العدد : ١٧٦٥٥ - السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٥ - السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

كيف تُقرأ العلاقة بين إيران والعرب

بقلم: سميرة بن رجب.

السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬مؤلفها‭ ‬الموسوعي‭ ‬‮«‬الفرس‭.. ‬إيران‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬القديمة‭ ‬والوسطى‭ ‬والحديثة‮»‬‭ ‬2009،Homa‭ ‬Katouzian‭ ‬by‭ ‬Yale‭ ‬University‭ ‬Press‭ ‬،‭ ‬كتبت‭ ‬هوما‭ ‬كاتوزيان‭: ‬‮«‬إن‭ ‬كتابة‭ ‬تاريخ‭ ‬تحليلي‭ ‬لإيران‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬مجازيًا‭ ‬إلى‭ ‬عقاب‭ ‬مشابه‭ ‬لما‭ ‬قاله‭ ‬سعدي‭ (‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬الإيراني‭ ‬سعدي‭ ‬شيرازي،‭ ‬عندما‭ ‬اقتبس‭ ‬مقولة‭ ‬أحد‭ ‬وزراء‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الساساني،‭ ‬أنوشروان‭ ‬‮«‬أن‭ ‬تكتب‭ ‬رأيًا‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬به‭ ‬الحاكم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تسفك‭ ‬دمك‭ ‬بيديك‮»‬‭)‬،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬إراقة‭ ‬دم‭ ‬حقيقي،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مجازفة‭ ‬في‭ ‬إراقة‭ ‬الدم‭ ‬المعنوي‭ ‬والفكري‭ ‬وحتى‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬والنقاش‭ ‬والنقد‭...‬‮»‬‭ (‬ترجمة‭ ‬أحمد‭ ‬حسن‭ ‬المعيني‭- ‬2014‭ ‬لبنان‭)‬،‭ ‬وهنا‭ ‬تعبّر‭ ‬المؤلفة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عن‭ ‬حقيقة،‭ ‬غير‭ ‬متداولة‭ ‬كثيرًا،‭ ‬حول‭ ‬المجازفة‭ ‬بكتابة‭ ‬تاريخ‭ ‬‮«‬الفرس‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الصعوبة‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬المستحيل؛‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يتوافر‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬لهذا‭ ‬التاريخ‭ ‬يأخذ‭ ‬الباحث‭ ‬إلى‭ ‬كهوف‭ ‬مظلمة‭ ‬لا‭ ‬قرار‭ ‬لها،‭ ‬وإلى‭ ‬دهاليز‭ ‬من‭ ‬الأساطير‭ ‬والخرافات‭ ‬المدمجة‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الوقائع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬فواصل‭ ‬بينها،‭ ‬ولعل‭ ‬الباحث‭ ‬الإيراني‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬معرفة‭ ‬بخطورة‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجازفة‭.‬

وهنا‭ ‬تؤكد‭ ‬المؤلفة‭ ‬هوما‭ ‬كاتوزيان‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬بقولها‭ ‬إنه‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬وقت‭ ‬كتابة‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ (‬2009‭) ‬مازالت‭ ‬إيران‭ ‬طرفًا‭ ‬مثيرًا‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬وعرق‭ ‬ومجتمع‭ ‬له‭ ‬رأي‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬شديد‭ ‬الاختلاف‭ ‬مع‭ ‬آراء‭ ‬الآخرين‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الإيرانيين‭ ‬أنفسهم‭ ‬منقسمون‭ ‬جدًّا،‭ ‬سواء‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬الإيراني،‭ ‬وكل‭ ‬مجموعة‭ ‬وطبقة‭ ‬لها‭ ‬تصوّرها‭ ‬الخاص‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬وتاريخه،‭ ‬الذي‭ ‬يختلف‭ ‬بدرجة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬عن‭ ‬تصورات‭ ‬الآخرين‮»‬‭ (‬المصدر‭ ‬السابق‭).‬

وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يؤكدها‭ ‬الفرس‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬تاريخ‭ ‬علاقة‭ ‬إيران‭ ‬مع‭ ‬العرب‭ ‬بـ«علاقة‭ ‬معقدة‮»‬،‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬التقارب‭ ‬والصراع‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين؛‭ ‬وإن‭ ‬جذور‭ ‬هذا‭ ‬التعقيد‭ ‬غير‭ ‬معروفة،‭ ‬عدا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬السرديات‭ ‬الفارسية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توثيق‭ ‬علمي؛‭ ‬أي‭ ‬هي‭ ‬سرديات‭ ‬غير‭ ‬علمية‭ ‬يحفظها‭ ‬ويتداولها‭ ‬الفرس‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬المحافل‭ ‬غير‭ ‬الفارسية‭.‬

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬وصف‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بأنها‭ ‬ليست‭ ‬قَدَرًا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬حتميًّا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬ظروف‭ ‬سياسية‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الوقائع‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المعقدة‭ ‬قدر‭ ‬تاريخي‭ ‬حتمي،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬جذورها‭ ‬واستيعاب‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬ودراستها‭ ‬كحالة‭ ‬سوسيوأنثروبولوجية،‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬يُستنتج‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يجنبنا‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬المستمرة‭ ‬منذ‭ ‬نشأة‭ ‬دولة‭ ‬الفرس،‭ ‬وبدء‭ ‬الجوار‭ ‬الجغرافي‭.‬

وهنا‭ ‬نتلمس‭ ‬سؤالنا‭ ‬المحوري‭: ‬لماذا‭ ‬هذا‭ ‬العداء‭ ‬الإيراني‭ ‬المستمر‭ ‬تجاه‭ ‬العرب،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬لم‭ ‬يملكوا،‭ ‬ولا‭ ‬يملكون،‭ ‬مشروعًا‭ ‬وجوديًّا‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬دفاعي‭ ‬دائم؟

ولماذا‭ ‬تمارس‭ ‬إيران‭ ‬العداء‭ ‬مع‭ ‬جيرانها‭ ‬العرب،‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬وجنوب‭ ‬حدودها،‭ ‬وتُمارس‭ ‬البراغماتية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬مع‭ ‬جيرانها‭ ‬الآخرين،‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬وشمال‭ ‬حدودها؟

العداء‭ ‬العرقي‭ ‬والديني

‭ ‬كان‭ ‬الأساس

بدأت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفرس‭ ‬والعرب‭ ‬منذ‭ ‬العصر‭ ‬الأخميني‭ (‬625‭ ‬ق‭.‬م‭.)‬،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭ (‬عمر‭ ‬الدولة‭ ‬الفارسية‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬اتسمت‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬بالتفاعل‭ ‬المستمر،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬الفرس‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬العرب‭ ‬كقبائل؛‭ ‬وكحلفاء‭ ‬محتملين‭ ‬تارة،‭ ‬وكقوة‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الردع‭ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬بهدف‭ ‬الهيمنة‭ ‬والصراع‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭.‬

مع‭ ‬مجيء‭ ‬الساسانيين‭ (‬224‭ ‬ق‭.‬م‭.) ‬وقيادة‭ ‬الملك‭ ‬شابور‭ ‬الثاني،‭ ‬استمرت‭ ‬سياسة‭ ‬النفوذ‭ ‬الفارسي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بحملات‭ ‬هجومية،‭ ‬وسياسات‭ ‬فرض‭ ‬النفوذ‭ ‬عبر‭ ‬القبائل‭ ‬العربية،‭ ‬أبرزهم‭ ‬المناذرة،‭ ‬وهم‭ ‬سلالة‭ ‬عربية‭ ‬حاكمة‭ (‬بلاد‭ ‬الرافدين‭)‬،‭ ‬حاربوا‭ ‬ضد‭ ‬البيزنطيين،‭ ‬ووقعوا‭ ‬تحت‭ ‬هيمنة‭ ‬الساسانيين‭.. ‬ويبرز‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬النفوذ،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬عداوة‭ ‬عرقية‭ ‬ودينية‭.‬

يمكن‭ ‬إيجاز‭ ‬نمط‭ ‬العلاقة‭ ‬وصيرورتها‭ ‬هنا،‭ ‬بأن‭ ‬العداء‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والعرب‭ ‬بدأ‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬نتاج‭ ‬ظروف‭ ‬سياسية‭ ‬وأيديولوجية‭ ‬وعرقية،‭ ‬وكان‭ ‬محورها‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الفارسية‭ ‬الأولى،‭ ‬بخلفية‭ ‬تاريخية‭ ‬تتضمن‭ ‬صراعات‭ ‬وتحالفات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الجذري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬الإسلام،‭ ‬ووصوله‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬فارس‭ ‬بعد‭ ‬إسقاط‭ ‬الدولة‭ ‬الساسانية‭ ‬في‭ ‬المدائن‭ (‬بلاد‭ ‬الرافدين‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬حوّل‭ ‬التنافس‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬أعمق‭ ‬حول‭ ‬الهوية‭ ‬والشرعية‭ ‬والنفوذ‭.‬

إنَّ‭ ‬نمط‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬العدائي،‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬دائمًا‭ ‬وكأنه‭ ‬سعي‭ ‬دائم‭ ‬نحو‭ ‬الهيمنة‭ ‬ورفض‭ ‬العيش‭ ‬بسلام‭ ‬مع‭ ‬العرب،‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬معقدة‭ ‬لعوامل‭ ‬تاريخية‭ ‬وسياسية‭ ‬وأيديولوجية‭ ‬عميقة‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬العقل‭ ‬الفارسي،‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬قَدَرٍ‭ ‬تاريخي‭ ‬حتمي‭.‬

إيران‭ ‬ليست‭ ‬دولة‭ ‬‮«‬عاقلة‮»‬‭ ‬بالمفهوم‭ ‬العربي‭ ‬للعقلانية،‭ ‬بل‭ ‬دولة‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬‮«‬البارانويا‭ ‬التاريخية‮»‬،‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬الخوف‭ ‬الوجودي‭ ‬والطموح‭ ‬الإمبراطوري،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬تتصرف‭ ‬بعدوانية‭ ‬تجاه‭ ‬العرب،‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬عربي‭ ‬ضدها‭... ‬والعرب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬هم‭ ‬ضحايا‭ ‬استراتيجية‭ ‬إيرانية‭ ‬مرسومة،‭ ‬لا‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬تهديدات‭ ‬عربية‭.‬

من‭ ‬العصر‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬إلى‭ ‬الجمهوري‭ ‬الإسلامي

إذن‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬تجاه‭ ‬العرب‭ ‬هو‭ ‬امتداد‭ ‬لشعور‭ ‬إمبراطوري‭ ‬متجذّر‭ ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬الفارسي،‭ ‬يمكن‭ ‬تتبعه‭ ‬منذ‭ ‬نشأة‭ ‬الدولة‭ ‬الفارسية،‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬الفارسية‭ ‬القديمة‭ (‬من‭ ‬الأخمينية‭ ‬حتى‭ ‬الساسانية‭)‬،‭ ‬ونظرتها‭ ‬إلى‭ ‬العرب‭ ‬كقبائل‭ ‬هامشية،‭ ‬وكانت‭ ‬تسعى‭ ‬لفرض‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬والموارد‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬والخليج‭. ‬امتدت‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬إلى‭ ‬العصر‭ ‬الصفوي‭ (‬1501-1736‭) ‬الذي‭ ‬استُخدِمَ‭ ‬فيه‭ ‬المذهب‭ ‬الشيعي‭ ‬كأداة‭ ‬سياسية‭ ‬لتمييز‭ ‬الصفوية‭ ‬عن‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية‭ ‬السنية،‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬العداء‭ ‬تجاه‭ ‬العرب‭ ‬كحاضنة‭ ‬للسنة،‭ ‬فجعلت‭ ‬من‭ ‬‮«‬العداء‭ ‬للعرب‮»‬‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هويتها‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭... ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬البهلوية‭ (‬1925-1979‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬فيها‭ ‬النزعة‭ ‬الفارسية‭ ‬القومية،‭ ‬مع‭ ‬تخفيف‭ ‬العداء‭ ‬المذهبي‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬الهيمنة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭... ‬ثم‭ ‬مشروع‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ (‬1979‭)‬،‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬المستضعفين‮»‬‭ ‬و«تصدير‭ ‬الثورة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬للعداء‭ ‬غطاءً‭ ‬أيديولوجيًّا‭ ‬جديدًا‭ (‬ديني‭)‬،‭ ‬وأعاد‭ ‬إنتاجه‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬تطرفًا‭.‬

الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭..‬

مشروع‭ ‬أيديولوجي

رسم‭ ‬نظام‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬أيديولوجية‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة‭ ‬كمشروع‭ ‬سياسي‭ ‬كوني،‭ ‬واستمر‭ ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬الدولة‭ ‬بهدف‭ ‬نشر‭ ‬النفوذ‭ ‬والهيمنة‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬واعتبار‭ ‬النظم‭ ‬العربية،‭ ‬وخاصة‭ ‬المَلَكيات‭ ‬الخليجية،‭ ‬غير‭ ‬شرعية،‭ ‬ويجب‭ ‬إسقاطها‭.‬

ومن‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬أعادت‭ ‬إيران‭ ‬تعريف‭ ‬الصراع ليس‭ ‬كصراع‭ ‬قومي‭ (‬فارسي‭-‬عربي‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬كصراع‭ ‬بين‭ ‬‮«‬المستضعفين‮»‬‭ ‬و«المستكبرين‮»‬‭ ‬بحسب‭ ‬مصطلحاتها،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬العرب،‭ ‬وخاصةً‭ ‬الخليجيين،‭ ‬عدوًّا‭ ‬أيديولوجيًّا،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬جار،‭ ‬واعتبارهم‭ ‬نموذجا‭ ‬للنظام‭ ‬‮«‬غير‭ ‬الإسلامي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬محاربته‭.‬

التفسير‭ ‬الجيوسياسي‭.. ‬

الهيمنة‭ ‬الإقليمية

بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬صِفْرِي؛‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬مكسب‭ ‬للعرب‭ ‬هو‭ ‬خسارة‭ ‬لإيران،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭... ‬كما‭ ‬تعتبر‭ ‬محيط‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬منفذ‭ ‬إيران‭ ‬الحيوي‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز،‭ ‬وأي‭ ‬هيمنة‭ ‬عربية‭ ‬عليه‭ ‬تهدد‭ ‬المصالح‭ ‬الحيوية‭ ‬الإيرانية‭.‬

وتمكنت‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬نفوذها‭ ‬المهيمن‭ ‬الأكبر‭ ‬اتساعًا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ (‬العراق،‭ ‬سوريا،‭ ‬لبنان،‭ ‬اليمن‭)‬،‭ ‬فيما‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬الهلال‭ ‬الشيعي‮»‬‭ ‬كمشروع‭ ‬استراتيجي‭ ‬مكتمل‭ ‬يحقق‭ ‬العمق‭ ‬الجغرافي‭ ‬والتفوق‭ ‬الديموغرافي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العرب،‭ ‬ويكسر‭ ‬الحصار‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬المفروض‭ ‬عليها‭.‬

من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬يمكن‭ ‬استنتاج‭ ‬الرؤية‭ ‬الإيرانية‭ ‬الحديثة‭ ‬لجيرانها‭ ‬العرب،‭ ‬بأنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬قوة‭ ‬منافسة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬‮«‬الذراع‮»‬‭ ‬القوي‭ ‬لأعدائها‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬لذا‭ ‬يجب‭ ‬إضعافهم‭ ‬وتفكيكهم‭ ‬عبر‭ ‬إشعال‭ ‬حروب‭ ‬داخلية‭ ‬وإدامة‭ ‬الصراعات‭ ‬المذهبية‭.‬

تفسير‭ ‬المنطق‭ ‬الإيراني‭ ‬المختلف

يؤكد‭ ‬المؤرخون‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬المنطق‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬العداء‭ ‬الفارسي‭ ‬التاريخي‭ ‬ضد‭ ‬العرب‭ ‬يبدو‭ ‬غير‭ ‬منطقي؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬العرب،‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬لم‭ ‬يملكوا‭ ‬مشروعًا‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭.‬

لكن‭ ‬المنطق‭ ‬الإيراني،‭ ‬كما‭ ‬يفسره‭ ‬أغلب‭ ‬مَن‭ ‬حاولوا‭ ‬دراسة‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬الحديث،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬العرب‭ ‬والغرب‭ ‬يعملون‭ ‬معًا‭ ‬لتدميرها‭... ‬وإنه،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬العرب‭ ‬شيئًا،‭ ‬فهي‭ ‬تتعامل‭ ‬معهم‭ ‬وفق‭ ‬‮«‬مبدأ‭ ‬الشك‮»‬‭ ‬و«العداء‭ ‬المسبق‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬الشك‭ ‬والتهديد‭ ‬الوجودي‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الفارسي‭.‬

بجانب‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬الهيمنة‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عداوة‭ ‬مسبقة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬الفرص؛‭ ‬وأن‭ ‬إيران‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كفضاء‭ ‬مليء‭ ‬بالثغرات،‭ ‬فتتدخل‭ ‬لاستغلال‭ ‬الفرص‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الثغرات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬تهديد‭ ‬عربي‭.‬

وبالمحصلة‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬العداء‭ ‬الإيراني‭ ‬للعرب‭ ‬بأنه‭ ‬امتدادٌ‭ ‬للشعور‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬الفارسي‭ ‬القديم،‭ ‬وأنه‭ ‬‮«‬أسلوب‭ ‬حياة‮»‬‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬نظام‭ ‬حاكم‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬و«نمط‭ ‬اجتماعي‮»‬‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الفارسي‭... ‬وبحسب‭ ‬المناهج‭ ‬الدراسية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬ومنهجياتها‭ ‬الثقافية،‭ ‬هذا‭ ‬العداء‭ ‬يمنح‭ ‬الشرعية‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬داخليًّا،‭ ‬ويوحد‭ ‬الإيرانيين‭ ‬خلف‭ ‬قيادتهم،‭ ‬ويبرر‭ ‬التضحيات‭ ‬الاقتصادية‭... ‬ولو‭ ‬توقف‭ ‬العداء،‭ ‬لتوقف‭ ‬النظام‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا