العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

قضـايــا وحـــوادث

مبادئ أساسية لنجاح التنمية الاقتصادية

بقلم: د. عصام عبدالفتاح {

الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬أبرز‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬يحتدم‭ ‬الجدل‭ ‬حولها‭ ‬بين‭ ‬رجال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ورجال‭ ‬القانون‭ ‬وعلماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬والفلاسفة‭ ‬قضية‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬المصلحة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتطبيق‭ ‬العدالة‭. ‬وهي‭ ‬قضية‭ ‬مجتمعية‭ ‬وقانونية‭ ‬ذات‭ ‬جذور‭ ‬فلسفية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بفلسفة‭ ‬العدالة‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬القانوني‭. ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬اعتبارات‭ ‬الربحية‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تتغلب‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬انحرافات‭ ‬هيكلية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬عميقة‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬رجال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأعمال‭ ‬طالبوا‭ ‬مرارًا‭ ‬بضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تكامل‭ ‬بين‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأوامر‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬القانون‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مستقرًا‭ ‬ومزدهرًا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬نظام‭ ‬قضائي‭ ‬قوي‭ ‬وموثوق‭ ‬فيه‭ ‬يضمن‭ ‬تنفيذ‭ ‬العقود،‭ ‬ويحمي‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية،‭ ‬ويعاقب‭ ‬على‭ ‬الغش‭ ‬والاحتيال‭. ‬فالقانون‭ ‬التجاري‭ ‬مثلًا‭ ‬ينظم‭ ‬المعاملات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ويعزز‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاقتصاديين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬المشرع‭ ‬أن‭ ‬ينظم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بمصالح‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬في‭ ‬سعيهم‭ ‬لتحقيق‭ ‬الرخاء‭ ‬المادي‭ ‬باسم‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬ومبادئ‭ ‬العدالة‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬المشرع‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬غاية‭ ‬القانون‭ ‬وفقًا‭ ‬لنتائج‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬واتساقًا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يمليه‭ ‬عليه‭ ‬بحيث‭ ‬يتخذه‭ ‬لنفسه‭ ‬مرشدًا‭. ‬فعلى‭ ‬المشرع‭ ‬أن‭ ‬يوضح‭ ‬في‭ ‬تشريعاته‭ ‬أهدافها‭ ‬بجلاء‭ ‬لضمان‭ ‬اتساق‭ ‬النظام‭ ‬القانوني‭ ‬مع‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية،‭ ‬وأن‭ ‬يستعين‭ ‬بما‭ ‬يقدمه‭ ‬له‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬في‭ ‬قياسه‭ ‬لأثر‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬على‭ ‬السلوكيات‭ ‬وفاعليتها‭ ‬العملية‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور‭ ‬يمكن‭ ‬للتحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أن‭ ‬يسهل‭ ‬للمشرع‭ ‬عملية‭ ‬الإصلاح‭ ‬التشريعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحديد‭ ‬القوانين‭ ‬غير‭ ‬الفعالة‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬النتائج‭ ‬الضارة‭ ‬بالمنفعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وبإمكانه‭ ‬أيضا‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الربحية‭ ‬والمنفعة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

ويرى‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬أن‭ ‬أنجع‭ ‬الوسائل‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬التوفيق‭ ‬العسير‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬مفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬الراسخ‭ ‬في‭ ‬ذهنية‭ ‬المجتمعات‭ ‬وإحلال‭ ‬تعريف‭ ‬اقتصادي‭ ‬جديد‭ ‬لها‭ ‬محل‭ ‬القديم‭. ‬

لأن‭ ‬العدالة‭ ‬كما‭ ‬يرون‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬ليست‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬التغيير‭. ‬وثمة‭ ‬أمثلة‭ ‬توضح‭ ‬هذه‭ ‬النزعة‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬نراها‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭ ‬الأمريكية‭. ‬فلو‭ ‬افترضنا‭ ‬أن‭ ‬شركة‭ ‬صناعية‭ ‬عملاقة‭ ‬تقوم‭ ‬بعمليات‭ ‬تكرير‭ ‬وتوليد‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬ما‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬عملياتها‭ ‬تلويث‭ ‬المياه‭ ‬وإصابة‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة‭ ‬بأمراض‭ ‬مزمنة،‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬وفاة‭ ‬عشرين‭ ‬شخصًا‭ ‬سنويًا‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬حلين‭: ‬إما‭ ‬إغلاق‭ ‬المنشأة‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين،‭ ‬وإما‭ ‬الإبقاء‭ ‬عليها‭ ‬مع‭ ‬تعويض‭ ‬المواطنين‭ ‬عما‭ ‬يصيبهم‭ ‬بسببها‭ ‬من‭ ‬أضرار‭.‬

‭ ‬ولو‭ ‬افترضنا‭ ‬أن‭ ‬تعويض‭ ‬المواطنين‭ ‬ستبلغ‭ ‬كلفته‭ ‬عشرين‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا،‭ ‬وأن‭ ‬إغلاق‭ ‬المنشأة‭ ‬سيؤدى‭ ‬إلى‭ ‬خسارة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تقدر‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬فما‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬العادل؟

إن‭ ‬تحديد‭ ‬الحل‭ ‬العادل‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬لدى‭ ‬المجتمع‭ ‬وثقافته‭ ‬وقوانينه‭. ‬فقد‭ ‬تقضي‭ ‬العدالة‭ ‬بغلق‭ ‬المنشأة‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬حجم‭ ‬الخسارة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬تنصف‭ ‬قيمة‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬وتضعها‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الربحية‭ ‬المادية‭.‬

‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬مانعًا‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬مفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬وربطه‭ ‬بالربحية‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ازدهار‭ ‬البلد‭ ‬وزيادة‭ ‬ثرواته‭ ‬وحل‭ ‬مشكلة‭ ‬البطالة‭ ‬فيه،‭ ‬وهي‭ ‬فوائد‭ ‬مادية‭ ‬تفوق‭ ‬بكثير‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬تترتب‭ ‬على‭ ‬إغلاق‭ ‬المنشأة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬المشرع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تابعًا‭ ‬لأوامر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بوصفها‭ ‬مبادئ‭ ‬لعدالة‭ ‬جديدة‭.‬

فقد‭ ‬يتم‭ ‬باسم‭ ‬منطق‭ ‬الربحية‭ ‬السماح‭ ‬للقوى‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى‭ ‬بالإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬معينة،‭ ‬وقد‭ ‬ثبت‭ ‬بالفعل‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬تفضل‭ ‬احتساب‭ ‬كلفة‭ ‬الغرامات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بممارساتها‭ ‬المنافية‭ ‬للقانون‭ ‬ضمن‭ ‬نموذجها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬سلوكها،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬الأرباح‭ ‬المحققة‭ ‬تفوق‭ ‬قيمة‭ ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أهداف‭ ‬الإدارة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الربحية‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬إلى‭ ‬حس‭ ‬العدالة‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬القاضي‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المؤشرات‭ ‬الرقمية‭ ‬والإحصائية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬التدقيق‭ ‬المتأني‭ ‬والعادل‭ ‬فيما‭ ‬يعرض‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قضايا‭.‬

كان‭ ‬فيلسوف‭ ‬العدالة‭ ‬والإنصاف‭ ‬الأمريكي‭ ‬جون‭ ‬رولز‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النزعات‭ ‬التي‭ ‬تطيح‭ ‬بفضيلة‭ ‬العدالة‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬إن‭ ‬العدالة‭ ‬هي‭ ‬الفضيلة‭ ‬الأولى‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مطلق‭. ‬فالناس‭ ‬ذوات‭ ‬أخلاقية،‭ ‬أي‭ ‬كائنات‭ ‬عاقلة‭ ‬لها‭ ‬منظوماتها‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬الغايات‭ ‬والأهداف،‭ ‬وقادرة‭ ‬في‭ ‬اعتقادي‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬حس‭ ‬العدالة‮»‬،‭ ‬ويرتب‭ ‬رولز‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أسبقية‭ ‬العدل‭ ‬على‭ ‬القانون؛‭ ‬فلا‭ ‬يكون‭ ‬القانون‭ ‬قانونًا‭ ‬بحق‭ ‬إلا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحمي‭ ‬ويضمن‭ ‬معيار‭ ‬العدالة‭ ‬الذي‭ ‬يعترف‭ ‬بكرامة‭ ‬الإنسان‭. ‬

وفي‭ ‬ذلك‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬لكل‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬حرمة‭ ‬مصونة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬العدالة‭ ‬والقانون‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وهي‭ ‬حرمة‭ ‬لها‭ ‬الأولوية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬رفاهية‭ ‬جميع‭ ‬الآخرين‮»‬‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي‭ ‬

بكلية‭ ‬الآداب‭ ‬‭ ‬جامعة‭ ‬حلوان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا