مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، بدأت بعض الملامح في البطولة تتشكل مبكرا من خلال بروز بعض الظواهر الفنية والرقمية اللافتة، إذ في الوقت الذي فرض فيه النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي نفسه بطلا مطلقا لمنتخب بلاده بعدما سجل جميع أهداف منتخب «التانغو» في أول مباراتين، ما فتح باب التساؤلات حول مدى قدرة الأرجنتين على مواصلة المشوار في حال غاب هدافها الأول عن التسجيل.
ومن جهة أخرى، قدمت المنتخبات الإفريقية مستويات تنافسية مميزة أمام كبار أوروبا، مستندة إلى قوة بدنية كبيرة وانضباط تكتيكي واضح، الأمر الذي أسهم في تقارب النتائج وفرض مباريات شديدة الندية، وبين الاعتماد على نجم استثنائي، وبروز المدارس الكروية الإفريقية بصورة متطورة، تبرز العديد من التساؤلات التي تستحق التوقف عندها في الأيام الأولى من المونديال.
أدوار ميسي متعددة
حتى الآن، خاض منتخب الأرجنتين مباراتين أمام منتخبي الجزائر والنمسا في كأس العالم 2026 وحقق الفوز فيهما، والأمر اللافت أن جميع أهداف المنتخب الخمسة جاءت بتوقيع نجمه الأول ليونيل ميسي فقد افتتح الأرجنتين مشواره بالفوز على منتخب الجزائر (3-0) عبر ثلاثية لميسي، ثم تغلب على النمسا (2-0) بفضل ثنائية أخرى من القائد الأرجنتيني.
وهنا يحق للجميع أن يتساءل: ماذا لو لم يسجل ميسي؟ ولكن الإجابة ليست بسيطة، ويمكن تناولها من عدة زوايا:
أولا: عدد الأهداف لا يعني أن الأرجنتين تعتمد كليا على ميسي، صحيح أن ميسي سجلها كلها، لكن صناعة الفرص لا تعتمد عليه وحده، فالأرجنتين تملك منظومة متكاملة تضم لاعبين قادرين على التسجيل مثل جوليان الفارز، لوتارو مارتينز، ونيكولاس، إضافة إلى خط وسط مميز في الإعداد وصناعة اللعب.
ثانيا: وجود ميسي من شأنه يمنح الفريق وطاقم الأجهزة الثقة قبل الأهداف، وجوده في الملعب لا يقتصر على التسجيل فقط، بل يجعل المنافسين يخصصون له رقابة مضاعفة، من شأنها تفتح المساحات أمام زملائه، زيادة على ذلك أن حضور ميسي كقائد قبل أن يكون هدافا وصانعا لها يمنح زملاءه هدوءا وثقة أكبر (جانب نفسي) في المباريات الكبيرة.
ثالثا: وهناك جانب لكنه يدعو الى القلق، إذ أن الاعتماد التهديفي الكامل على لاعب واحد ممثلا في ميسي أو غيره قد يصبح نقطة ضعف في الأدوار الإقصائية، فإذا تعرض ميسي لرقابة صارمة أو تراجع مستواه أو غاب لأي سبب، فسيكون على بقية اللاعبين إثبات قدرتهم على تحمل المسؤولية التهديفية.
رابعا: التاريخ يؤكد أن الألقاب الكبيرة لا تحسم بلاعب واحد، وكأس العالم مليء بالأمثلة التي تؤكد أن المنتخبات البطلة تحتاج إلى تعدد الحلول الهجومية، حتى الأرجنتين المتوجة في نسخة 2022 لم تعتمد على ميسي وحده، بل سجل لها لاعبون عدة في مختلف الأدوار.
لذلك، يمكن تغيير نغمة طرح السؤال ليكون أكثر دقة من: ماذا لو لم يسجل ميسي؟ ليكون: هل يمتلك منتخب الأرجنتين حلولا هجومية أخرى عندما يتوقف ميسي عن التسجيل؟
حتى الآن، الإجابة لم تظهر بوضوح، لأن ميسي تكفل بكل شيء على المستوى التهديفي، أما الاختبار الحقيقي للأرجنتين فقد يأتي في مباراة لا يسجل فيها قائدها، وعندها فقط سنعرف إن كان المنتخب بطلا متكاملا أم فريقا يعيش على عبقرية أعظم لاعبيه.
العامل البدني وأسباب أخرى
وعلى نطاق آخر يمكن القول إن العامل البدني كان أحد الأسباب التي أسهمت في تقارب نتائج بعض المباريات بين المنتخبات الإفريقية ونظيراتها الأوروبية، لكنه ليس السبب الوحيد. فالمنتخبات الإفريقية أظهرت في المباريات المذكورة قدرة كبيرة على فرض الإيقاع من خلال القوة الجسمانية والسرعة والاندفاع في الالتحامات الثنائية، وهو ما جعل منتخبات مثل إنجلترا أمام غانا (صفر- صفر) وألمانيا ضد ساحل العاج ( 2-1) والبرتغال أمام الكونغو الديمقراطية (1-1) والنرويج أمام السنغال (3-2) تجد نفسها في مواجهات شديدة التنافسية، بعيدة عن السيناريوهات التي قد تشهد تفوقا أوروبيا مريحا. وفي مباراة إنجلترا وغانا التي انتهت بالتعادل السلبي، بدا المنتخب الغاني قادرا على مجاراة الإنجليز بدنيا ومنعهم من إيجاد المساحات المعتادة. كما أن تقدم ساحل العاج على ألمانيا في الشوط الأول يعكس قدرة الأفارقة على فرض شخصيتهم في أجزاء من المباراة، فيما نجحت السنغال في إبقاء النتيجة متقاربة أمام النرويج حتى النهاية، وفرضت الكونغو الديمقراطية التعادل على البرتغال بفضل انضباطها وتماسكها البدني والتكتيكي.
لكن من المبالغة بمكان اختزال الأمر في القوة الجسمانية والالتحامات فقط، فالتقارب في النتائج يعود أيضا إلى عوامل أخرى، منها التنظيم الدفاعي، والانضباط التكتيكي، وسرعة التحولات الهجومية، والجرأة الذهنية التي دخلت بها المنتخبات الإفريقية هذه المواجهات. كما أن الكرة الإفريقية تطورت كثيرا على المستويين الفني والخططي، ولم تعد تعتمد على القدرات البدنية وحدها.
لذلك، يمكن القول إن القوة البدنية للمنتخبات الإفريقية لعبت دورا مهما في الحد من حرية المنتخبات الأوروبية وتقليص المساحات وإبطاء نسقها الهجومي، الأمر الذي أسهم في تقارب النتائج ومنع زيادة عدد الأهداف، لكنها جاءت ضمن منظومة متكاملة من الانضباط التكتيكي والجاهزية الفنية والذهنية، وليس كعامل منفرد. فالبطولة لاتزال في بدايتها، لكن المؤشرات الأولى تؤكد أن كأس العالم 2026 قد يكون مختلفا في كثير من تفاصيله، فالأرجنتين مطالبة بإثبات قدرتها على تنويع حلولها الهجومية وعدم رهن مصيرها بقدمي ميسي وحده، في حين أثبتت المنتخبات الإفريقية أنها لم تعد مجرد منافس عنيد بدنيا، بل أصبحت تمتلك من النضج الفني والتنظيمي ما يمكنها من مقارعة أقوى المنتخبات العالمية. وبين هاتين الظاهرتين، يبدو أن المونديال يتجه نحو مزيد من الإثارة والندية، وأن المفاجآت الكبرى ربما لا تزال في انتظار الجماهير.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك