من أبرز القضايا التي يحتدم الجدل حولها بين رجال الاقتصاد ورجال القانون وعلماء الاجتماع والفلاسفة قضية التوفيق بين المصلحة الاقتصادية وتطبيق العدالة. وهي قضية مجتمعية وقانونية ذات جذور فلسفية مرتبطة بفلسفة العدالة وعلم الاجتماع القانوني. هذه الإشكالية تكمن في أن اعتبارات الربحية والنمو الاقتصادي كثيرًا ما تتغلب على تطبيق القانون، وهو ما يؤدي في أغلب الأحيان إلى انحرافات هيكلية وأخلاقية عميقة.
والواقع أن رجال الاقتصاد والأعمال طالبوا مرارًا بضرورة أن يكون هناك تكامل بين الاعتبارات الاقتصادية والأوامر التي يفرضها القانون استنادًا إلى أن الاقتصاد لن يكون مستقرًا ومزدهرًا ما لم يكن هناك نظام قضائي قوي وموثوق فيه يضمن تنفيذ العقود، ويحمي حقوق الملكية، ويعاقب على الغش والاحتيال. فالقانون التجاري مثلًا ينظم المعاملات الاقتصادية ويعزز الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يشكل شرطًا أساسيًا للتنمية الاقتصادية.
ومن ثم ينبغي على المشرع أن ينظم النشاط الاقتصادي من دون المساس بمصالح الفاعلين الاقتصاديين في سعيهم لتحقيق الرخاء المادي باسم المصلحة العامة ومبادئ العدالة. كما يجب على المشرع أن يحدد غاية القانون وفقًا لنتائج التحليل الاقتصادي واتساقًا مع ما يمليه عليه بحيث يتخذه لنفسه مرشدًا. فعلى المشرع أن يوضح في تشريعاته أهدافها بجلاء لضمان اتساق النظام القانوني مع الاعتبارات الاقتصادية والمالية، وأن يستعين بما يقدمه له التحليل الاقتصادي من نتائج في قياسه لأثر القواعد القانونية على السلوكيات وفاعليتها العملية.
ومن هذا المنظور يمكن للتحليل الاقتصادي أن يسهل للمشرع عملية الإصلاح التشريعي من خلال تحديد القوانين غير الفعالة أو ذات النتائج الضارة بالمنفعة الاقتصادية وبإمكانه أيضا المساهمة في وضع قواعد جديدة أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الربحية والمنفعة الاقتصادية.
ويرى أصحاب الأعمال أن أنجع الوسائل لتحقيق هذا التوفيق العسير تتمثل في تغيير مفهوم العدالة الكلاسيكي الراسخ في ذهنية المجتمعات وإحلال تعريف اقتصادي جديد لها محل القديم.
لأن العدالة كما يرون هي في نهاية الأمر قيمة من القيم الأخلاقية ليست بمنأى عن التغيير. وثمة أمثلة توضح هذه النزعة كثيرًا ما نراها في الأفلام الأمريكية. فلو افترضنا أن شركة صناعية عملاقة تقوم بعمليات تكرير وتوليد النفط في منطقة ما وكان من آثار عملياتها تلويث المياه وإصابة سكان المنطقة بأمراض مزمنة، تتسبب في وفاة عشرين شخصًا سنويًا. ولم يكن هناك مفر من اللجوء إلى أحد حلين: إما إغلاق المنشأة حفاظًا على حياة المواطنين، وإما الإبقاء عليها مع تعويض المواطنين عما يصيبهم بسببها من أضرار.
ولو افترضنا أن تعويض المواطنين ستبلغ كلفته عشرين مليون دولار سنويًا، وأن إغلاق المنشأة سيؤدى إلى خسارة اقتصادية تقدر بأكثر من مليار دولار. فما هو الحل العادل؟
إن تحديد الحل العادل يتوقف على مفهوم العدالة لدى المجتمع وثقافته وقوانينه. فقد تقضي العدالة بغلق المنشأة حفاظًا على حياة الإنسان مهما كان حجم الخسارة الاقتصادية، وهو ما يعني أن العدالة تنصف قيمة حياة الإنسان وتضعها في مرتبة أعلى من قيمة الربحية المادية.
بيد أن عددًا كبيرًا من الاقتصاديين لا يرون مانعًا من تغيير مفهوم العدالة وربطه بالربحية المادية التي ستؤدي إلى ازدهار البلد وزيادة ثرواته وحل مشكلة البطالة فيه، وهي فوائد مادية تفوق بكثير الخسائر التي تترتب على إغلاق المنشأة ومن ثم يتعين على المشرع أن يكون تابعًا لأوامر الاقتصاد بوصفها مبادئ لعدالة جديدة.
فقد يتم باسم منطق الربحية السماح للقوى المالية الكبرى بالإفلات من العقاب الفعلي في حالات معينة، وقد ثبت بالفعل أن الشركات متعددة الجنسيات تفضل احتساب كلفة الغرامات المرتبطة بممارساتها المنافية للقانون ضمن نموذجها الاقتصادي بدلًا من تغيير سلوكها، طالما أن الأرباح المحققة تفوق قيمة العقوبات المفروضة.
يضاف إلى ذلك أن أهداف الإدارة القائمة على مبدأ الربحية وحده من دون اعتبار إلى حس العدالة الإنسانية من شأنها أن تدفع القاضي إلى التركيز على المؤشرات الرقمية والإحصائية بدلًا من التدقيق المتأني والعادل فيما يعرض عليه من قضايا.
كان فيلسوف العدالة والإنصاف الأمريكي جون رولز يحذر من مثل هذه النزعات التي تطيح بفضيلة العدالة إذ يقول: «إن العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية على نحو مطلق. فالناس ذوات أخلاقية، أي كائنات عاقلة لها منظوماتها الخاصة من الغايات والأهداف، وقادرة في اعتقادي على امتلاك حس العدالة»، ويرتب رولز على ذلك أسبقية العدل على القانون؛ فلا يكون القانون قانونًا بحق إلا بقدر ما يحمي ويضمن معيار العدالة الذي يعترف بكرامة الإنسان.
وفي ذلك يقول: «لكل عضو في المجتمع حرمة مصونة تستند إلى العدالة والقانون الطبيعي، وهي حرمة لها الأولوية على كل شيء، حتى على رفاهية جميع الآخرين».
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب – جامعة حلوان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك