العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

أرواح خطفتها «إشارة الموت»..
حكايات موجعة من ذاكرة المعامير

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

طفلة‭.. ‬عادت‭ ‬بشهادة‭ ‬التفوق‭ ‬ولم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬منزلها

فرحة‭ ‬فتاة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مأتم‭ ‬عند‭ ‬الإشارة

شاحنة‭ ‬الحديد‭.. ‬اللحظات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬الأهالي

ضحايا‭ ‬صامتون‭.. ‬أجساد‭ ‬تحمل‭ ‬ذاكرة‭ ‬الحوادث

بعد‭ ‬عامين‭.. ‬المأساة‭ ‬تتكرر‭ ‬مع‭ ‬شاب‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬عشرة

من‭ ‬الإشارات‭ ‬إلى‭ ‬الجسر‭ ‬أو‭ ‬النفق‭.. ‬ماذا‭ ‬ينتظر‭ ‬الأهالي؟‭!‬


تقرير‭: ‬نوال‭ ‬عباس

تصوير‭: ‬محمد‭ ‬عبدالله

ليست‭ ‬كلُّ‭ ‬الإشاراتِ‭ ‬مجردَ‭ ‬أضواء‭ ‬حمراء‭ ‬وخضراء‭ ‬تنظمُ‭ ‬حركةَ‭ ‬السيارات،‭ ‬فهناك‭ ‬إشاراتٌ‭ ‬تتحولُ‭ ‬مع‭ ‬مرورِ‭ ‬السنوات‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرةٍ‭ ‬مثقلةٍ‭ ‬بالحكايات،‭ ‬تحملُ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬زاويةٍ‭ ‬منها‭ ‬قصةَ‭ ‬إنسان،‭ ‬وأسرة،‭ ‬وحادث‭ ‬غيَّر‭ ‬حياةً‭ ‬أو‭ ‬أنهى‭ ‬حياة‭.‬

في‭ ‬إشارات‭ ‬المعامير،‭ ‬تتراكمُ‭ ‬الحكاياتُ‭ ‬منذ‭ ‬سنوات؛‭ ‬أطفالٌ‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬عودتهم‭ ‬إلى‭ ‬منازلهم،‭ ‬وشباب‭ ‬كانوا‭ ‬يعبرون‭ ‬الطريق،‭ ‬وأشخاص‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬طريقهم‭ ‬إلى‭ ‬أعمالهم‭ ‬أو‭ ‬مناسباتهم،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحولَ‭ ‬لحظاتٌ‭ ‬عابرة‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬فاجعة‭.‬

قصصٌ‭ ‬انتهى‭ ‬بعضُها‭ ‬بالموت،‭ ‬فيما‭ ‬خلَّف‭ ‬بعضُها‭ ‬الآخر‭ ‬إصاباتٍ‭ ‬وإعاقات‭ ‬وآثارًا‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حاضرةً‭ ‬في‭ ‬أجسادِ‭ ‬أصحابها،‭ ‬بينما‭ ‬اختار‭ ‬آخرون‭ ‬الصمتَ،‭ ‬وواصلوا‭ ‬حياتهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬عما‭ ‬تعرضوا‭ ‬له‭.‬

ومع‭ ‬تكرار‭ ‬الحوادث‭ ‬وتجدد‭ ‬مطالب‭ ‬الأهالي‭ ‬بإيجاد‭ ‬معالجة‭ ‬أكثر‭ ‬أمانا‭ ‬للموقع،‭ ‬تعود‭ ‬‮«‬إشارة‭ ‬الموت‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬نقطة‭ ‬على‭ ‬الطريق،‭ ‬وإنما‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬أهالي‭ ‬المعامير‭ ‬والعكر،‭ ‬الذين‭ ‬عايشوا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬قصصًا‭ ‬مؤلمة‭ ‬ارتبطت‭ ‬بهذا‭ ‬المكان‭.‬

وللوقوف‭ ‬على‭ ‬جانبٍ‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث،‭ ‬تستعيد‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬روايات‭ ‬أبناء‭ ‬المنطقة‭ ‬ممن‭ ‬عايشوا‭ ‬تلك‭ ‬الوقائعَ‭ ‬وتابعوا‭ ‬آثارَها‭. ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬ابنُ‭ ‬قرية‭ ‬المعامير‭ ‬وباحث‭ ‬التاريخ‭ ‬والتراث‭ ‬جاسم‭ ‬آل‭ ‬عباس،‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭ ‬قصصًا‭ ‬بقيت‭ ‬عالقةً‭ ‬في‭ ‬ذاكرةِ‭ ‬الأهالي،‭ ‬بعضها‭ ‬يعودُ‭ ‬إلى‭ ‬عقودٍ‭ ‬مضت،‭ ‬وبعضها‭ ‬لا‭ ‬يزالُ‭ ‬حاضرًا‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

حوادث‭ ‬وحكايات‭ ‬ناس

يستعيدُ‭ ‬جاسم‭ ‬آل‭ ‬عباس‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬عند‭ ‬إشارات‭ ‬المعامير،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأهالي‭ ‬ليست‭ ‬أرقام‭ ‬الحوادث،‭ ‬وإنما‭ ‬قصص‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬ضحايا‭ ‬لها‭.‬

ويقولُ‭ ‬إن‭ ‬بعضَ‭ ‬هذه‭ ‬القصصِ‭ ‬تعودُ‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المصابين‭ ‬يعيشون‭ ‬آثارَ‭ ‬حوادث‭ ‬تعرضوا‭ ‬لها‭ ‬عند‭ ‬الطريق‭ ‬نفسه‭.‬

ويشيرُ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعضَ‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬تعرضوا‭ ‬للحوادث‭ ‬لا‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬أو‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬أسمائهم،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬يتفهمه‭ ‬الأهالي،‭ ‬خصوصا‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الإصابةُ‭ ‬قد‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬حياةِ‭ ‬الإنسان‭.‬

ويرى‭ ‬الأهالي‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬سجلات‭ ‬الحوادث،‭ ‬لأن‭ ‬آثارها‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحادث،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬المصاب‭ ‬وأسرته‭ ‬ومستقبله‭.‬

فاجعة‭ ‬المتفوقة

ومن‭ ‬أكثر‭ ‬الحوادث‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬ألمًا‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الأهالي،‭ ‬حادثة‭ ‬طفلة‭ ‬في‭ ‬الثامنة‭ ‬أو‭ ‬التاسعة‭ ‬من‭ ‬عمرها،‭ ‬وقعت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬التسعينيات‭.‬

كانت‭ ‬الطفلةُ‭ ‬قد‭ ‬تسلمت‭ ‬شهادتها‭ ‬الدراسية،‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬المتفوقات،‭ ‬وحملت‭ ‬شهادتها‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬منزلها‭.‬

وعند‭ ‬عبورها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬إشارات‭ ‬المعامير،‭ ‬صدمتها‭ ‬سيارة،‭ ‬لتفارق‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الحادث‭.‬

ويقول‭ ‬جاسم‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الفاجعة‭ ‬أكثر‭ ‬ألمًا‭ ‬أن‭ ‬شهادة‭ ‬التفوق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬الطفلة‭ ‬تحملها‭ ‬بقيت‭ ‬بالقرب‭ ‬منها،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عالقًا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬من‭ ‬عايشوا‭ ‬الحادث‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬الفاجعة‭ ‬في‭ ‬فقدان‭ ‬طفلة‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬صغير‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬المفارقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأهالي؛‭ ‬طفلة‭ ‬كانت‭ ‬عائدة‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬دراسي‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬ثمرةَ‭ ‬تفوقها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬رحلتها‭ ‬عند‭ ‬الإشارة‭.‬

ويؤكد‭ ‬جاسم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُذكر‭ ‬كلما‭ ‬عاد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حوادث‭ ‬إشارات‭ ‬المعامير‭.‬

فرحة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مأتم

ومن‭ ‬بين‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُذكر‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬حادثة‭ ‬فتاة‭ ‬كانت‭ ‬برفقة‭ ‬أفراد‭ ‬من‭ ‬أسرتها‭ ‬في‭ ‬طريقهم‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬اجتماعية‭ ‬في‭ ‬المعامير‭.‬

وعند‭ ‬مرورهم‭ ‬بالإشارة‭ ‬تعرضت‭ ‬الفتاة‭ ‬لحادث‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬وفاتها‭.‬

كانت‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر‭ ‬وقريبة‭ ‬من‭ ‬سن‭ ‬الزواج،‭ ‬فتحولت‭ ‬المناسبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬الأسرة‭ ‬تستعد‭ ‬لها‭ ‬إلى‭ ‬مأتم،‭ ‬وبقيت‭ ‬الحادثة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الفواجع‭ ‬التي‭ ‬يستعيدها‭ ‬الأهالي‭ ‬كلما‭ ‬تحدثوا‭ ‬عن‭ ‬خطورة‭ ‬الإشارة‭.‬

كانت‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬الفرح،‭ ‬لكن‭ ‬الحادث‭ ‬قلب‭ ‬المشهد‭ ‬بالكامل،‭ ‬وحوَّل‭ ‬المناسبة‭ ‬إلى‭ ‬مأساة‭ ‬عائلية‭.‬

وتبقى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأهالي،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬لحظة‭ ‬الوفاة،‭ ‬وإنما‭ ‬تترك‭ ‬أثرا‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع‭ ‬بأكمله‭.‬

محاولة‭ ‬إنقاذ‭ ‬

انتهت‭ ‬بفاجعة

ومن‭ ‬أكثر‭ ‬الحوادث‭ ‬التي‭ ‬يتذكرها‭ ‬جاسم،‭ ‬حادث‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬التسعينيات‭ ‬لسائق‭ ‬آسيوي‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬شاحنة‭ ‬محملة‭ ‬بقطع‭ ‬حديد،‭ ‬متجها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬سترة‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬الرفاع‭.‬

وعند‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬إشارات‭ ‬المعامير‭ ‬فوجئ‭ ‬بالإشارة‭ ‬الحمراء،‭ ‬ومع‭ ‬محاولة‭ ‬التوقف‭ ‬اندفعت‭ ‬الحمولة‭ ‬الثقيلة‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬محاصرة‭ ‬السائق‭ ‬داخل‭ ‬مقصورة‭ ‬القيادة‭.‬

ويقول‭ ‬جاسم‭ ‬إن‭ ‬السائق‭ ‬ظل‭ ‬واعيا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات،‭ ‬بينما‭ ‬تجمع‭ ‬الأهالي‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬ووصلت‭ ‬فرق‭ ‬الدفاع‭ ‬المدني‭ ‬والرافعات‭ ‬لمحاولة‭ ‬إنقاذه‭.‬

كانت‭ ‬عملية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الحمولة‭ ‬الثقيلة‭ ‬بالغة‭ ‬الصعوبة،‭ ‬وبحسب‭ ‬رواية‭ ‬جاسم،‭ ‬تعرض‭ ‬أحد‭ ‬أسلاك‭ ‬الرفع‭ ‬للانقطاع‭ ‬أثناء‭ ‬محاولة‭ ‬إزالة‭ ‬الحديد،‭ ‬فعادت‭ ‬الحمولة‭ ‬وسقطت‭ ‬على‭ ‬السائق،‭ ‬ليفارق‭ ‬الحياة‭.‬

ويصف‭ ‬جاسم‭ ‬المشهد‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الحوادث‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬أثرا‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الأهالي،‭ ‬بعدما‭ ‬تجمع‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المعامير‭ ‬والعكر‭ ‬لمتابعة‭ ‬عملية‭ ‬الإنقاذ‭.‬

كان‭ ‬المشهد‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬المارة‭ ‬والأهالي،‭ ‬وبقيت‭ ‬تفاصيله‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬من‭ ‬عاشوا‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭.‬

ضحايا‭ ‬صامتون

ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬الحكايات‭ ‬عند‭ ‬الضحايا‭ ‬الذين‭ ‬عُرفت‭ ‬قصصهم،‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬جاسم‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬أشخاص‭ ‬آخرين‭ ‬تعرضوا‭ ‬لحوادث‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬نفسه،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬أسمائهم‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬عما‭ ‬تعرضوا‭ ‬له‭.‬

ومن‭ ‬بينهم‭ ‬أشخاص‭ ‬أصبحوا‭ ‬يمشون‭ ‬بعرج‭ ‬نتيجة‭ ‬إصابات‭ ‬قديمة،‭ ‬وآخرون‭ ‬يحملون‭ ‬آثار‭ ‬جروح‭ ‬في‭ ‬وجوههم‭.‬

لا‭ ‬أسماء‭.. ‬لكن‭ ‬

آثارهم‭ ‬ظاهرة

ويواصل‭ ‬الباحث‭ ‬جاسم‭: ‬‮»‬إن‭ ‬تتبع‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬أصحابها‭ ‬تعرضوا‭ ‬لحوادث‭ ‬عند‭ ‬الطريق‭ ‬نفسه،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬اختاروا‭ ‬الصمت‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬ما‭ ‬حدث‮«‬‭.‬

ويظل‭ ‬هؤلاء،‭ ‬بحسب‭ ‬الأهالي،‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬المكان،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬أسماؤهم‭ ‬أو‭ ‬تفاصيل‭ ‬إصاباتهم‭ ‬للعلن‭.‬

وبينما‭ ‬تعود‭ ‬بعض‭ ‬الحوادث‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬مضت،‭ ‬فإن‭ ‬الألم‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬حوادث‭ ‬جديدة‭.‬

فمنذ‭ ‬نحو‭ ‬عامين،‭ ‬تغيرت‭ ‬حياة‭ ‬شاب‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر‭ ‬بعد‭ ‬حادث‭ ‬مروري‭ ‬وقع‭ ‬عند‭ ‬الإشارة‭ ‬نفسها،‭ ‬نقل‭ ‬على‭ ‬أثره‭ ‬إلى‭ ‬العناية‭ ‬المركزة،‭ ‬لتبدأ‭ ‬بعدها‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬مع‭ ‬العلاج‭ ‬والتنقل‭ ‬بين‭ ‬المراكز‭ ‬الطبية‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬تواصل‭ ‬أسرته‭ ‬متابعة‭ ‬علاجه،‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حلمها‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬عافيته‭ ‬ويعود‭ ‬إلى‭ ‬حياته‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ويلتحق‭ ‬بالجامعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتمنى‭ ‬أن‭ ‬تراه‭ ‬بين‭ ‬مقاعدها‭.‬

حلم‭ ‬الجامعة‭ ‬ينتظر‭ ‬عودته

لم‭ ‬تتوقف‭ ‬الأسرة‭ ‬عن‭ ‬متابعة‭ ‬علاجه‭ ‬طوال‭ ‬هذه‭ ‬السنوات،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تنتظر‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬فيه‭ ‬استعادة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬التي‭ ‬تغيرت‭ ‬بعد‭ ‬الحادث‭.‬

فخلف‭ ‬كل‭ ‬مصاب‭ ‬أسرة‭ ‬تعيش‭ ‬معه‭ ‬تفاصيل‭ ‬العلاج‭ ‬والانتظار،‭ ‬وتحاول‭ ‬أن‭ ‬تتمسك‭ ‬بالأمل‭ ‬رغم‭ ‬طول‭ ‬الطريق‭.‬

المأساة‭ ‬تتكرر‭ ‬بعد‭ ‬عامين

وبعد‭ ‬نحو‭ ‬عامين،‭ ‬تكررت‭ ‬المأساة‭ ‬عند‭ ‬الإشارة‭ ‬نفسها،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مع‭ ‬شاب‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬نحو‭ ‬17‭ ‬عاما‭.‬

تعرض‭ ‬الشاب‭ ‬لحادث‭ ‬مروري‭ ‬ونقل‭ ‬إلى‭ ‬العناية‭ ‬المركزة،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬أسرته‭ ‬تعيش‭ ‬ساعات‭ ‬وأياما‭ ‬ثقيلة‭ ‬وهي‭ ‬تنتظر‭ ‬خبرا‭ ‬يطمئنها‭ ‬على‭ ‬حالته‭.‬

حكايتان‭ ‬يفصل‭ ‬بينهما‭ ‬الزمن‭.. ‬وتجمعهما‭ ‬الإشارة

حالتان‭ ‬يفصل‭ ‬بينهما‭ ‬نحو‭ ‬عامين،‭ ‬لكن‭ ‬تجمعهما‭ ‬الإشارة‭ ‬نفسها،‭ ‬وأسرتان‭ ‬تحملان‭ ‬أملا‭ ‬واحدا‭: ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬أبناؤهما‭ ‬سالمين،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬النهاية‭ ‬فرجا‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬الألم‭ ‬الطويل‭.‬

وتعيد‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬الحديثة‭ ‬فتح‭ ‬ملف‭ ‬الإشارة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وتطرح‭ ‬السؤال‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬الأهالي‭ ‬يطرحونه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬حل‭ ‬أكثر‭ ‬أمانا‭ ‬يمنع‭ ‬تكرار‭ ‬هذه‭ ‬القصص؟

مطالب‭ ‬عمرها‭ ‬سنوات

يؤكد‭ ‬الباحث‭ ‬جاسم‭ ‬آل‭ ‬عباس‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬إشارات‭ ‬المعامير‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الأهالي،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬والده‭ ‬وجده‭ ‬كانا‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬لشؤون‭ ‬المنطقة،‭ ‬وأن‭ ‬المطالبة‭ ‬بمعالجة‭ ‬مشكلة‭ ‬الإشارات‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭.‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستجابة‭ ‬السابقة‭ ‬لمطالب‭ ‬الأهالي‭ ‬وإنشاء‭ ‬الإشارات‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬وقتها‭ ‬إنجازا‭ ‬مهما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحوادث‭ ‬استمرت،‭ ‬لتتجدد‭ ‬المطالب‭ ‬اليوم‭ ‬بحل‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭.‬

من‭ ‬الإشارات‭ ‬إلى‭ ‬

الجسر‭ ‬أو‭ ‬النفق

ومع‭ ‬مشروع‭ ‬تطوير‭ ‬الطريق‭ ‬الممتد‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬سترة‭ ‬باتجاه‭ ‬منطقة‭ ‬النويدرات،‭ ‬يترقب‭ ‬الأهالي‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬المعالجة‭ ‬الجديدة‭ ‬حلا‭ ‬أكثر‭ ‬أمانا‭ ‬للموقع‭.‬

وبحسب‭ ‬ما‭ ‬يطرحه‭ ‬الأهالي،‭ ‬فإن‭ ‬المطلوب‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الطريق،‭ ‬وإنما‭ ‬معالجة‭ ‬نقطة‭ ‬التقاطع‭ ‬نفسها،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جسر‭ ‬أو‭ ‬نفق‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬حل‭ ‬هندسي‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الحوادث‭ ‬ويحمي‭ ‬مستخدمي‭ ‬الطريق‭ ‬والمشاة‭.‬

ذاكرة‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬حادثا‭ ‬جديدا

بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الحوادث،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إشارات‭ ‬المعامير‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأهالي‭ ‬مجرد‭ ‬نقطة‭ ‬مرورية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المنطقة؛‭ ‬ذاكرة‭ ‬تحمل‭ ‬قصص‭ ‬أطفال‭ ‬وشباب‭ ‬وأسر،‭ ‬بعضها‭ ‬انتهى‭ ‬بالفقد،‭ ‬وبعضها‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعيش‭ ‬تبعاته‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

ومن‭ ‬شهادة‭ ‬تفوق‭ ‬بقيت‭ ‬بجوار‭ ‬طفلة‭ ‬رحلت،‭ ‬إلى‭ ‬شاحنة‭ ‬حديد‭ ‬شهد‭ ‬الأهالي‭ ‬تفاصيل‭ ‬مأساة‭ ‬سائقها،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬مصابين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يحملون‭ ‬آثار‭ ‬الحوادث،‭ ‬وشابين‭ ‬تنتظر‭ ‬أسرتاهما‭ ‬الفرج‭.. ‬تتكرر‭ ‬الحكاية‭ ‬عند‭ ‬المكان‭ ‬نفسه‭.‬

ويبقى‭ ‬مطلب‭ ‬الأهالي‭ ‬واضحا‭: ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬الحكايات‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬وألا‭ ‬تضيف‭ ‬الإشارة‭ ‬اسما‭ ‬جديدا‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬الفقد‭ ‬والألم‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا