المؤيدون: التعليم التقليدي أقل قدرة على جذب الاهتمام..
المعارضون: حكر الاستخدام على المعلم

في إطار تطبيق المدارس في البحرين لسياسة دمج الأجهزة الذكية ضمن المناهج التعليمية داخل صفوفها التعليمية، ومع اتجاه دول لحظر استخدام الهاتف النقال أو المنصات الاجتماعية على الأطفال لمن هم ما دون 13 سنة، "أخبار الخليج" تفتح هذا الملف عبر سلسلة ممتدة وتبحث في جدلية التأثيرات الإيجابية والسلبية على حد سواء.
انقسم المعلمون ما بين مؤيد ومعارض، إذ اتجه منهم إلى تأييد قرار الحظر واتباع المنهج الورقي فقط وحصر استخدام الأجهزة الذكية على المعلم، واتجه آخرون - وهم غالبية- إلى تأييد التقنين، مواكبةً لمتطلبات العصر الرقمي، مبررين أن التعليم التقليدي أقل جذبا للاهتمام الطلابي، والتقنيات الحديثة تسهل الوصول للمعلومة.
واتفق المعلمون على أن الاستغناء عن التعليم الورقي يؤثر على مهارات الكتابة وتنمية التفكير، مشددين على أن الاعتماد العشوائي على التصحيح التلقائي أدى إلى تراجع مهارات الإملاء وصياغة الجمل والكتابة اليدوية لدى الطلبة.
وأيدوا فرض عقوبات تدريجية على الطلبة المخالفين من أجل تحميلهم المسؤولية التي يسهم في صقل شخصياتهم، في الوقت الذي حثوا على إعداد إطار وطني لتقنين الاستخدام انطلاقا من المرحلة الثانوية.
وأظهرت دراسة نشرت في وقت سابق، للباحثان جيفري كوزنيكوف وسكوت تيتسوورث، أن الطلاب الذين لا يستخدمون هواتفهم المحمولة يدونون 62% من المعلومات أكثر في دفتر ملاحظاتهم أثناء مشاهدة محاضرة فيديو، ويحققون درجات أعلى بمعدل درجة ونصف في المادة.
وكانت وزارة التربية والتعليم أكدت في وقت سابق أن "استخدام الأجهزة الذكية في المدارس متاح من خلال مختبرات الحاسب الآلي والدروس والمقررات التي يتم فيها توظيف التقنية وتكنولوجيا المعلومات".
وأشارت إلى أن "الأجهزة الشخصية فهي للاستخدام خارج نطاق المؤسسات المدرسية ويمكن استخدامها للتعلم عن بعد، وأنه في حال السماح بها فإن ذلك سيكون مقتصراً على نطاق المشاريع التي تنفذها الوزارة حول الاستعمال الآمن لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، ووفق الإجراءات التجريبية لعينات محددة من المدارس لأهداف البحث العلمي والتطوير."
الاقتصار على المعلم
ذكر محمود الشواي، معلم نظام فصل إنه "لطالما كان توظيف التكنولوجيا والأجهزة اللوحية مادة دسمة للاختلاف بين التربويين أنفسهم وأولياء الأمور".
وبين أن "جدلية استخدام الأجهزة الذكية في المدارس لا بد من وضعها في كفتي ميزان دقيق قائم على الفائدة مقابل الضرر. فإن كانت الأضرار الصحية والنفسية المحتملة لاستخدام الطالب للأجهزة في المدارس جسيمة، مع غياب الحاجة الماسة لاستعمال الطلاب لها في المدارس، فإن كفة السلامة الجسدية والنفسية للطالب أولا هي المرجحة بلا شك، مع اقتصار دورها التعليمي على المعلم فقط والذي بدوره يحقق نسبة جيدة من الوعي بها لدى الطلاب، وهنا ينبغي ألا نغفل عن عامل السن للطالب؛ فالعديد من دول العالم بدأت بالفعل في سن تشريعات تحظر أو تقيد استخدام الأجهزة وبعض التطبيقات لمن هم دون سن الـ13 عاماً".
ودعا الشواي إلى وضع إطار عام لاستخدام الطلاب للأجهزة الذكية، على أن يكون هذا الاستخدام مقنناً ومرتبطاً بحصص ودروس محددة، ولغايات تعليمية واضحة، ولأعمار معينة نرى أن تكون بدايتها الفعلية والمنظمة من المرحلة الثانوية. بالتالي نحتاج لدراسة فكرة إعداد إطار وطني لتقنين الاستخدام انطلاقا من المرحلة الثانوية.
وأكد أن "عدم استخدام الأجهزة داخل أروقة المدارس للمراحل العمرية الصغيرة لا يعني عزل الطالب عن العصر الرقمي، بل يمكن للمعلم توجيه الطلاب لاستخدامها في المنزل تحت رقابة وتوجيه أولياء الأمور. هذا التوجيه يشمل البحث العلمي، والتصميم، والتوسع المعرفي، وحل الواجبات التفاعلية، مما يحقق دمجاً متوازناً وذكياً بين الجانبين الورقي والرقمي".
ولفت إلى أن "استغناء الطالب الكلي أو المفرط عن القلم والورقة سيؤدي إلى تراجع مهارات أساسية وحيوية، وفي مقدمتها مهارة الكتابة الصحيحة، والرسم الدقيق للحروف، وجماليات الخط العربي خصوصا في مراحل التأسيس الأولى، والتي تظل حاجة إنسانية وتعبيرية لا غنى عنها في الحياة اليومية".
وتابع "يمكننا استثمار الأجهزة في مجالات إبداعية شتى تسهم في صقل مواهب الطلاب وخدمة مستواهم التعليمي، مثل البحث العلمي الموجه للوصول إلى مصادر المعرفة الموثوقة من المنزل، إلى جانب رعاية الموهوبين الرقميين عبر تشجيع البرمجة والتصوير والمونتاج لإنتاج فيديوهات تعليمية يتم استعراضها داخل الصف كأدوات دعم وتوضيح". وحث على استخدام الخرائط الذهنية الرقمية لتلخيص الدروس وتسهيل استذكارها، و المحاكاة الفنية والتجريبية لمحاكاة الأعمال الفنية والعملية.
وحول ارتفاع معدلات التنمر الإلكتروني، أشار إلى أن "التنمر ليس وليد الأجهزة بل هو نتاج منظومة قيمية وثقافية تبدأ من البيت والمجتمع وتتأثر بالمدرسة والأصدقاء. ومع وجود لائحة انضباط مدرسي داخلي، وقوانين حازمة، وأساليب تربوية تحول دون استخدام الأجهزة إلا في أوقات وغايات محددة، فإن هذه النسبة ستتلاشى."
وحول فرض غرامات أو مخالفات على الطالب وولي أمره، قال إن "الغاية من التعامل مع أي مخالفة سلوكية في الحقل التربوي ليست العقوبة بحد ذاتها، بل الهدف هو المعالجة والتقويم. نحن نسعى للارتقاء بشخصية الطالب وبناء وعيه وتحميله للمسؤولية، ليكون مواطناً صالحاً ومخلصاً يساهم بكل وعي في بناء مستقبل البحرين".
جزءا من العصر الرقمي
قالت زينب جبيل، معلمة بمدرسة خاصة إن "عصرنا الرقمي اليوم يعتبر الأجهزة جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، لذا فإن التقنين ضمن ضوابط واضحة يمنحها شرعية أن تكون بمثابة وسيلة تعليمية فعالة"، وشجعت على "تجنب الاستخدام العشوائي الذي يسهم في تشتيت انتباه الطلبة، أو قد ينعكس سلبا عليهم سواء من الناحية التعليمية أو الاجتماعية".
وأكدت على أن "التعليم الورقي لا يمكن الاستغناء عنه، ولكن وحده لم يعد كافيا، فالجمع ما بين التعليم الورقي والتقنيات الحديثة تمنح الطالب فرصة أفضل للفهم والتفاعل وتنمية مهاراته وقدراته الشخصية والأكاديمية".
وتحدثت عن "توظيفها ضمن الأنشطة التعليمية من خلال حل التمارين التفاعلية والبحث المعلوماتي ومتابعة الواجبات. وتقنين استخدامها خلال أوقات معينة".
وحملت زينب المعلم مسؤولية الالتزام بقواعد التقنين فدوره هو التوضيح للطالب قواعد الاستخدام لغرس ثقافة المسؤولية الرقمية ومتابعة استخدام الطلاب وتوجيههم إلى الاستخدام الايجابي.
وربطت ما بين التنمر الإلكتروني والاستخدام، إذا ما غابت الرقابة الواعية، وبات الأمر أكثر انفلاتها ليسمح بسهولة تصوير الآخرين أو نشر التعليقات المسيئة، وعلقت مسؤولية المعلم لمكافحة التنمر على تعزيز التوعية ووضع أنظمة واضحة للتعامل مع المتنمرين.
وحول فرض عقوبات في حال مخالفة الاستخدام الطلابي، دعت إلى تطبيق عقوبات تدريجية تبدأ من الإنذار وصولا إلى فرض قرارات حازمة تعمل على تعديل السلوك مع إشراك ولي الأمر ضمن إطار تحمل المسؤولية.
يرفع التنمر الإلكتروني
أكدت سامية نوح، معلمة نظام فصل أن “استخدام الأجهزة الذكية داخل المؤسسات التعليمية أصبح ضرورة لمواكبة التطور، فهي توفر مصادر تعلم متنوعة وتساعد على البحث والتفاعل وتنمية المهارات الرقمية. ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون بديلاً كاملاً عن الكتاب الورقي والقلم، لأن الكتابة اليدوية تعزز الفهم والتركيز وتنمي مهارات التفكير".
وتابعت "أنا مع تقنين استخدامها وليس حظرها، بحيث تُستخدم في أوقات وأنشطة تعليمية محددة وتحت إشراف المعلم، مع وضع ضوابط واضحة تمنع إساءة الاستخدام وتحافظ على الانضباط داخل المدرسة".
وأشارت إلى أن التعليم الورقي لا يزال يمتلك قيمة في تحسين التركيز والاستيعاب وتنمية مهارات الكتابة والتلخيص، لذلك لا يمكن الاستغناء عنه. لكن الاعتماد عليه وحده قد يحرم الطالب من الاستفادة من التقنيات الحديثة التي تسهل الوصول إلى المعلومات وتوفر وسائل تعليم تفاعلية. لذا فإن أفضل حل هو الجمع بين التعليم الورقي واستخدام الأجهزة الذكية بشكل متوازن، لأن هذا الدمج يرفع مستوى التحصيل الدراسي ويكسب الطالب مهارات أكاديمية ورقمية في الوقت نفسه".
واقترحت استخدام الأجهزة في الوصول إلى المكتبات الإلكترونية، ومشاهدة الدروس التعليمية، وإجراء الاختبارات الإلكترونية، والتعاون في المشاريع، واستخدام التطبيقات التي تنمي المهارات العلمية واللغوية. كما تساعد على التعلم الذاتي ومتابعة الواجبات بسهولة. ومع ذلك، يجب ألا تحل محل الكتاب الورقي والقلم، لأن تدوين الملاحظات والقراءة الورقية يسهمان في تثبيت المعلومات وتنمية التفكير، ولذلك ينبغي أن يكون استخدامها مكملاً للتعليم التقليدي وليس بديلاً عنه.
وأضافت "يلعب الأستاذ دورًا أساسيًا في توعية الطلاب بالاستخدام المسؤول للأجهزة الذكية، من خلال توضيح أوقات استخدامها وأهدافها التعليمية، والتنبيه إلى مخاطر إساءة الاستخدام والانشغال بها أثناء الدرس. كما يغرس قيم احترام الخصوصية وعدم تصوير الآخرين أو استخدام الأجهزة فيما يضر الزملاء. وفي الوقت نفسه يشجع الطلاب على الاعتماد على الكتاب الورقي والقلم في تدوين الملاحظات، مما يحقق التوازن بين الاستفادة من التقنية والمحافظة على أساليب التعلم التقليدية".
وأشارت إلى أن الاستخدام غير المنظم يسهم في زيادة التنمر الإلكتروني، مثل نشر الصور دون إذن أو إرسال رسائل مسيئة أو تداول الشائعات بين الطلاب. لذلك فإن وجود ضوابط واضحة ورقابة من المدرسة وتوعية مستمرة يقلل من هذه المشكلات. كما أن تعزيز التواصل المباشر داخل الصف والاعتماد على الأنشطة الورقية والجماعية يساعد في بناء علاقات إيجابية بين الطلاب، ويحد من الآثار السلبية للاستخدام الخاطئ للتقنية.
ورأت أن "فرض العقوبات المالية يجب أن يكون آخر الحلول، وأفضل أن تبدأ المدرسة بالتوعية والإنذار والإجراءات التربوية قبل اللجوء إلى الغرامة. فإذا تكرر المخالفة أو ترتب عليها ضرر للآخرين، فقد تكون هناك حاجة إلى عقوبات مناسبة تحقق الانضباط، مع إشراك ولي الأمر في متابعة سلوك الطالب. والهدف ليس العقاب بحد ذاته، وإنما ترسيخ الاستخدام المسؤول للأجهزة الذكية".
أداة فعالة
أكدت منار البقالي، معلمة اللغة الإنجليزية أن الحظر الكامل لاستخدام الأجهزة الذكية داخل المؤسسات التعليمية لا يواكب التحول الرقمي، ويخلق فجوة بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة وما يعيشه في حياته اليومية، موضحة أن الأجهزة الذكية ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل يمكن أن تكون أداة تعليمية فعالة إذا ما استخدمت ضمن ضوابط واضحة.
وأضافت أن دمج التكنولوجيا يسهم في رفع دافعية الطلبة للتعلم، خاصة أن الجيل الحالي نشأ في بيئة رقمية، ما يجعل الاقتصار على أساليب التعليم التقليدية أقل قدرة على جذب اهتمامهم. واشارت إلى أن المحتوى الرقمي يساعد بعض الطلبة، لاسيما ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، على التركيز والتفاعل بصورة أكبر، مؤكدة في الوقت نفسه أن الكتابة اليدوية لا تزال تحتفظ بأهميتها وأن المطلوب هو تحقيق التوازن بين الوسائل التقليدية والرقمية.
وأوضحت أن توظيف الأجهزة الذكية يمكن أن يركز على جعل الطالب منتجاً للمحتوى بدلاً من أن يكون مستهلكاً له، من خلال استخدام السبورة الإلكترونية لعرض منظمات بصرية تفاعلية تساعد الطلبة على ترتيب أفكارهم قبل الكتابة، والاستفادة من القواميس الإلكترونية وبنوك المفردات أثناء الحصة، إلى جانب تنفيذ أنشطة جماعية يتعاون خلالها الطلبة على إعداد خطط لموضوعات تعبيرية وعرضها ومناقشتها داخل الصف.
ورأت أن دور المعلم لم يعد يقتصر على نقل المعرفة بل أصبح موجها للعملية التعليمية، مشيرة إلى أهمية وضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة بالتعاون مع الطلبة والالتزام باستخدامها لتحقيق أهداف تعليمية محددة مع إغلاقها فور الانتهاء من المهمة المطلوبة.
وفيما يتعلق بالآثار السلبية، حذرت البقالي من أن غياب الإشراف والتوعية قد يفتح المجال لاستخدام الأجهزة في ممارسات غير مناسبة داخل المدرسة، مثل التصوير أو تبادل الرسائل. وأكدت أن الحد من هذه السلوكيات يتطلب تأمين شبكة الإنترنت المدرسية بحيث تقتصر على المنصات التعليمية، إلى جانب تعزيز برامج التوعية بالمواطنة الرقمية وأخلاقيات الاستخدام.
وفيما يخص تأثير الأجهزة الذكية على مهارات الكتابة، قالت إن الاعتماد العشوائي على التصحيح التلقائي والاختصارات والرموز التعبيرية أدى إلى تراجع مهارات الإملاء وصياغة الجمل والكتابة اليدوية لدى بعض الطلبة. لكنها أشارت إلى أن استخدام المنظمات البصرية الإلكترونية قبل الشروع في الكتابة يساعد الطلبة على تنظيم أفكارهم وربطها بصورة منطقية، ما ينعكس إيجاباً على جودة الكتابة سواء أُنجزت على الورق أو باستخدام الوسائط الرقمية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك