بناءً على المعلومات المتاحة، يمكن وصف موقف إيران في الصراع الحالي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد فشل اتفاق وقف إطلاق النار الهش، بأنه موقف متناقض وضاغط، باتجاه «حافة الهاوية»، يسير فيه النظام على حبل مشدود بين إظهار القوة وتجنب السقوط، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وهشاشة داخلية.
إنَّ ما يجعل هذه الحرب فريدة من نوعها هو استهدافها بشكل مباشر مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، وليس فقط أسعار النفط، إذ بحسب مصادر عديدة لم يشهد العالم مثيلا لهذا المستوى من التعطيل للإمدادات النفطية والاقتصادية حتى خلال حرب أكتوبر 1973.
وتشير آخر التطورات إلى أن المواجهة العسكرية قد دخلت مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل، إذ تتبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، ولكن التبادل يأخذ مسارات متعاكسة، إذ الضربات الأمريكية الموجعة على إيران تقابلها هجمات إيرانية على دول الخليج، وبالأخص الكويت والبحرين، والأردن، بذريعة أنها تستهدف مصالح أمريكية، من دون توجيه طلقة واحدة إلى مصادر النار في الأساطيل الأمريكية المنتشرة في البحر، بالقرب من سواحلها الطويلة.
حتى الآن، خسرت إيران كل أوراقها التفاوضية، وبقيت ورقة مضيق هرمز، الذي تستخدم سيطرتها الجزئية عليه بتعطيل الملاحة البحرية وتهديد الناقلات والاقتصاد العالمي، وهي ورقة استراتيجية رئيسية تستهدف بها إجبار واشنطن على تقديم تنازلات في المفاوضات.
والملفت أنه على الرغم من تعرّض أكثر من 85% من قدراتها الصناعية الدفاعية للقصف فإن إيران لا تزال تمتلك مخزونا من الصواريخ والطائرات المسيّرة، التي تصل إلى دول الخليج ولا تصل إلى إسرائيل، بالإضافة إلى شبكة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض، التي لم يمسها القصف الأمريكي-الإسرائيلي حتى الآن، ما يسمح لها بمواصلة القتال وإطالة أمد الحرب، مع تبني قادتها خطابا متصلبا، معتبرين أي اتفاق مع واشنطن انتصارا.
الانهيار الاقتصادي.. نقطة
الضعف الأكثر إيلاما
الوجه الآخر لإيران يكمن في اقتصادها المنهار، وهو ما يُضعف موقفها التفاوضي ويشكل تهديدًا وجوديًّا للنظام، إذ يشهد التضخم ارتفاعًا غير مسبوق بلغ 88.6% (Iran Inflation Hits 88.6% in June 2026: SCI vs CBI Data and Key Drivers - News and Statistics - IndexBox)، وتضخم الغذاء إلى 134%، مع زيادات هائلة في أسعار السلع الأساسية مثل الزيوت 278%، واللحوم 178%، مع توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإيران بنسبة 6.1% في عام 2026 (Iran’s Inflation Crisis Deepens as Food Prices Surge by Up to 278 Percent - Iran News Update).
ورغم التعتيم الشديد المفروض على الإعلام داخل إيران فإن التسريبات المباشرة تكشف عن معاناة الشعب في البنية التحتية المدنية والصناعية المدمرة، إلى جانب الحصار البحري، إلى شل الاقتصاد، إذ يعاني المواطن من نقص الأدوية وغلاء المعيشة، ويرى كثيرون أن الحرب أوصلتهم إلى حافة الهاوية من دون أن تحقق تغييرًا إيجابيًّا.
لقد استنفد الشعب الإيراني قوته، بمن فيه أولئك الذين كانوا معارضين للنظام، وأصبح التركيز على البقاء وليس التغيير السياسي، مع شعور واسع باليأس والإحباط بسبب تدهور الأوضاع المعيشية؛ وزادت الحرب من قسوة الحياة اليومية، ما جعل استمرار النظام أو انهياره أمرًا أقل أهمية من توفير لقمة العيش.
وصف مركز «تشاتام هاوس» للدراسات الوضع الإيراني الداخلي الحالي بأنه حالة «لا حرب ولا سلام»، إذ يسود توازن هش وقابل للانفجار في أي لحظة.
لذلك يواجه النظام تحديًا وجوديًّا؛ فمن جهة لا يستطيع تحمل تبعات حرب شاملة مع قوة عظمى، ومن جهة أخرى فإن استمرار الوضع الراهن يعني استمرار الانهيار الاقتصادي الذي قد يؤدي إلى انتفاضات شعبية. ورغم ذلك، يبدو أن قادة إيران يعتقدون أنهم امتلكوا اليد العليا في الحرب، ما جعلهم أكثر تشددًا في المفاوضات.
بموضوعية شديدة، تعد هذه المعادلة غير واقعية، إذ الكلفة الإيرانية للحرب على أمريكا وحلفائها أكبر حجمًا وأكثر خطرًا مما تتخيله عقول قيادات الحرس الثوري الحاكمة، وكلما طال أمد الحرب زادت معاناة إيران وليس أمريكا، وهذا أمر بالغ الأهمية؛ إذ يصل إلى جوهر الاختلال الاستراتيجي في العقل الإيراني، الذي لا يرى هذا التوازن الهش بين انتصار وهمي وواقع مرير.. ولا يرى أن المعادلة ليست في مجرد مَن يملك صواريخ أكثر، بل يراها فيمَن يملك هامش تحمل أكبر.
القيادة الإيرانية ترى أن إطالة أمد الحرب قد تجعل الولايات المتحدة وحلفاءها يشعرون بالملل أو بالكلفة الباهظة، فيضطرون إلى التفاوض أو الانسحاب، بل تتوقع وقوع مصادفات أو مفاجآت مثيرة غير محسوبة مع إطالة الوقت، مثل اختفاء الرئيس ترامب من الساحة بعامل طبيعي أو غيره، وانعكاس ذلك على المشهد السياسي والعسكري.
إنَّ استراتيجية إيران القائمة على «إطالة أمد الحرب» أو «حرب الاستنزاف»، والتحمل إلى حافة الهاوية، بها مغالطة كبيرة في موضوعية تقدير الواقع، وتغفل عن أن إيران هي التي تنزف بشدة في حرب الاستنزاف هذه. وبينما يمكن لأمريكا تدوير قواتها وتزويدها من قواعد بعيدة، فإن إيران تقاتل على أراضيها، وشعبها يتحمل وطأة العقوبات والحصار.. وإن الولايات المتحدة وحلفاءها في الخليج يمتلكون اقتصادات متنوعة وقادرة على الصمود، بينما يعتمد الاقتصاد الإيراني على مورد النفط، وهو معرض للخطر الشديد؛ ومع مرور الوقت سينهار الاقتصاد الإيراني أكثر، وستتآكل قدراتها العسكرية بفعل الضربات المتكررة، وسيزداد الغضب الشعبي، ما قد يؤدي إلى انهيار داخلي ينهي النظام، وهو السيناريو الأسوأ الذي تخشاه القيادة.
العقلية الإيرانية.. بين
الواقع والخطاب
من كل ذلك يتضح أن في «العقلية الإيرانية» فجوة، بين الواقع الذي تصفه والخطاب الذي تتبناه، أي أن هناك حسابات خاطئة في تقدير الواقع، بأن لديها قدرة على تحمل كلفة الحرب أكبر مما هي عليه في الواقع. بينما الحسابات الواقعية قد تضطرها إلى قبول صفقة غير متكافئة إذا استمرت الحرب، لأن إيران ستكون منهكة إلى درجة عدم القدرة على الاستمرار.
إنَّ الخلل في قراءة الواقع في العقل الإيراني يؤدي إلى خلل في الحسابات الاستراتيجية التي تعمل بها في الحرب، مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو قصف القواعد الأمريكية في الخليج، التي هي في النهاية عمليات دفاعية وانتقامية، وليست خطة لتحقيق نصر عسكري حاسم، وغاب عنه ما تم إعلانه في البداية بأن الهدف من استراتيجيتها هو فرض «كلفة» على الخصم، رغم أن الكلفة على إيران نفسها تظل أكبر.
كما يبدو أن الحرس الثوري، بمنطقه المتشدد، يصر على سياسة المواجهة، معتبرًا أي تراجع «هزيمة».. وهذا يجعل النظام عالقًا في حلقة مفرغة، إذ كل تصعيد يزيد من معاناته، ولكن التراجع عنه يهدد شرعية النظام نفسه، وخاصة في نظر قاعدته الصلبة.
إن معادلة «الكلفة مقابل الفائدة» التي تعمل بها القيادة الإيرانية لا تبدو موضوعية؛ لأنها تقارن كُلفة عسكرية فورية بأمل سياسي مستقبلي غير مؤكد، متجاهلةً الانهيار الاقتصادي والاجتماعي المستمر على أرض الواقع.
نعم، إيران تمتلك القدرة على إلحاق أضرار جسيمة بالخصم، لكنها غير قادرة على كسب الحرب أو حتى فرض شروطها. إنَّ كل يوم يمر بالحرب هو يوم أقرب إلى الانهيار الداخلي، ويجعل النظام أكثر عرضة لخيارات التفاوض التي قد يراها البعض «مُذلة»، ولكنها قد تكون أقل الشرور بالنسبة إليه.
السؤال المحوري.. الأساطيل
الأمريكية لا تُقصف
في إطار مؤشر حسابات الربح والخسارة التي فقدت إيران القدرة على تقديرها، يبرز سؤال محوري بحاجة إلى توضيح موضوعي، هو: لماذا لا تقصف إيران الأساطيل الأمريكية المنتشرة في الخليج لرفع الكلفة على الولايات المتحدة، وتبادر فقط بقصف دول الخليج؟!
قبل البدء بالإجابة الموضوعية عن هذا السؤال نضع هنا احتمالا يجب عدم استبعاده، هو أنه من الممكن أن الولايات المتحدة بدأت الحرب بإرسال رسالة تهديد مباشرة إلى النظام الإيراني بعدم التهور بضرب أساطيلها في البحر وإلا «سيكون العقاب شديدًا».. ولكن هناك إجابات أكثر علمية عن سؤالنا المحوري هذا، نسردها هنا.
الإجابة المباشرة الأولى عن هذا السؤال هو أنَّ القصف المباشر للأسطول الأمريكي في الخليج ليس خيارًا سهلا بالنسبة إلى إيران؛ فهو يمثل مواجهة مباشرة في «معركة غير متكافئة» يُرجح أن تخسرها، بينما قصف القواعد والمصالح الأمريكية (كما يدّعي الإعلام الإيراني) في دول الخليج المجاورة هو جزء من استراتيجية «الحرب غير المتماثلة» للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.
إذن المواجهة المباشرة مع الأسطول الأمريكي في البحر المفتوح هي سيناريو تدرك القيادة العسكرية الإيرانية أنها غير قابلة للفوز تقليديًّا فيها؛ لأن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا جويًّا وبحريًّا ساحقًا في المنطقة، وأسطولها مجهز بأنظمة دفاع جوي متقدمة، وطائرات مقاتلة مثل F35 التي تشكل تهديدًا كبيرًا للقوات البحرية الإيرانية، وخاصة قطعها البحرية الصغيرة التي تشكل العمود الفقري لبحريتها.
إنَّ نقطة ضعف القوات البحرية الإيرانية، وخاصة قوات الحرس الثوري، متمثلة في اعتمادها على زوارق سريعة صغيرة وصواريخ ساحلية، وهي فعالة في المياه الضيقة والمناطق الساحلية مثل مضيق هرمز، ولكنها تصبح ضعيفة وعرضة للخطر في المياه المفتوحة التي تعمل فيها حاملات الطائرات الأمريكية بعيدًا عن الشواطئ الإيرانية.
وبجانب قدراتها الصاروخية، تعد المواجهة الحقيقية لإيران هي التي تدور حول السيطرة على مضيق هرمز، وليس في عرض البحر، رغم ما يمثله الحصار البحري على موانئها وسواحلها من ضغط اقتصادي خطير، إذ الموقع الاستراتيجي للمضيق يشكل ميزة تكتيكية وجغرافية، كما يشكل ورقة ضغط رئيسية على طاولة المفاوضات.
بإيجاز، إيران بدلا من قصف الأسطول الأمريكي في عرض البحر اختارت استراتيجية أكثر دهاءً، هي: 1- اللعب على أرضها بتركيز قوتها في مضيق هرمز. 2- قصف القواعد والمنشآت الاقتصادية في دول الخليج كورقة سياسية ورفع الكلفة الاقتصادية، لإجبار واشنطن على التفاوض والتنازل. 3- بتحويل ساحة المعركة من البحر المفتوح إلى ساحة اقتصادية وإعلامية، تعمل كحرب نفسية واقتصادية تستهدف بث الرعب في قلوب الحلفاء وتعطيل الاقتصاد العالمي، وهي ورقة ضغط لا تقل فاعلية عن الضربة العسكرية المباشرة، لكنها لا تؤدي بالتأكيد إلى انتصارات عسكرية ولا دبلوماسية، في الحالة الإيرانية.
الخلاصة.. تؤكد هذه القراءة السيناريو الأكثر ترجيحًا للحرب، هو أنَّ الحرس الثوري لا يدافع عن الدولة الإيرانية، بقدر ما يحارب دفاعًا عن بقاء نظام الجمهورية الإسلامية.. وستبقى الحرب مستمرة، مع استمرار تظاهر النظام الإيراني بالقوة، وهو يسير على حبل مشدود ومتهالك، وسيستمر الحرس الثوري في قراءاته غير الواقعية لمشاهد الحرب، حتى الوصول إلى «حافة الهاوية»، وهي لحظة ما قبل سقوط النظام... وهذا هو الخط الأحمر الوحيد الذي سترفع القيادة الإيرانية العلم الأبيض أمامه، من أجل حماية النظام من السقوط.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك