لقد انتهى «حزب الله» في لبنان لأن محيطه خارج لبنان معادٍ له ويحمل ثارات ضده، إنها الحقيقة التي أدركها الإيرانيون فأصروا أن يكون لبنان ضمن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي وقّعها رئيسا الدولتين دونالد ترامب ومسعود بزشكيان الأربعاء الماضي.
لم يأت الإيرانيون على ذكر غزة ولا فلسطين ولا القدس، كدليل لكل من «ألقى السمع وهو شهيد»، بأن فلسطين ليست إلا شعاراً رفعته إيران كمبرر من مبررات عدة للتدخل في المنطقة العربية، لكن إيران أصرت على أن «الأطراف ستقوم باحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه»، ويا ترى، كم مرة وردت هذه العبارة في قرارات مجلس الأمن «احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه»، فماذا عن ورودها ضمن مذكرة تفاهم غير ملزمة أبداً الا لمن وقّعها؟
أصرت إيران على هذه الفقرة لأسباب ثلاثة: أولها رفع العتب عن الحزب ومؤيديه من ناحية، وثانيها إدراكها أن حزبها في لبنان قد انتهى، فللمرة الأولى تتدخل إيران، ولو لفظياً، لإنقاذه، فقد كان في السابق يتخذ قراراته المتهورة من خلال الزج بلبنان في حروب داخل سوريا ومع إسرائيل من دون تدخل إيراني مباشر، لكن هذه المرة مختلفة، فالحزب ينسحق وفي طريقه نحو الانهيار التام، وإيران تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه إن أمكن.
أما السبب الثالث والأهم لإيران فهو إنقاذ الحرس الثوري الإيراني الذي يقاتل، بل يقود معارك الحزب في لبنان، فقيادات الحزب جرت تصفيتها عبر البيجرات وقصف الضاحية والمقار عام 2024، ومخازنه وصواريخه ومسيراته وأسلحته تتآكل يومياً بالضربات الإسرائيلية.
انتهى «حزب الله» في لبنان لأن حاضنته الشعبية هناك من الشيعة، وبالذات شيعة الجنوب، لم تعد تطيق العيش في الشوارع مشردة بلا مأوى، وضحاياها بالآلاف، ومأساتها مرعبة، وأفرادها يعيشون بلا حياة كريمة، وقد تعرضت مدنهم وقراهم وضيعهم للدمار والإزالة، فقد جرهم الحزب نحو الحرب مع إسرائيل ثأراً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، فاحتلت إسرائيل الجنوب، واليوم ترفض الخروج منه ما لم يُجرد الحزب من سلاحه.
انتهى «حزب الله» في لبنان لأنه لم يعد يمتلك الحاضنة السياسية، فالثلث الذي كان يعطل به الحكومة وقراراتها أصبح شيئاً من الماضي، وللمرة الأولى منذ عقود تأتي في لبنان حكومة تتمرد على «بلطجة» الحزب على الدولة، فتفتح مطاراً جديداً في القليعات، وتطرد السفير الإيراني من بيروت، وتفتح حواراً مباشراً مع إسرائيل من أجل التوصل إلى سلام معها، وتطالب «حزب الله» الإيراني بتسليم سلاحه للدولة.
انتهى «حزب الله» في لبنان لأن محيطه خارج لبنان معادٍ له ويحمل ثارات ضده، فقد دخل في قتال مع إسرائيل ثأراً لمقتل المرشد علي خامنئي، وهو محاط شمالاً وشرقاً بسوريا المحررة من حليفه الأسد، الذي ارتكب الحزب المجازر ضد شعبه، من أجل تثبيت حكمه، في حلب والقصير والحولة ودمشق والغوطة وغيرها.
انتهى «حزب الله» الإيراني في لبنان لأن من كان يوصل إليه الصواريخ والسلاح والمأكل والمشرب، كما أكد حسن نصرالله، لم يعد قادراً على الوصول إليه، فموانئه محاصرة حتى الأمس، وطيرانه ممنوع من الهبوط في مطار بيروت، وسفارته بلا سفير، والأموال لدى الحزب حاليا شحيحة، ناهيك بأن إيصالها بالطرق التقليدية القديمة أصبح شبه مستحيل: طائرة تحمل حقائب الدولارات من طهران لتهبط في مطار بيروت، فيستقبلها عناصر الحزب الذين كانوا يسيطرون على المطار، ويودعونها في مؤسسة «القرض الحسن» لصرف معاشات كوادر الحزب وعائلات قتلاه، وكذلك فإن سوريا التي كان يعبر الإمداد من خلالها براً إلى لبنان، تحول دون وصول إيران إلى حزبها، فسوريا اليوم لم تعد كسوريا الأمس.
أما مليشيات الحشد العراقي فقادتها يتحسسون رقابهم، بعدما وصلتهم رسالة المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك بتسليم السلاح والانفكاك عن طهران وإلا..!
انتهى «حزب الله» الإيراني في لبنان لأن النفوذ الإيراني في المنطقة سوف يضمحل، وتتراجع قوته وقدرته، فـ«حماس» دُمرت، ومليشيات الحشد الشعبي بدأت بتسليم سلاحها للدولة، والضربات الأمريكية – الإسرائيلية خلال حرب مارس الماضي فعلت فعلها، وإيران اليوم تلملم ملفاتها الإقليمية، وتحاول الخروج من هذه الحرب بوجه لا يكشف حقيقتها، لكن الحقيقة التي لا يستطيع ولائيوها ومرتزقتها التغطية عليها، هي أنها اليوم مدمرة اقتصادياً وعسكرياً، وتحاول التقاط أنفاسها.
{ وزير الإعلام السابق في الكويت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك