العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

قضـايــا وحـــوادث

بمناسبة العام الهجري الجديد..
الحديث النبوي الشريف ونتائج دراسات علم النفس

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬مراجع‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬يحتلّ‭ ‬موضوع الانهيار‭ ‬النفسي‮ ‬موقعًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬النفسي‭ ‬المعاصر،‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬مجرد‭ ‬ظاهرة‭ ‬سريرية‭ ‬أو‭ ‬انفعالية،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يمسّ‭ ‬البنية‭ ‬الوجودية‭ ‬للإنسان‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬صميمها‭: ‬علاقته‭ ‬بنفسه،‭ ‬وبزمنه،‭ ‬وبقدرته‭ ‬على‭ ‬الفعل،‭ ‬وبالآخرين،‭ ‬وبالعالم‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الانهيار‭ ‬النفسي‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬المراجع‭ ‬الطبية‭ ‬تشخيصًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬قائمًا‭ ‬بذاته؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مصطلح‭ ‬شائع‭ ‬يُستخدم‭ ‬لوصف‭ ‬حالة‭ ‬يفقد‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬قدرته‭ ‬الاعتيادية‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬والعمل‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬جسدي‭ ‬وعاطفي‭ ‬شديدين،‭ ‬وقد‭ ‬يتداخل‭ ‬مع‭ ‬القلق،‭ ‬والاكتئاب،‭ ‬والاحتراق‭ ‬النفسي،‭ ‬واضطرابات‭ ‬التكيف‭. ‬

إلا‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬اللَّهُمَّ‭ ‬إِنِّي‭ ‬أَعُوذُ‭ ‬بِكَ‭ ‬مِنَ‭ ‬الْهَمِّ‭ ‬وَالْحَزَنِ،‭ ‬وَالْعَجْزِ‭ ‬وَالْكَسَلِ،‭ ‬وَالْجُبْنِ‭ ‬وَالْبُخْلِ،‭ ‬وَضَلَعِ‭ ‬الدَّيْنِ،‭ ‬وَغَلَبَةِ‭ ‬الرِّجَالِ‭)‬،‭ ‬يقدم‭ ‬بناءً‭ ‬نفسيًا‭ ‬بالغ‭ ‬العمق،‭ ‬حتى‭ ‬ليبدو‭ ‬كأنه‭ ‬يرسم‭ ‬خرائط‭ ‬دقيقة‭ ‬لمراحل‭ ‬التآكل‭ ‬النفسي‭ ‬عند‭ ‬الإنسان‭. ‬فالحديث‭ ‬يبدأ‭ ‬بالاضطراب‭ ‬الوجداني،‭ ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬العطب‭ ‬الإرادي‭ ‬الوظيفي،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الانكماش‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ثم‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬القهر‭ ‬الخارجي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسلطوي‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬يصف‭ ‬الحديث‭ ‬مجرد‭ ‬حالات‭ ‬متفرقة،‭ ‬بل‭ ‬يقترح سلسلة‭ ‬مترابطة‭ ‬من‭ ‬الانحدار‭ ‬النفسي‮ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬وتنتهي‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬دعونا‭ ‬نفهم‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كونه‭ ‬علاجًا‭ ‬نفسيًا‭.‬

أولًا‭: ‬من‭ ‬الهمّ‭ ‬والحزن‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الطاقة‭ ‬النفسية

تميّز‭ ‬شروح‭ ‬الحديث‭ ‬بين الهم بوصفه‭ ‬انشغال‭ ‬النفس‭ ‬بمكروه‭ ‬متوقَّع‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬وبين الحزن بوصفه‭ ‬تألُّم‭ ‬القلب‭ ‬لما‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬وقد‭ ‬ذكرت‭ ‬الموسوعة‭ ‬الحديثية‭ ‬هذا‭ ‬الفرق‭ ‬صراحة؛‭ ‬فالهم‭ ‬متعلق‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬والحزن‭ ‬متعلق‭ ‬بالماضي،‭ ‬وكلاهما‭ ‬يثقل‭ ‬النفس‭ ‬ويشوّش‭ ‬الفكر‭ ‬ويعطّل‭ ‬حضور‭ ‬الإنسان‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الراهن‭. ‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحديث‭ ‬يلتقط‮ ‬الاستعمار‭ ‬الزمني‭ ‬للوعي؛‭ ‬فالإنسان‭ ‬المنهك‭ ‬نفسيًا‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬الحاضر‭ ‬حقًا؛‭ ‬بل‭ ‬يتوزع‭ ‬بين‭ ‬مستقبل‭ ‬مخيف‭ ‬يطارده‭ ‬بالهم،‭ ‬وماضٍ‭ ‬جريح‭ ‬يستنزفه‭ ‬بالحزن‭. ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الوعي‭ ‬مأهولًا‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬بعد،‭ ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬وانكسر،‭ ‬ويفقد‭ ‬الإنسان‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬لحظته‭ ‬الحالية‭. ‬وهذه‭ ‬الفكرة‭ ‬تلتقي‭ ‬مع‭ ‬الفهم‭ ‬النفسي‭ ‬الحديث‭ ‬للقلق‭ ‬والاكتئاب،‭ ‬فالقلق‭ ‬يتغذى‭ ‬غالبًا‭ ‬من‭ ‬توقع‭ ‬التهديد،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتكثف‭ ‬الاكتئاب‭ ‬في‭ ‬خبرة‭ ‬الفقد‭ ‬والانطفاء‭ ‬وانخفاض‭ ‬المعنى‭.‬

وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يختزل‭ ‬كل‭ ‬همّ‭ ‬أو‭ ‬حزن‭ ‬في‭ ‬مرض‭ ‬نفسي،‭ ‬لكنه‭ ‬يلفت‭ ‬إلى‭ ‬أن الاستقرار‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الهم‭ ‬والحزن‮ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬المدخل‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬الانهيار‭. ‬فالإنسان‭ ‬لا‭ ‬ينهار‭ ‬عادة‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة؛‭ ‬بل‭ ‬يتآكل‭ ‬تدريجيًا‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬المشاعر‭ ‬إلى‭ ‬مناخ‭ ‬دائم،‭ ‬ويصبح‭ ‬الألم‭ ‬حالة‭ ‬إقامة‭ ‬لا‭ ‬حالة‭ ‬عبور‭.‬

ثانيًا‭: ‬العجز‭ ‬والكسل‭ ‬بوصفهما‭ ‬انهيارًا‭ ‬في‭ ‬الوظيفة‭ ‬الإرادية

ثم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ (‬العجز‭ ‬والكسل‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬شرحت‭ ‬الموسوعة‭ ‬الحديثية‭ ‬أن‭ ‬العجز‭ ‬هو عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬العمل،‭ ‬أما‭ ‬الكسل‭ ‬فهو تباطؤ‭ ‬النفس‭ ‬وتثاقلها‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬إمكان‭ ‬القدرة‭ ‬عليه‭. ‬توضح‭ ‬موسوعة‭ ‬الأحاديث‭ ‬النبوية‭ ‬أن‭ ‬تخلف‭ ‬الفعل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بسبب‭ ‬فقدان‭ ‬القدرة‭ ‬فيكون‭ ‬عجزًا،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬فقدان‭ ‬الإرادة‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬القدرة‭ ‬فيكون‭ ‬كسلًا‭.‬

وهنا‭ ‬يبلغ‭ ‬الحديث‭ ‬ذروة‭ ‬دقته‭ ‬النفسية؛‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬توقف‭ ‬عن‭ ‬الإنجاز‭ ‬واحدًا‭. ‬ثمة‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬شخص‭ ‬يريد‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع،‭ ‬وشخص‭ ‬يستطيع‭ ‬ولا‭ ‬يريد،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فالحالتان‭ ‬قد‭ ‬تتعانقان‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬المعاصرة‭. ‬فالإنسان‭ ‬المرهق‭ ‬نفسيًا‭ ‬قد‭ ‬يبدأ‭ ‬بالقلق‭ ‬والحزن،‭ ‬ثم‭ ‬تتآكل‭ ‬طاقته‭ ‬التنفيذية،‭ ‬فيجد‭ ‬نفسه‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬أو‭ ‬البدء،‭ ‬أو‭ ‬الاستمرار‭. ‬وفي‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬الحديث‭ ‬تبرز‭ ‬هنا‭ ‬مفاهيم‭ ‬مثل الخلل‭ ‬التنفيذي،‭ ‬والتسويف‭ ‬المرضي،‭ ‬والجمود‭ ‬الإرادي،‭ ‬والعجز‭ ‬المتعلم‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يصبح‭ ‬الكسل‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬حالاته‭ ‬–‭ ‬عرضًا‭ ‬لا اتهامًا‭ ‬أخلاقيًا،‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بدا‭ ‬كسولًا‭ ‬هو‭ ‬متقاعس‭ ‬أخلاقيًا؛‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬منهكًا،‭ ‬محترقًا،‭ ‬أو‭ ‬محاصرًا‭ ‬بإحباط‭ ‬مزمن‭ ‬فرّغ‭ ‬إرادته‭ ‬من‭ ‬فاعليتها‭. ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬نقد‭ ‬ثقافة‭ ‬العصر‭ ‬الحديث؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬وثقافة‭ ‬الإنجاز‭ ‬المفرط‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تجرّم‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفهمه‭. ‬

ثالثًا‭: ‬الجبن‭ ‬والبخل‭ ‬كأثرين‭ ‬نفسيين‭ ‬لا‭ ‬أخلاقيين‭ ‬فحسب

اللافت‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬الوجدان‭ ‬والقدرة،‭ ‬بل‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‮ ‬الجبن‭ ‬والبخل‭. ‬وقد‭ ‬شرحت‭ ‬الموسوعة‭ ‬الحديثية‭ ‬أن‭ ‬الجبن‭ ‬والبخل‭ ‬من‭ ‬الخصال‭ ‬التي‭ ‬تحبس‭ ‬الخير‭ ‬عن‭ ‬العبد؛‭ ‬فالجبن‭ ‬يحبس‭ ‬نفع‭ ‬البدن‭ ‬والموقف،‭ ‬والبخل‭ ‬يحبس‭ ‬نفع‭ ‬المال‭ ‬والعطاء‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬النفسية‭ ‬الفلسفية‭ ‬لهذا‭ ‬الاقتران‭ ‬تفتح‭ ‬أفقًا‭ ‬أعمق‭: ‬فالإنسان‭ ‬المنهار‭ ‬نفسيًا‭ ‬لا‭ ‬يفقد‭ ‬فقط‭ ‬طاقته،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يفقد‭ ‬أيضًا‮ ‬انبساطه‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬إنه‭ ‬يتقلص،‭ ‬ويصبح‭ ‬دفاعيًا،‭ ‬يخاف‭ ‬المبادرة،‭ ‬ويخشى‭ ‬الخسارة،‭ ‬ويتمسك‭ ‬بما‭ ‬لديه‭ ‬تمسك‭ ‬المهدَّد‭. ‬وعلى‭ ‬هذا،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬الجبن‭ ‬والبخل‭ ‬هنا‭ ‬بوصفهما‭ ‬مظهرين‭ ‬من الانكماش‭ ‬الوجودي‭: ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬آمنًا‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬للشجاعة،‭ ‬ولا‭ ‬كريمًا‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬للعطاء‭.‬

رابعًا‭: ‬ضلع‭ ‬الدين‭ ‬وغلبة‭ ‬الرجال‭: ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬الألم‭ ‬النفسي‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬اجتماعية‭.‬

يبلغ‭ ‬الحديث‭ ‬قمته‭ ‬الواقعية‭ ‬حين‭ ‬يختم‭ ‬بضلع‭ ‬الدين‭ ‬وغلبة‭ ‬الرجال‭. ‬وقد‭ ‬ذكرت‭ ‬شروح‭ ‬الحديث‭ ‬أن‭ ‬ضلع‭ ‬الدين‭ ‬هو ثقله‭ ‬وشدته،‭ ‬وأن‭ ‬غلبة‭ ‬الرجال‭ ‬تعني‮ ‬تسلطهم‭ ‬وقهرهم‭ ‬بغير‭ ‬حق،‭ ‬بما‭ ‬يورث‭ ‬وهن‭ ‬النفس‭ ‬والذلة‭ ‬والانكسار‭.‬

هنا‭ ‬ينتقل‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭: ‬من‭ ‬الوجدان،‭ ‬والإرادة،‭ ‬والخلق،‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تسحق‭ ‬الإنسان‭. ‬إن‭ ‬الدين،‭ ‬في‭ ‬معناه‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬التزام‭ ‬مالي؛‭ ‬إنه‭ ‬أيضًا‭ ‬عبء،‭ ‬ومطاردة،‭ ‬وتهديد‭ ‬دائم‭ ‬للكرامة‭. ‬

أما‭ ‬غلبة‭ ‬الرجال‭ ‬فهي‭ ‬كل‭ ‬بنية‭ ‬قهرية‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬يشعر‭ ‬أنه مغلوب‭ ‬على‭ ‬أمره‭: ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬أو‭ ‬المجتمع،‭ ‬أو‭ ‬المؤسسة،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬العلاقات‭ ‬اليومية‭.‬

لذلك‭ ‬يبدو‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬متجاوزًا‭ ‬للنظرة‭ ‬الفردية‭ ‬الصرفة‭ ‬إلى‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية؛‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يحمّل‭ ‬النفس‭ ‬وحدها‭ ‬مسؤولية‭ ‬الانهيار،‭ ‬بل‭ ‬يُدرج‭ ‬في‭ ‬المعادلة ظروف‭ ‬القهر‭ ‬والضغط‭ ‬والديون‭ ‬والتسلط‭. ‬وهذا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المقاربات‭ ‬النفسية‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الاضطراب‭ ‬لا‭ ‬يُفهم‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الفرد،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السياق‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وظروف‭ ‬العيش،‭ ‬والضغوط‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وأنماط‭ ‬السلطة‭.‬

خامسًا‭: ‬قراءة‭ ‬فلسفية‭ ‬للحديث‭ ‬بوصفه‭ ‬خريطة‭ ‬للإنسان‭ ‬المهدد‭.‬

نعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف‭ ‬يقدّم‭ ‬تصورًا‭ ‬مدهشًا‭ ‬للإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬كائنًا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُستهلك‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬جهات‭: ‬من‭ ‬ذاكرته،‭ ‬ومن‭ ‬توقعاته،‭ ‬ومن‭ ‬قدرته،‭ ‬ومن‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يطوقه‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الاستعاذة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬طلبًا‭ ‬للخلاص‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬جزئية؛‭ ‬بل‭ ‬هي‮ ‬طلب‭ ‬نجاة‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬الانهيار‭ ‬بأكملها‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬النص‭ ‬النبوي‭ ‬بعده‭ ‬الفلسفي‭ ‬العميق‭: ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الإنسان‭ ‬مجرد‭ ‬عقلٍ‭ ‬يعطب،‭ ‬ولا‭ ‬مجرد‭ ‬جسدٍ‭ ‬ينهك،‭ ‬بل‭ ‬يراه‭ ‬كائنًا‭ ‬تتشابك‭ ‬فيه‭ ‬الروح‭ ‬والإرادة‭ ‬والزمن‭ ‬والعلاقة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والسلطة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬العلاج،‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الأفق،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬فقط‭ ‬دوائيًا‭ ‬أو‭ ‬سلوكيًا،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا معنويًا،‭ ‬وروحيًا،‭ ‬وتربويًا،‭ ‬وعدليًا‭.‬

ويمكن‭ ‬الملاحظة‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬الشريف‭ ‬يقدم‭ ‬بوصلة‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم‭ ‬ويرسم‭ ‬نصًا‭ ‬تأسيسيًا‭ ‬للهشاشة‭ ‬النفسية‭ ‬للإنسان أمام‭ ‬التآكل‭ ‬النفسي‭ ‬ومتغيرات‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬فالإنسان‭ ‬لا‭ ‬ينهار‭ ‬فجأة،‭ ‬وإنما‭ ‬يتداعى‭ ‬حين‭ ‬يثقل‭ ‬وجدانه،‭ ‬وتخور‭ ‬إرادته،‭ ‬وتضيق‭ ‬أخلاقه‭ ‬الوجودية،‭ ‬ويشتد‭ ‬عليه‭ ‬قهر‭ ‬العالم‭. ‬

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا