العدد : ١٧٦٤٨ - السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٨ - السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

العقل الإيراني وموقف «حافة الهاوية»

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

بناءً‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬المتاحة،‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬موقف‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الحالي‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬بعد‭ ‬فشل‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬الهش،‭ ‬بأنه موقف‭ ‬متناقض‭ ‬وضاغط،‭ ‬باتجاه‭ ‬‮«‬حافة‭ ‬الهاوية‮»‬،‭ ‬يسير‭ ‬فيه‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬حبل‭ ‬مشدود‭ ‬بين‭ ‬إظهار‭ ‬القوة‭ ‬وتجنب‭ ‬السقوط،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬خانقة‭ ‬وهشاشة‭ ‬داخلية‭.‬

إنَّ‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬هو‭ ‬استهدافها‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬شريان‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬إذ‭ ‬بحسب‭ ‬مصادر‭ ‬عديدة‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬العالم‭ ‬مثيلا‭ ‬لهذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬التعطيل‭ ‬للإمدادات‭ ‬النفطية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬حتى‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭. ‬

وتشير‭ ‬آخر‭ ‬التطورات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬قد‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬المتبادل،‭ ‬إذ‭ ‬تتبادل‭ ‬الضربات‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران،‭ ‬ولكن‭ ‬التبادل‭ ‬يأخذ‭ ‬مسارات‭ ‬متعاكسة،‭ ‬إذ‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الموجعة‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬تقابلها‭ ‬هجمات‭ ‬إيرانية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وبالأخص‭ ‬الكويت‭ ‬والبحرين،‭ ‬والأردن،‭ ‬بذريعة‭ ‬أنها‭ ‬تستهدف‭ ‬مصالح‭ ‬أمريكية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توجيه‭ ‬طلقة‭ ‬واحدة‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الأساطيل‭ ‬الأمريكية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬البحر،‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬سواحلها‭ ‬الطويلة‭.‬

حتى‭ ‬الآن،‭ ‬خسرت‭ ‬إيران‭ ‬كل‭ ‬أوراقها‭ ‬التفاوضية،‭ ‬وبقيت‭ ‬ورقة‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الذي‭ ‬تستخدم‭ ‬سيطرتها‭ ‬الجزئية‭ ‬عليه‭ ‬بتعطيل‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬وتهديد‭ ‬الناقلات‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهي‭ ‬ورقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬رئيسية‭ ‬تستهدف‭ ‬بها‭ ‬إجبار‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭.‬

والملفت‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تعرّض‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬85‭%‬‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬الصناعية‭ ‬الدفاعية‭ ‬للقصف‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تمتلك‭ ‬مخزونا‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ولا‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الأنفاق‭ ‬والمنشآت‭ ‬تحت‭ ‬الأرض،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يمسها‭ ‬القصف‭ ‬الأمريكي‭-‬الإسرائيلي‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بمواصلة‭ ‬القتال‭ ‬وإطالة‭ ‬أمد‭ ‬الحرب،‭ ‬مع‭ ‬تبني‭ ‬قادتها‭ ‬خطابا‭ ‬متصلبا،‭ ‬معتبرين‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬انتصارا‭.‬

 

الانهيار‭ ‬الاقتصادي‭.. ‬نقطة‭ ‬

الضعف‭ ‬الأكثر‭ ‬إيلاما

الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬لإيران‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬اقتصادها‭ ‬المنهار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُضعف‭ ‬موقفها‭ ‬التفاوضي‭ ‬ويشكل‭ ‬تهديدًا‭ ‬وجوديًّا‭ ‬للنظام،‭ ‬إذ‭ ‬يشهد‭ ‬التضخم‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬بلغ‭ ‬88.6‭%‬‭ (‬Iran‭ ‬Inflation‭ ‬Hits‭ ‬88.6‭%‬‭ ‬in‭ ‬June‭ ‬2026‭: ‬SCI‭ ‬vs‭ ‬CBI‭ ‬Data‭ ‬and‭ ‬Key‭ ‬Drivers‭ - ‬News‭ ‬and‭ ‬Statistics‭ - ‬IndexBox‭)‬،‭ ‬وتضخم‭ ‬الغذاء‭ ‬إلى‭ ‬134‭%‬،‭ ‬مع‭ ‬زيادات‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬الزيوت‭ ‬278‭%‬،‭ ‬واللحوم‭ ‬178‭%‬،‭ ‬مع‭ ‬توقع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬انكماش‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لإيران‭ ‬بنسبة‭ ‬6‭.‬1‭%‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ (‬Irans‭ ‬Inflation‭ ‬Crisis‭ ‬Deepens‭ ‬as‭ ‬Food‭ ‬Prices‭ ‬Surge‭ ‬by‭ ‬Up‭ ‬to‭ ‬278‭ ‬Percent‭ - ‬Iran‭ ‬News‭ ‬Update‭).‬

ورغم‭ ‬التعتيم‭ ‬الشديد‭ ‬المفروض‭ ‬على‭ ‬الإعلام‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬فإن‭ ‬التسريبات‭ ‬المباشرة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬والصناعية‭ ‬المدمرة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحصار‭ ‬البحري،‭ ‬إلى‭ ‬شل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬إذ‭ ‬يعاني‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬الأدوية‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة،‭ ‬ويرى‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬أوصلتهم‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬تغييرًا‭ ‬إيجابيًّا‭.‬

لقد‭ ‬استنفد‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬قوته،‭ ‬بمن‭ ‬فيه‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬معارضين‭ ‬للنظام،‭ ‬وأصبح‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬وليس‭ ‬التغيير‭ ‬السياسي،‭ ‬مع‭ ‬شعور‭ ‬واسع‭ ‬باليأس‭ ‬والإحباط‭ ‬بسبب‭ ‬تدهور‭ ‬الأوضاع‭ ‬المعيشية؛‭ ‬وزادت‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬استمرار‭ ‬النظام‭ ‬أو‭ ‬انهياره‭ ‬أمرًا‭ ‬أقل‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭.‬

وصف‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬تشاتام‭ ‬هاوس‮»‬‭ ‬للدراسات‭ ‬الوضع‭ ‬الإيراني‭ ‬الداخلي‭ ‬الحالي‭ ‬بأنه‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬حرب‭ ‬ولا‭ ‬سلام‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬يسود‭ ‬توازن‭ ‬هش‭ ‬وقابل‭ ‬للانفجار‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭.‬

لذلك‭ ‬يواجه‭ ‬النظام‭ ‬تحديًا‭ ‬وجوديًّا؛‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬تحمل‭ ‬تبعات‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬قوة‭ ‬عظمى،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن‭ ‬يعني‭ ‬استمرار‭ ‬الانهيار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انتفاضات‭ ‬شعبية‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬قادة‭ ‬إيران‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنهم‭ ‬امتلكوا‭ ‬اليد‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬ما‭ ‬جعلهم‭ ‬أكثر‭ ‬تشددًا‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭.‬

بموضوعية‭ ‬شديدة،‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬غير‭ ‬واقعية،‭ ‬إذ‭ ‬الكلفة‭ ‬الإيرانية‭ ‬للحرب‭ ‬على‭ ‬أمريكا‭ ‬وحلفائها‭ ‬أكبر‭ ‬حجمًا‭ ‬وأكثر‭ ‬خطرًا‭ ‬مما‭ ‬تتخيله‭ ‬عقول‭ ‬قيادات‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الحاكمة،‭ ‬وكلما‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬الحرب‭ ‬زادت‭ ‬معاناة‭ ‬إيران‭ ‬وليس‭ ‬أمريكا،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية؛‭ ‬إذ‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬الاختلال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الإيراني،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬الهش‭ ‬بين‭ ‬انتصار‭ ‬وهمي‭ ‬وواقع‭ ‬مرير‭.. ‬ولا‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬المعادلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬مجرد‭ ‬مَن‭ ‬يملك‭ ‬صواريخ‭ ‬أكثر،‭ ‬بل‭ ‬يراها‭ ‬فيمَن‭ ‬يملك‭ ‬هامش‭ ‬تحمل‭ ‬أكبر‭.‬

القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاءها‭ ‬يشعرون‭ ‬بالملل‭ ‬أو‭ ‬بالكلفة‭ ‬الباهظة،‭ ‬فيضطرون‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬أو‭ ‬الانسحاب،‭ ‬بل‭ ‬تتوقع‭ ‬وقوع‭ ‬مصادفات‭ ‬أو‭ ‬مفاجآت‭ ‬مثيرة‭ ‬غير‭ ‬محسوبة‭ ‬مع‭ ‬إطالة‭ ‬الوقت،‭ ‬مثل‭ ‬اختفاء‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬الساحة‭ ‬بعامل‭ ‬طبيعي‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬وانعكاس‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭. ‬

إنَّ‭ ‬استراتيجية‭ ‬إيران‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬‮«‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الاستنزاف‮»‬،‭ ‬والتحمل‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية،‭ ‬بها‭ ‬مغالطة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬موضوعية‭ ‬تقدير‭ ‬الواقع،‭ ‬وتغفل‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تنزف‭ ‬بشدة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬هذه‭. ‬وبينما‭ ‬يمكن‭ ‬لأمريكا‭ ‬تدوير‭ ‬قواتها‭ ‬وتزويدها‭ ‬من‭ ‬قواعد‭ ‬بعيدة،‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬تقاتل‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬وشعبها‭ ‬يتحمل‭ ‬وطأة‭ ‬العقوبات‭ ‬والحصار‭.. ‬وإن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاءها‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬يمتلكون‭ ‬اقتصادات‭ ‬متنوعة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬بينما‭ ‬يعتمد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬مورد‭ ‬النفط،‭ ‬وهو‭ ‬معرض‭ ‬للخطر‭ ‬الشديد؛‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬سينهار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬أكثر،‭ ‬وستتآكل‭ ‬قدراتها‭ ‬العسكرية‭ ‬بفعل‭ ‬الضربات‭ ‬المتكررة،‭ ‬وسيزداد‭ ‬الغضب‭ ‬الشعبي،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬داخلي‭ ‬ينهي‭ ‬النظام،‭ ‬وهو‭ ‬السيناريو‭ ‬الأسوأ‭ ‬الذي‭ ‬تخشاه‭ ‬القيادة‭.‬

 

العقلية‭ ‬الإيرانية‭.. ‬بين‭ ‬

الواقع‭ ‬والخطاب

من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬‮«‬العقلية‭ ‬الإيرانية‮»‬‭ ‬فجوة،‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬تصفه‭ ‬والخطاب‭ ‬الذي‭ ‬تتبناه،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حسابات‭ ‬خاطئة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬الواقع،‭ ‬بأن‭ ‬لديها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬كلفة‭ ‬الحرب‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬بينما‭ ‬الحسابات‭ ‬الواقعية‭ ‬قد تضطرها‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬صفقة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الحرب،‭ ‬لأن‭ ‬إيران‭ ‬ستكون‭ ‬منهكة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭.‬

إنَّ‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الإيراني‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬مثل‭ ‬التهديد‭ ‬بإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬قصف‭ ‬القواعد‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬عمليات دفاعية‭ ‬وانتقامية،‭ ‬وليست‭ ‬خطة‭ ‬لتحقيق‭ ‬نصر‭ ‬عسكري‭ ‬حاسم،‭ ‬وغاب‭ ‬عنه‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬إعلانه‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بأن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬هو‭ ‬فرض‭ ‬‮«‬كلفة‮»‬‭ ‬على‭ ‬الخصم،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الكلفة‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭ ‬تظل‭ ‬أكبر‭.‬

كما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬بمنطقه‭ ‬المتشدد،‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬المواجهة،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أي‭ ‬تراجع‭ ‬‮«‬هزيمة‮»‬‭.. ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬النظام‭ ‬عالقًا‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة،‭ ‬إذ‭ ‬كل‭ ‬تصعيد‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬معاناته،‭ ‬ولكن‭ ‬التراجع‭ ‬عنه‭ ‬يهدد‭ ‬شرعية‭ ‬النظام‭ ‬نفسه،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬قاعدته‭ ‬الصلبة‭.‬

إن‭ ‬معادلة‭ ‬‮«‬الكلفة‭ ‬مقابل‭ ‬الفائدة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بها‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬موضوعية؛‭ ‬لأنها‭ ‬تقارن‭ ‬كُلفة‭ ‬عسكرية‭ ‬فورية‭ ‬بأمل‭ ‬سياسي‭ ‬مستقبلي‭ ‬غير‭ ‬مؤكد،‭ ‬متجاهلةً‭ ‬الانهيار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬المستمر‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

نعم،‭ ‬إيران‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إلحاق‭ ‬أضرار‭ ‬جسيمة‭ ‬بالخصم،‭ ‬لكنها‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬فرض‭ ‬شروطها‭. ‬إنَّ‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يمر‭ ‬بالحرب‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الانهيار‭ ‬الداخلي،‭ ‬ويجعل‭ ‬النظام‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لخيارات‭ ‬التفاوض‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يراها‭ ‬البعض‭ ‬‮«‬مُذلة‮»‬،‭ ‬ولكنها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أقل‭ ‬الشرور‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭.‬

 

السؤال‭ ‬المحوري‭.. ‬الأساطيل‭ ‬

الأمريكية‭ ‬لا‭ ‬تُقصف

في‭ ‬إطار‭ ‬مؤشر‭ ‬حسابات‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬إيران‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تقديرها،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬محوري‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬توضيح‭ ‬موضوعي،‭ ‬هو‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تقصف‭ ‬إيران‭ ‬الأساطيل‭ ‬الأمريكية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬لرفع‭ ‬الكلفة‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتبادر‭ ‬فقط‭ ‬بقصف‭ ‬دول‭ ‬الخليج؟‭!‬

قبل‭ ‬البدء‭ ‬بالإجابة‭ ‬الموضوعية‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬نضع‭ ‬هنا‭ ‬احتمالا‭ ‬يجب‭ ‬عدم‭ ‬استبعاده،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بدأت‭ ‬الحرب‭ ‬بإرسال‭ ‬رسالة‭ ‬تهديد‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بعدم‭ ‬التهور‭ ‬بضرب‭ ‬أساطيلها‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬وإلا‭ ‬‮«‬سيكون‭ ‬العقاب‭ ‬شديدًا‮»‬‭.. ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬إجابات‭ ‬أكثر‭ ‬علمية‭ ‬عن‭ ‬سؤالنا‭ ‬المحوري‭ ‬هذا،‭ ‬نسردها‭ ‬هنا‭.‬

الإجابة‭ ‬المباشرة‭ ‬الأولى‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭ ‬أنَّ‭ ‬القصف‭ ‬المباشر‭ ‬للأسطول‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬ليس‭ ‬خيارًا‭ ‬سهلا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إيران؛‭ ‬فهو‭ ‬يمثل‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬‮«‬معركة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة‮»‬‭ ‬يُرجح‭ ‬أن‭ ‬تخسرها،‭ ‬بينما‭ ‬قصف‭ ‬القواعد‭ ‬والمصالح‭ ‬الأمريكية‭ (‬كما‭ ‬يدّعي‭ ‬الإعلام‭ ‬الإيراني‭) ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬المجاورة‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬غير‭ ‬المتماثلة‮»‬‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭.‬

إذن‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬الأسطول‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬المفتوح‭ ‬هي‭ ‬سيناريو‭ ‬تدرك‭ ‬القيادة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للفوز‭ ‬تقليديًّا‭ ‬فيها؛‭ ‬لأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تمتلك‭ ‬تفوقًا‭ ‬جويًّا‭ ‬وبحريًّا‭ ‬ساحقًا‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وأسطولها‭ ‬مجهز‭ ‬بأنظمة‭ ‬دفاع‭ ‬جوي‭ ‬متقدمة،‭ ‬وطائرات‭ ‬مقاتلة‭ ‬مثل‭ ‬F35‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬تهديدًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬للقوات‭ ‬البحرية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وخاصة‭ ‬قطعها‭ ‬البحرية‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لبحريتها‭.‬

إنَّ‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وخاصة‭ ‬قوات‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬زوارق‭ ‬سريعة‭ ‬صغيرة‭ ‬وصواريخ‭ ‬ساحلية،‭ ‬وهي‭ ‬فعالة‭ ‬في‮ ‬المياه‭ ‬الضيقة‭ ‬والمناطق‭ ‬الساحلية مثل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ولكنها‭ ‬تصبح‭ ‬ضعيفة‭ ‬وعرضة‭ ‬للخطر‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬فيها‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الشواطئ‭ ‬الإيرانية‭.‬

وبجانب‭ ‬قدراتها‭ ‬الصاروخية،‭ ‬تعد‭ ‬المواجهة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لإيران‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬السيطرة‭ ‬على مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يمثله‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬على‭ ‬موانئها‭ ‬وسواحلها‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬اقتصادي‭ ‬خطير،‭ ‬إذ‭ ‬الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للمضيق‭ ‬يشكل‭ ‬ميزة‭ ‬تكتيكية‭ ‬وجغرافية،‭ ‬كما‭ ‬يشكل‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬رئيسية‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭.‬

بإيجاز،‭ ‬إيران‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬قصف‭ ‬الأسطول‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬اختارت‭ ‬استراتيجية‭ ‬أكثر‭ ‬دهاءً،‭ ‬هي‭: ‬1‭- ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬بتركيز‭ ‬قوتها‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬2‭- ‬قصف‭ ‬القواعد‭ ‬والمنشآت‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬كورقة‭ ‬سياسية‭ ‬ورفع‭ ‬الكلفة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬لإجبار‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬والتنازل‭. ‬3‭- ‬بتحويل‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬المفتوح‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وإعلامية،‭ ‬تعمل‭ ‬كحرب‭ ‬نفسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تستهدف‭ ‬بث‭ ‬الرعب‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬الحلفاء‭ ‬وتعطيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهي‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬فاعلية‭ ‬عن‭ ‬الضربة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬بالتأكيد‭ ‬إلى‭ ‬انتصارات‭ ‬عسكرية‭ ‬ولا‭ ‬دبلوماسية،‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية‭.‬

الخلاصة‭.. ‬تؤكد‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬السيناريو‭ ‬الأكثر‭ ‬ترجيحًا‭ ‬للحرب،‭ ‬هو‭ ‬أنَّ‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬لا‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحارب‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬بقاء‭ ‬نظام‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭.. ‬وستبقى‭ ‬الحرب‭ ‬مستمرة،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬تظاهر‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بالقوة،‭ ‬وهو‭ ‬يسير‭ ‬على‭ ‬حبل‭ ‬مشدود‭ ‬ومتهالك،‭ ‬وسيستمر‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬في‭ ‬قراءاته‭ ‬غير‭ ‬الواقعية‭ ‬لمشاهد‭ ‬الحرب،‭ ‬حتى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حافة‭ ‬الهاوية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭... ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الخط‭ ‬الأحمر‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬سترفع‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬العلم‭ ‬الأبيض‭ ‬أمامه،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حماية‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬السقوط‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net‭  ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا