العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢١ - الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ محرّم ١٤٤٨هـ

قضـايــا وحـــوادث

بعد انتهاء الحرب.. تحديات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط

بقلم: د. عمرو حمزاوي {

الأحد ٢١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تحتاج‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬أمني‭ ‬وسياسي‭ ‬جديد‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬والتعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬الصراع‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬استنزفت‭ ‬شعوبها‭ ‬ودولها‭ ‬عقودا‭ ‬طويلة‭. ‬فمنذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬تعاقبت‭ ‬المبادرات‭ ‬والمشروعات‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬إقليمية‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬معظمها‭ ‬تعثر‭ ‬بسبب‭ ‬استمرار‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وغياب‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة،‭ ‬وتدخل‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬وعجز‭ ‬الأطراف‭ ‬الإقليمية‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬رؤية‭ ‬جماعية‭ ‬للأمن‭ ‬والاستقرار‭. ‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬ترتيبات‭ ‬مستقرة،‭ ‬وتنامي‭ ‬دور‭ ‬القوى‭ ‬الوسيطة‭ ‬إقليميًا‭ ‬ودوليًا،‭ ‬تبدو‭ ‬الفرصة‭ ‬مواتية‭ ‬لإطلاق‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬جديدة‭ ‬بقيادة‭ ‬عربية‭ ‬تتولاها‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية،‭ ‬بهدف‭ ‬تأسيس‭ ‬منظومة‭ ‬إقليمية‭ ‬للحوار‭ ‬والتعاون‭ ‬والأمن‭ ‬الجماعي‭.‬

وتستمد‭ ‬فكرة‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬المقترحة‭ ‬إلهامها‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وأدت‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬مؤتمر‭ ‬الأمن‭ ‬والتعاون‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬لاحقا‭ ‬إلى‭ ‬منظمة‭ ‬الأمن‭ ‬والتعاون‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

فقد‭ ‬نجحت‭ ‬تلك‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬ذات‭ ‬أنظمة‭ ‬سياسية‭ ‬ومصالح‭ ‬استراتيجية‭ ‬متناقضة‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬واحدة،‭ ‬وأرست‭ ‬مبادئ‭ ‬مشتركة‭ ‬لإدارة‭ ‬الخلافات‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والإنساني‭. ‬ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬السياقات‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فإن‭ ‬جوهر‭ ‬الفكرة‭ ‬يظل‭ ‬صالحا‭ ‬للتطبيق‭: ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬تدريجيًا‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنافسة‭ ‬عبر‭ ‬حوار‭ ‬مستمر‭ ‬ومؤسسات‭ ‬دائمة‭ ‬وقواعد‭ ‬متفق‭ ‬عليها‭ ‬للسلوك‭ ‬الإقليمي‭.‬

تمتلك‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬المقترحة‭ ‬لقيادة‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬مقومات‭ ‬تؤهلها‭ ‬للقيام‭ ‬بهذا‭ ‬الدور‭. ‬فمصر‭ ‬تملك‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬والتاريخي‭ ‬والخبرة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الملفات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والتوسط‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭. ‬والسعودية‭ ‬أصبحت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬فاعلا‭ ‬رئيسيا‭ ‬في‭ ‬جهود‭ ‬التهدئة‭ ‬الإقليمية‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف،‭ ‬كما‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬اللازم‭ ‬لإنجاح‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬جماعية‭.‬

وينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬من‭ ‬قناعة‭ ‬أساسية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬عبر‭ ‬سياسات‭ ‬الردع‭ ‬العسكري‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬عبر‭ ‬التحالفات‭ ‬الحصرية‭ ‬التي‭ ‬تستبعد‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف،‭ ‬وإنما‭ ‬عبر‭ ‬مفهوم‭ ‬شامل‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الأمن‭ ‬العسكري‭ ‬والأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬والتعاون‭ ‬الإنساني‭. ‬فالتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬النزاعات‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضا‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف،‭ ‬والهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬وأزمات‭ ‬المياه‭ ‬والغذاء،‭ ‬والتغير‭ ‬المناخي،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

ولكي‭ ‬تنجح‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شاملة‭ ‬وغير‭ ‬إقصائية‭. ‬فكما‭ ‬جمعت‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬الأوروبية‭ ‬دولا‭ ‬متنافسة‭ ‬وأحيانا‭ ‬متخاصمة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تضم‭ ‬العملية‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬الرئيسية‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬الإقليم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مشاركة‭ ‬داعمة‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدولية‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬تجاهل‭ ‬الخلافات‭ ‬العميقة‭ ‬أو‭ ‬النزاعات‭ ‬القائمة،‭ ‬بل‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الخلافات‭ ‬تتطلب‭ ‬وجود‭ ‬منصة‭ ‬دائمة‭ ‬للحوار‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تركها‭ ‬تتفاقم‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬أو‭ ‬حروب‭.‬

ويمكن‭ ‬للمرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬أن‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬إجراءات‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬تعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬بشأن‭ ‬المناورات‭ ‬والتحركات‭ ‬العسكرية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وإنشاء‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬مباشرة‭ ‬لتجنب‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬والتصعيد‭ ‬غير‭ ‬المقصود،‭ ‬والاتفاق‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬تحكم‭ ‬السلوك‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬إطلاق‭ ‬حوارات‭ ‬منتظمة‭ ‬بين‭ ‬الخبراء‭ ‬والمسؤولين‭ ‬العسكريين‭ ‬والدبلوماسيين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬المشاركة‭ ‬بهدف‭ ‬خلق‭ ‬ثقافة‭ ‬جديدة‭ ‬للتواصل‭ ‬والتفاهم‭.‬

وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬يمكن‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬الملفات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيدا‭. ‬ويأتي‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬يظل‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للتوتر‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬مشروع‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬نجاحًا‭ ‬مستدامًا‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬واستمرت‭ ‬معاناة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وحرمانه‭ ‬من‭ ‬حقوقه‭ ‬الوطنية‭ ‬المشروعة‭.‬

‭ ‬ولذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬العملية‭ ‬الجديدة‭ ‬دعم‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬وإنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬ضمن‭ ‬أولوياتها،‭ ‬مع‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬وضع‭ ‬إسرائيل‭ ‬إذا‭ ‬التزمت‭ ‬أسس‭ ‬مبادرة‭ ‬السلام‭ ‬وأقرت‭ ‬القبول‭ ‬بالدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وانسحبت‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬المحتلة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الجبهات‭ ‬ببحث‭ ‬كيف‭ ‬تكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ترتيبات‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬المستقبلية‭ ‬بعد‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭.‬

كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتناول‭ ‬العملية‭ ‬العلاقات‭ ‬العربية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ومستقبل‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬فالتجارب‭ ‬الماضية‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬المواجهة‭ ‬والتصعيد‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬استقرارًا‭ ‬دائمًا،‭ ‬وأن‭ ‬الحوار‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الأكثر‭ ‬فعالية‭ ‬لمعالجة‭ ‬الخلافات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنفوذ‭ ‬الإقليمي‭ ‬والبرامج‭ ‬العسكرية‭ ‬والتدخلات‭ ‬المتبادلة‭. ‬ويمكن‭ ‬لعملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬إطارًا‭ ‬مؤسسيًا‭ ‬يتيح‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية‭ ‬ومتواصلة‭.‬

وتحتاج‭ ‬العملية‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬إدماج‭ ‬تركيا‭ ‬بوصفها‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬رئيسية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭. ‬فتركيا‭ ‬عضو‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وتمتلك‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬واسعة‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬تأثيرًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬الإقليمية‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬إشراكها‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬يعد‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لنجاح‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬إقليمي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬

لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقتصر‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬على‭ ‬القضايا‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬بعدا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وتنمويا‭ ‬واضحا‭. ‬فالتجربة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬محركا‭ ‬أساسيا‭ ‬لبناء‭ ‬الثقة‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستقرار‭. ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬إطلاق‭ ‬مشروعات‭ ‬إقليمية‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬وربط‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء،‭ ‬والأمن‭ ‬المائي،‭ ‬والتجارة‭ ‬البينية،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية،‭ ‬والنقل‭ ‬واللوجستيات‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬إنشاء‭ ‬صناديق‭ ‬تمويل‭ ‬إقليمية‭ ‬لدعم‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭.‬

كذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬العملية‭ ‬بعدا‭ ‬إنسانيا‭ ‬ومجتمعيا‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬والمجتمعات‭ ‬المدنية‭ ‬والجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬الأبحاث‭. ‬فبناء‭ ‬السلام‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الحكومية،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار‭ ‬والتعاون‭ ‬والتسامح‭ ‬بين‭ ‬المجتمعات‭ ‬المختلفة‭. ‬ويمكن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تنظيم‭ ‬منتديات‭ ‬دورية‭ ‬للشباب‭ ‬والأكاديميين‭ ‬والخبراء‭ ‬والإعلاميين‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬التفاهم‭ ‬المتبادل‭ ‬وكسر‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭ ‬السلبية‭.‬

من‭ ‬الضروري‭ ‬أيضًا‭ ‬إنشاء‭ ‬هيكل‭ ‬مؤسسي‭ ‬دائم‭ ‬للعملية‭ ‬يضمن‭ ‬استمراريتها‭ ‬وعدم‭ ‬ارتباطها‭ ‬بالأزمات‭ ‬العابرة‭ ‬أو‭ ‬بتغير‭ ‬الحكومات‭ ‬والقيادات‭ ‬السياسية‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬ذلك‭ ‬أمانة‭ ‬عامة‭ ‬دائمة،‭ ‬واجتماعات‭ ‬دورية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القادة‭ ‬ووزراء‭ ‬الخارجية‭ ‬والدفاع،‭ ‬وآليات‭ ‬متخصصة‭ ‬لمعالجة‭ ‬النزاعات‭ ‬وتسوية‭ ‬الخلافات‭ ‬ومراقبة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الالتزامات‭ ‬المتفق‭ ‬عليها‭.‬

إن‭ ‬نجاح‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬بقيادة‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬سهلًا،‭ ‬ولن‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭. ‬فالمنطقة‭ ‬مثقلة‭ ‬بإرث‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬وانعدام‭ ‬الثقة‭ ‬والتدخلات‭ ‬الخارجية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬البديل‭ ‬عن‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬إطار‭ ‬جديد‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬دوامة‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭. ‬وفى‭ ‬عالم‭ ‬يتجه‭ ‬تدريجيًا‭ ‬نحو‭ ‬التعددية‭ ‬القطبية‭ ‬وتنامى‭ ‬دور‭ ‬القوى‭ ‬الوسيطة،‭ ‬تمتلك‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬للانتقال‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المتلقي‭ ‬للترتيبات‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬المبادر‭ ‬بصياغتها‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬إطلاق‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬جديدة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬بوصفه‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬دبلوماسي،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لمستقبل‭ ‬المنطقة‭. ‬رؤية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الصراع،‭ ‬وعلى‭ ‬التعاون‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الاستقطاب،‭ ‬وعلى‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬سباقات‭ ‬التسلح‭ ‬والمواجهات‭ ‬المفتوحة‭. ‬وإذا‭ ‬تمكنت‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬من‭ ‬بلورة‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬مؤسسي‭ ‬مستدام،‭ ‬فإنها‭ ‬قد‭ ‬تضع‭ ‬الأساس‭ ‬لأول‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬وتوازنًا‭ ‬وشمولًا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الحديث‭.‬

 

{‭ ‬مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬

في‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا