7 شباب بحرينيين حولوا بيتا تاريخيا إلى منصة وطنية للإبداع والقيادة في وقت قياسي
الذكاء الاصطناعي يدخل النسخة السادسة.. وأكثر من 200 متقدم لـ«لامع جونيور»

تغطية: مروة أحمد
تصوير: علي سلمان
في أحد أزقة مدينة المحرق العريقة، يقف بيت تراثي شامخًا بين البيوت القديمة، محتفظًا بملامحه البحرينية الأصيلة وجدرانه التي شُيدت من حجارة البحر ورماله، لكنه اليوم لا يروي حكايات الماضي وحدها، بل يكتب قصة جديدة عنوانها الاستثمار في الإنسان وصناعة القيادات الشابة. هنا في «بيت لامع»، يلتقي الماضي بالحاضر، وتتحول الهوية الوطنية إلى مشروع عملي لبناء جيل قادر على قيادة المستقبل.
وخلال جولة لـ«أخبار الخليج» داخل البيت الذي افتتح أبوابه مؤخرًا ليكون المقر الرسمي للمشروع الوطني «لامع»، بدت تفاصيل المكان شاهدة على رؤية تتجاوز فكرة إنشاء مقر إداري، إلى تأسيس حاضنة وطنية تجمع نخبة الشباب البحريني في بيئة ملهمة للإبداع والتدريب وصناعة المبادرات.
البيت التراثي الذي ظل لسنوات جزءًا من ذاكرة المحرق، أصبح اليوم منطلقًا لقصص نجاح جديدة، ومكانًا يلتقي فيه خريجو «لامع» وأعضاؤه لتبادل الخبرات، وصناعة الأفكار، ووضع الخطط التي تستثمر في طاقات الشباب، في نموذج يجمع بين الأصالة والتجديد.
حلم تحول إلى واقع
داخل مجلس «بيت لامع»، استعرضت لطيفة بوحجي، عضو اللجنة التنفيذية للمشروع، رحلة ولادة هذا المكان، مؤكدة أن الفكرة بدأت بمبادرة من الشيخة ضوى بنت خالد آل خليفة، عضو المجلس الوطني للفنون، رئيس مجلس إدارة المشروع الوطني «لامع»، التي رأت أهمية وجود مقر دائم يجمع اللامعين في مكان واحد، يحتضن برامجهم وورشهم وأنشطتهم، ويكون امتدادًا للهوية الوطنية التي يقوم عليها المشروع.
وتوضح بوحجي أن اختيار المحرق لم يكن خيارًا عابرًا، فهذه المدينة تحمل ذاكرة البحرين وتاريخها، وكان من الطبيعي أن يحتضن أحد بيوتها التاريخية مشروعًا يعنى ببناء مستقبل الشباب.
لكن تحويل بيت تراثي إلى مقر حديث لم يكن مهمة سهلة، إذ فرضت طبيعة المبنى واشتراطات هيئة البحرين للثقافة والآثار تحديات كبيرة، تتطلب المحافظة على جميع التفاصيل المعمارية وعدم المساس بالهوية التاريخية للمكان.
ورغم ذلك، تمكن الفريق التنفيذي من إنجاز المهمة مع الالتزام الكامل بالمعايير الفنية، ليحافظ البيت على روحه القديمة، ويكتسب في الوقت نفسه وظائف جديدة تخدم الشباب.
سبعة شباب... وإنجاز كبير
ربما تكون أكثر القصص إثارة داخل «بيت لامع» هي أن المشروع لم ينفذه مكتب هندسي أو شركة متخصصة، بل سبعة شباب بحرينيين فقط.
وتؤكد بوحجي أن الفريق التنفيذي لم يكن يضم مهندسين أو متخصصين في العمارة، وإنما ضم شبابًا آمنوا بالفكرة، وقرروا خوض التحدي حتى النهاية.
وتقول: إن الطريق لم يكن سهلًا، فكل خطوة كانت تحتاج إلى دراسة دقيقة حتى لا تتأثر القيمة التاريخية للمبنى، إلا أن روح الفريق والإصرار على النجاح جعلا المشروع يرى النور في الوقت المحدد، ليصبح شعار «من هنا ينطلق الإبداع» ترجمة حقيقية لما تحقق على أرض الواقع.
أكثر من مقر
ولا يقتصر دور «بيت لامع» على كونه مقرًا إداريًا، إذ صُمم ليكون مساحة مفتوحة للشباب، تستضيف الورش التدريبية والفعاليات واللقاءات الفكرية، كما خصصت ساحاته المفتوحة لأنشطة متنوعة، بينها جلسات اليوغا، إلى جانب استخدامه لعقد اجتماعات الهيئة ورسم خططها المستقبلية.
وتؤكد بوحجي أن المشروع يضع الهوية الوطنية في مقدمة أولوياته، إلى جانب تنمية المهارات القيادية والثقافية والاجتماعية، انطلاقًا من قناعة بأن القائد الحقيقي هو من يجمع بين المعرفة والانتماء.
كما أشادت بالدعم الذي حظي به المشروع من وزيرة شؤون الشباب روان بنت نجيب توفيقي، التي أسهمت في تذليل التحديات، إلى جانب الشيخة ضوى بنت خالد آل خليفة، التي أهدت البيت عددًا من لوحاتها الفنية، لتضيف إليه بعدًا ثقافيًا وفنيًا ينسجم مع رسالته.
هوية وطنية
ويؤكد فهد العيش، قائد الفريق التنفيذي للمشروع، أن فكرة «بيت لامع» انطلقت من الحاجة إلى إيجاد مساحة يشعر فيها الشباب بالانتماء، تجمع بين الإرث البحريني وأدوات المستقبل.
ويشير إلى أن المحافظة على الهوية الوطنية لم تكن مجرد شعار، بل أصبحت معيارًا في كل تفاصيل المشروع، من اختيار البيت، مرورًا بطريقة ترميمه، وصولًا إلى البرامج التي يحتضنها.
وأضاف أن المشروع يمثل دليلًا واضحًا على قدرة الشباب البحريني على الإنجاز، إذ نجح سبعة أفراد فقط في إنجاز مشروع بهذا الحجم، رغم التحديات الفنية والزمنية، ليكون البيت شاهدًا على ما يستطيع الشباب تحقيقه عندما يحظون بالثقة.
مصنع للقادة
من جانبه، أكد بدر الأمير، خريج الدفعة الثانية وعضو هيئة «لامع»، أن المشروع الوطني الذي انطلق عام 2021 بتوجيهات سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، يقوم على ثلاث ركائز رئيسية هي الاكتشاف، والصقل، والإبراز.
وأوضح أن المشروع نجح خلال ست نسخ في تخريج نحو 130 شابًا وشابة يمثلون نخبة الكفاءات الوطنية، بعد عملية اختيار دقيقة تركز على استقطاب أفضل العناصر القادرة على إحداث أثر في المجتمع.
وأشار إلى أن القيمة الحقيقية للبرنامج لا تكمن في عدد الخريجين، بل في التحول الذي يحدث في شخصية المشارك، من خلال مساعدته على اكتشاف نقاط القوة والضعف، وتعزيز مهارات القيادة، والتفكير الاستراتيجي، والعمل الجماعي، واتخاذ القرار.
وكشف الأمير أن النسخة السادسة ستشهد إدراج أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة عملية، ليتمكن المشاركون من استخدامها في البحث، وتحليل المعلومات، وتنظيم الأفكار، وتطوير المشاريع، بما يواكب التحولات العالمية.
وأضاف أن البرنامج يواصل تقديم حزمة من الدورات المتخصصة، تشمل التحليل الإداري، وصناعة السياسات، وفنون الخطابة والإلقاء، إلى جانب الاستفادة من شبكة واسعة من الشراكات المحلية والدولية التي فتحت أمام خريجي «لامع» فرصًا للعمل في مجالس إدارات وهيئات مختلفة.
ولفت إلى أن وجود وزيرة شؤون الشباب روان بنت نجيب توفيقي ضمن خريجي الفوج الأول يعد أحد أبرز الأمثلة على قدرة المشروع على إعداد قيادات وطنية تتولى مسؤوليات رفيعة.
تحديات الشباب
أما حسين باقر، خريج الدفعة الرابعة، فيرى أن أكبر تحديات الشباب اليوم تتمثل في غياب التوجيه الصحيح، مؤكدًا أن «لامع» يعمل على بناء رواية وطنية شبابية تعزز الانتماء، وتحمي الشباب من التأثيرات السلبية والأجندات الخارجية.
وأشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة رئيسية لتشكيل وعي الشباب، وهو ما يستدعي تعزيز التفكير النقدي، وترسيخ الهوية الوطنية، وتمكين الشباب من اتخاذ قراراتهم بصورة واعية.
بدوره، وصف محمد بودواس «لامع» بأنه محطة فارقة في مسيرته الشخصية والمهنية، لما وفره من برامج عملية في القيادة، وإدارة الأزمات، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، مؤكدًا أن المشروع يسهم في تحويل الطاقات إلى إنجازات حقيقية تخدم الوطن.
«لامع جونيور».. صناعة
القائد تبدأ مبكرًا
ولأن صناعة القادة تبدأ منذ الصغر، أطلقت الهيئة برنامج «لامع جونيور»، الذي يستهدف الفئة العمرية من 12 إلى 14 عامًا، ويحاكي تجربة المشروع الوطني في إعداد القيادات الناشئة.
وتوضح سيما جلال أن البرنامج، الذي ينطلق ضمن فعاليات مدينة شباب 2030، يمتد ستة أسابيع، ويتضمن ورشًا في القيادة، والتواصل، والعمل الجماعي، والعرض والتقديم، إلى جانب زيارات ميدانية لمؤسسات مختلفة ولقاءات مباشرة مع قيادات وطنية. وكشفت أن البرنامج استقطب أكثر من 200 طلب تسجيل، سيتم اختيار عشرين مشاركًا فقط منهم، وفق معايير دقيقة تعتمد على مهارات التواصل، والعمل الجماعي، والثقة بالنفس، ومستوى الثقافة العامة.
من هنا يبدأ المستقبل
وبين جدران بيت احتفظ بروحه التاريخية، يواصل «بيت لامع» كتابة فصل جديد من قصة الاستثمار في الإنسان البحريني. فهو ليس مجرد مبنى تراثي أعيد تأهيله، ولا مجرد مقر لمشروع شبابي، بل مساحة تتلاقى فيها الهوية الوطنية مع الإبداع، ويتحول فيها الحلم إلى مبادرة، والمبادرة إلى إنجاز، والموهبة إلى قيادة.
وفي الوقت الذي تتسارع فيه التحولات العالمية، يقدم «لامع» نموذجًا بحرينيًا يؤمن بأن بناء المستقبل يبدأ بإعداد الإنسان، وبأن تمكين الشباب لا يكون بالشعارات، وإنما بخلق بيئات تحتضن أفكارهم، وتصقل قدراتهم، وتمنحهم الثقة لصناعة الغد. ومن قلب المحرق، حيث تتجذر الذاكرة الوطنية، ينطلق اليوم مشروع يحمل رسالة واضحة: الاستثمار في الشباب هو الاستثمار الأهم، وصناعة القادة تبدأ من بيت اسمه «لامع».


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك