العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

عربية ودولية

المضائق البحرية مصدر للتوترات الجيوسياسية منذ القرن السادس عشر

الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

باريس‭ - (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭): ‬على‭ ‬غرار‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬شكل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المضائق‭ ‬البحرية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬شريانا‭ ‬أساسيا‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية‭ ‬وأيضا‭ ‬بؤرة‭ ‬توترات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬حادة،‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬تفاصيلها‭ ‬ومحطاتها‭ ‬أستاذ‭ ‬الجغرافيا‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬بوردو‭ ‬سيلفان‭ ‬دوميرغ‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭. ‬يُذكّر‭ ‬دوميرغ‭ ‬أن‭ ‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقانون‭ ‬البحار‭ (‬اتفاقية‭ ‬مونتيغو‭ ‬باي‭) ‬الموقعة‭ ‬في‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬1982،‭ ‬وتُعد‭ ‬بمثابة‭ ‬دستور‭ ‬للمحيطات‭ ‬والبحار،‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المضيق‭ ‬البحري‭ ‬تكوين‭ ‬طبيعي‭ ‬لا‭ ‬يحوز‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬عليه‭. ‬وتكفل‭ ‬الاتفاقية‭ ‬مبدأ‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يمكن‭ ‬للدول‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬قنوات‭ ‬شقّها‭ ‬الإنسان‭ ‬مثل‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬أو‭ ‬قناة‭ ‬بنما،‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬رسوم‭ ‬عبور‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬تُبحر‭ ‬فيها‭. ‬ويشير‭ ‬دوميرغ،‭ ‬وهو‭ ‬مؤلف‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬للمجالات‭ ‬البحرية‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬تحترم‭ ‬أحكام‭ ‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬العرفي،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تصادق‭ ‬عليها‭ ‬رسميا‭. ‬ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬عقب‭ ‬الغارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬فبراير،‭ ‬أغلقت‭ ‬طهران‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الذي‭ ‬يمرّ‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬السلم‭ ‬خُمس‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬المسال‭. ‬وأدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فرضت‭ ‬واشنطن‭ ‬حصارا‭ ‬بحريا‭ ‬على‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭.‬

وأتاحت‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬مُبرمة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬استئناف‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬المضيق‭. ‬ثم‭ ‬أدى‭ ‬انهيار‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬مطلع‭ ‬يوليو‭ ‬إلى‭ ‬شلّ‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬فيه‭ ‬مجددا‭. ‬وقبل‭ ‬أيام،‭ ‬هدد‭ ‬المتمردون‭ ‬الحوثيون‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬بعرقلة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬من‭ ‬الموانئ‭ ‬السعودية‭ ‬وإليها،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬آخر،‭ ‬هو‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬الذي‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬الإبحار‭ ‬فيه‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭. ‬وتعبر‭ ‬هذين‭ ‬المضيقين‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬وسفن‭ ‬البضائع‭ ‬والسلع‭ ‬الأساسية‭ ‬والمواد‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭.‬

ويروي‭ ‬دوميرغ‭ ‬أن‭ ‬البرتغال،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬بحارتها‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬طريق‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬الأوروبية‭ ‬إلى‭ ‬الهند،‭ ‬حاولت‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1507‭ ‬فرض‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لضمان‭ ‬التحكم‭ ‬بتجارة‭ ‬التوابل‭ ‬وثروات‭ ‬الشرق‭. ‬وبعد‭ ‬جدل‭ ‬قانوني‭ ‬وفلسفي‭ ‬شهير،‭ ‬انتصرت‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬البحر‭ ‬الحر‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صاغها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الهولندي‭ ‬هوغو‭ ‬غروتيوس،‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬البحر‭ ‬لا‭ ‬يملكه‭ ‬أحد‮»‬‭. ‬وتبنت‭ ‬هولندا‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬ودافعت‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬البحار،‭ ‬ثم‭ ‬لحقتها‭ ‬إنجلترا،‭ ‬ولاحقا‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬تلتزم‭ ‬بمعظم‭ ‬أحكام‭ ‬اتفاقية‭ ‬مونتيغو‭ ‬باي،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تصادق‭ ‬عليها‭ ‬أيضا‭.‬

لكن‭ ‬نظرية‭ ‬حرية‭ ‬البحار،‭ ‬كما‭ ‬يلفت‭ ‬دوميرغ،‭ ‬لم‭ ‬تثن‭ ‬البريطانيين‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬للمضائق‭ ‬في‭ ‬مشروعهم‭ ‬الاستعماري‭. ‬فقد‭ ‬أقامت‭ ‬بريطانيا‭ ‬أهم‭ ‬قواعدها‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬المضائق‭ ‬البحرية،‭ ‬وكانت‭ ‬أكبر‭ ‬قواعدها‭ ‬البحرية‭ ‬الاستعمارية‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬في‭ ‬سنغافورة،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لها‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا،‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬فيه‭ ‬اليوم‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬الصين‭. ‬وأنشأت‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬سقطرى،‭ ‬التابعة‭ ‬حاليا‭ ‬لليمن،‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬وعند‭ ‬مدخل‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬

وفي‭ ‬أوروبا،‭ ‬كانت‭ ‬المضائق‭ ‬الدنماركية‭ ‬التي‭ ‬تغلق‭ ‬مدخل‭ ‬بحر‭ ‬البلطيق،‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬إذ‭ ‬مكنت‭ ‬الدنمارك‭ ‬لوقت‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬عبور‭ ‬فيها‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المضائق‭ ‬الكبرى‭ ‬اليوم،‭ ‬يخضع‭ ‬مضيقا‭ ‬البوسفور‭ ‬والدردنيل‭ ‬لرسوم،‭ ‬وذلك‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاقية‭ ‬مونترو‭ ‬الموقعة‭ ‬عام‭ ‬1936‭. ‬ويتوقع‭ ‬دوميرغ‭ ‬أن‭ ‬تبرز‭ ‬مستقبلا‭ ‬قضايا‭ ‬جديدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمضائق،‭ ‬مشيرا‭ ‬خصوصا‭ ‬إلى‭ ‬مضيق‭ ‬تايوان‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الطموحات‭ ‬الإقليمية‭ ‬الصينية،‭ ‬وكذلك‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا‭ ‬الذي‭ ‬تتقاسم‭ ‬الإشراف‭ ‬عليه‭ ‬سنغافورة‭ ‬وماليزيا‭ ‬وإندونيسيا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا