية، بل تحول إلى أزمة اقتصادية متشعبة تضرب واحداً من أهم الشرايين التجارية والطاقة في أوروبا.
وقال التقرير: انه مع استمرار موجات الحر والجفاف التي اجتاحت القارة خلال الصيف، سجّل النهر مستويات تاريخية متدنية في صربيا وكرواتيا، كاشفاً عن سفن غارقة منذ الحرب العالمية الثانية ومئات الكيلومترات المربعة من الجزر الرملية، في مشهدٍ يعكس حجم الضغوط التي يفرضها تغيّر المناخ على الاقتصاد الأوروبي.
ويمتد نهر الدانوب لمسافة تقارب 2850 كيلومتراً، عابراً عشر دول أوروبية قبل أن يصب في البحر الأسود، ويُعد ثاني أطول أنهار أوروبا بعد الفولغا، كما يمثل ممراً حيوياً لنقل الوقود والحبوب والمواد الخام والسلع الصناعية، فضلاً عن دوره في توليد الكهرباء ودعم السياحة والثروة السمكية والزراعة.
وكان أول المتضررين من الجفاف قطاع النقل النهري، إذ أجبر انخفاض منسوب المياه البوارج وناقلات الوقود على الإبحار بحمولة لا تتجاوز 30% إلى 40% من طاقتها الاستيعابية لتجنب الجنوح في المناطق الضحلة.
وفي صربيا، أعلنت وزيرة الطاقة دوبرافكا ديدوفيتش هاندانوفيتش أن واردات الوقود خلال يوليو تراجعت إلى 25% فقط من المستوى المستهدف، نتيجة القيود المفروضة على الملاحة في الدانوب، وهو ما يهدد بتعطيل إمدادات الطاقة ورفع تكاليف النقل في دول تعتمد بصورة كبيرة على النهر.
كما أظهرت بيانات الملاحة ظهور مئات الكيلومترات المربعة من الجزر الرملية، فيما اضطرت البوارج إلى الرسو في المقاطع الأكثر عمقاً من النهر، ما تسبب في تباطؤ حركة التجارة وارتفاع تكاليف الشحن.
ويحذّر خبراء النقل بحسب وكالة رويترز من أن استمرار انخفاض المياه قد يدفع الشركات إلى التحول نحو النقل البري أو السكك الحديدية، وهي خيارات أكثر كلفة وأقل كفاءة لنقل البضائع الثقيل.
ولم تتوقف التداعيات عند قطاع النقل، بل امتدت إلى قطاع الطاقة، إذ تراجع إنتاج محطة «ديرداب 1»، أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في صربيا، إلى نحو ثلث متوسط إنتاجها اليومي.
وتبلغ القدرة المركبة للمحطة 1140 ميغاواطا، وتدار بشكل مشترك بين صربيا ورومانيا، إلّا أن انخفاض تدفقات المياه دفع إنتاجها إلى نحو 5000 ميغاواط/ساعة يومياً فقط، وهو أدنى مستوى تشهده خلال شهري مايو ويونيو منذ افتتاحها عام 1970.
كما أثّر انخفاض منسوب الدانوب في محطات الفحم بمنطقة كوستولاتس، إذ تسبب نقص المياه المستخدمة في أنظمة التبريد في تراجع الإنتاج، ما يزيد الضغوط على شبكة الكهرباء في ظل ارتفاع الطلب بسبب موجات الحر.
وتتوقع السلطات الصربية أن تنخفض تدفقات النهر مطلع أغسطس إلى نحو 1500 متر مكعب في الثانية، وهو ما يقترب من الحد البيولوجي الأدنى اللازم للحفاظ على النظام البيئي للنهر.
ويربط خبراء البيئة بحسب وكالة «أ ف ب» هذا التراجع غير المسبوق بارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار نتيجة تغير المناخ.
في المقابل، بدأت دول الاتحاد الأوروبي تنفيذ مشروعات طويلة الأجل لإعادة تأهيل النظام البيئي للدانوب وزيادة قدرته على مقاومة آثار تغيّر المناخ.
ومن أبرز هذه المبادرات مشروع «DANUBE REST»، الذي يجمع شركاء من النمسا وسلوفاكيا لإعادة تأهيل ضفاف النهر والجزر النهرية والأراضي الرطبة، وتحسين التنوع البيولوجي واستعادة الديناميكية الطبيعية لمجرى النهر.
كما يتكامل المشروع مع مبادرة «DANUBE 4all» الأوروبية، التي تطور حلولاً مبتكرة لاستعادة الأنظمة البيئية النهرية، إلى جانب برنامج «Open Rivers» الهادف إلى تحسين الترابط بين مجرى النهر والسهول الفيضية وتعزيز موائل الأسماك وتقليل تراكم الرواسب.
وتكشف أزمة الدانوب أن تغيّر المناخ لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح عاملاً اقتصادياً مؤثراً في أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد الأوروبية. ومع استمرار موجات الحر وتزايد فترات الجفاف، تبدو أوروبا أمام تحدٍ طويل الأمد يتمثل في التكيف مع واقع مناخي جديد، يتطلب استثمارات أكبر في البنية التحتية المائية، وتحديث شبكات النقل والطاقة، وتعزيز التعاون العابر للحدود لحماية أحد أهم الشرايين الاقتصادية في القارة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك