العدد : ١٧٦٠٠ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٠ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

هل اكتملت أركان لعبة الحرب في الشرق الأوسط؟!! - 1

بقلم: سميرة بن رجب

الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لربما‭ ‬سرد‭ ‬بعض‭ ‬مجريات‭ ‬الحرب‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬التوثيق‭ ‬والتوضيح،‭ ‬قبل‭ ‬البدء‭ ‬بتحليل‭ ‬النتائج‭ ‬واستشراف‭ ‬أركان‭ ‬اللعبة،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬قادم‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الأحداث،‭ ‬وأغلب‭ ‬فصول‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬مُستقاة‭ ‬من‭ ‬متابعاتي‭ ‬الشخصية‭ ‬لوسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ووكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬والتقارير‭ ‬المتخصصة،‭ ‬والمراجع‭ ‬المذكورة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المقال‭.‬

مع‭ ‬انتهاء‭ ‬الشهر‭ ‬الثالث‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المشتركة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬وحرب‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أهداف‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬عما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬بدايتها،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مرّت‭ ‬بمرحلة‭ ‬من‭ ‬التضارب‭ ‬العلني‭ ‬والتطور‭ ‬المستمر‭... ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬اكتملت‭ ‬أركان‭ ‬لعبة‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؟؟

عند‭ ‬بدء‭ ‬الهجوم‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬ظهرت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأهداف‭ ‬الطموحة‭ ‬والمتداخلة‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬القادة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬والإسرائيليين‭. ‬أول‭ ‬الأهداف‭ ‬وأكثرها‭ ‬وضوحًا‭ ‬كان‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬وإضعافه،‭ ‬إذ‭ ‬دعا‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬‮«‬فرصة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬لأجيال‮»‬‭ ‬للإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬بلاده‭ (‬خلال‭ ‬فوضى‭ ‬الحرب‭).‬

وبهدف‭ ‬تفكيك‭ ‬القدرات‭ ‬النووية‭ ‬والعسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ركزت‭ ‬الضربات‭ ‬الأولية‭ ‬على‭ ‬اغتيال‭ ‬القيادات‭ ‬وتدمير‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية،‭ ‬كمنشأة‭ ‬‮«‬نطنز‮»‬‭ ‬و‮«‬فوردو‮»‬،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬البحرية،‭ ‬وبرنامج‭ ‬إيران‭ ‬الصاروخي،‭ ‬واعتُبر‭ ‬تدمير‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬أمنًا‭ ‬وجوديًّا‭ ‬لإسرائيل‭ ‬وأساسيًّا‭ ‬لأمن‭ ‬المنطقة‭.‬

أما‭ ‬ردع‭ ‬إيران‭ ‬وحلفائها،‭ ‬متمثلا‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬لإسرائيل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وكلائها‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬وإعادة‭ ‬رسم‭ ‬الخريطة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬لصالح‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬وواشنطن،‭ ‬فكان‭ ‬الهدف‭ ‬الأوسع‭.‬

المهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تقديرنا‭ ‬سابقًا‭ ‬حول‭ ‬الالتباس‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الأهداف‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬كان‭ ‬تقديرًا‭ ‬سليمًا؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الصورة‭ ‬كاملة‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬بسبب‭ ‬تصريحات‭ ‬متضاربة‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬نفسها‭. ‬فبينما‭ ‬دعا‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬الإطاحة‭ ‬بالنظام،‭ ‬قال‭ ‬مساعدون‭ ‬آخرون‭ ‬إن‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬فقط‭ ‬منع‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭ ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭... ‬كما‭ ‬تنوعت‭ ‬التقديرات‭ ‬حول‭ ‬المدة‭ ‬الزمنية‭ ‬للحرب‭ ‬من‭ ‬بضعة‭ ‬أسابيع‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬غير‭ ‬محددة‭.‬

 

تطور‭ ‬الأهداف‭.. ‬ماذا‭ ‬تغير؟

مع‭ ‬تقدم‭ ‬الحرب‭ ‬ودخولها‭ ‬الشهر‭ ‬الثاني‭ ‬بدأت‭ ‬معالم‭ ‬الأهداف‭ ‬تتضح‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬وأكثر‭ ‬واقعية،‭ ‬فماذا‭ ‬تغيّر؟

التغيير‭ ‬الأول‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬توجّه‭ ‬أمريكا‭ ‬نحو‭ ‬أهداف‭ ‬محدودة،‭ ‬من‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إضعافه‭ ‬استراتيجيًّا‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تجعله‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تهديد‭ ‬مصالحها‭ ‬وحلفائها‭!!! ‬وإجباره‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬‮«‬استسلام‭ ‬غير‭ ‬مشروط‮»‬‭!!‬

ولتغليظ‭ ‬العقوبات‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬بدأ‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الأهداف‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فتحولت‭ ‬الضربات‭ ‬من‭ ‬عسكرية‭ ‬بحتة‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الاقتصادية‭ (‬منشآت‭ ‬الطاقة،‭ ‬ومصانع‭ ‬البتروكيماويات،‭ ‬ومراكز‭ ‬التوزيع‭ ‬الكهربائي‭)‬؛‭ ‬لشل‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬الحرب‭.‬

أما‭ ‬إسرائيل‭ ‬فكان‭ ‬لها‭ ‬توجّه‭ ‬نحو‭ ‬أهداف‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬وشمولا؛‭ ‬إذ‭ ‬بدأ‭ ‬التغيير‭ ‬من‭ ‬إضعاف‭ ‬النظام‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تفكيك‭ ‬الدولة‮»‬،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الهدف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬النظام،‭ ‬بل‭ ‬تجاوزه‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬إيران‭ ‬كدولة‭ ‬فاعلة،‭ ‬وتدمير‭ ‬قدراتها‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭. ‬واتسعت‭ ‬الأهداف‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لتشمل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الأمنية؛‭ ‬وتفكيك‭ ‬‮«‬جهاز‭ ‬القمع‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يستخدمه‭ ‬النظام‭ ‬لقمع‭ ‬المعارضة،‭ ‬مثل‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وقوات‭ ‬الباسيج،‭ ‬بهدف‭ ‬خلق‭ ‬فجوة‭ ‬أمنية‭ ‬داخلية‭ ‬تعيق‭ ‬النظام‭.‬

هذا‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬الأهداف‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الحرب،‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬جوي‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬إقليمية‭ ‬شملت‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬والخليج‭ ‬العربي‭ (‬توسع‭ ‬استهداف‭ ‬إيران‭ ‬للسفن‭ ‬والمنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬والمدن‭ ‬في‭ ‬الخليج‭)‬،‭ ‬وزاد‭ ‬من‭ ‬احتمالية‭ ‬تورط‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬الأمريكية‭.‬

وعند‭ ‬المقارنة،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الأهداف‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ ‬أوسع‭ ‬وأقل‭ ‬تحديدًا،‭ ‬بينما‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬أصبحت‭ ‬الأهداف‭ ‬أكثر‭ ‬تحديدًا،‭ ‬إذ‭ ‬ركزت‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬إضعاف‭ ‬استراتيجي‭ ‬لإيران‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تدمير‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭ ‬وقدراتها‭ ‬الاقتصادية؛‭ ‬وركزت‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بشكل‭ ‬جذري،‭ ‬وخاصة‭ ‬أذرعها‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭... ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬هدفًا‭ ‬أمريكيًّا‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬تم‭ ‬التراجع‭ ‬عنه‭ ‬رسميًّا،‭ ‬بينما‭ ‬استمر‭ ‬كهدف‭ ‬إسرائيلي‭ ‬مركزي‭.‬

 

الهدف‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬عكس‭ ‬أهدافها‭ ‬في‭ ‬احتلال‭ ‬العراق

إنَّ‭ ‬عدم‭ ‬إصرار‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬مقارنةً‭ ‬بما‭ ‬فعلته‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬لا‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬سبب‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬تقاطع‭ ‬معقد‭ ‬من الدروس‭ ‬المُستفادة‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬أهمها‭ ‬درس‭ ‬العراق‭ (‬2003‭) ‬وكابوس‭ ‬‮«‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬بقوة‭ ‬خارجية‮»‬،‭ ‬والتقييم‭ ‬الواقعي‭ ‬للقدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬والاعتبارات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتغيرة‭.‬

كان‭ ‬هدف‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬هو‭ ‬محو‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية،‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬ثروات‭ ‬البلاد‭ ‬النفطية‭ ‬والمعدنية،‭ ‬وثبت‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أول‭ ‬قرار‭ ‬اتخذه‭ ‬الحاكم‭ ‬العسكري‭ ‬للاحتلال‭ ‬بتفكيك‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ (‬الجيش،‭ ‬جهاز‭ ‬الأمن،‭ ‬الإعلام،‭ ‬الدستور‭) ‬وتحويل‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬فوضى‭ ‬وعنف‭ ‬وصراعات‭ ‬طائفية‭ ‬وعرقية،‭ ‬وتغيير‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬المحاصصة‭ (‬طائفية‭ ‬وأثنية‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬مهَّدَ‭ ‬الطريق‭ ‬لولادة‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬كأهم‭ ‬أداة‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬الإرهاب‭ ‬الدولية،‭ ‬ومهَّدَ‭ ‬لدخول‭ ‬إيران‭ ‬بأجهزتها‭ ‬القمعية‭ ‬وأذرعها‭ ‬المليشياوية‭ ‬وكامل‭ ‬عتادها‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬لحماية‭ ‬الجيش‭ ‬والوجود‭ ‬الأمريكي‭ ‬أمام‭ ‬تهديد‭ ‬المقاومة‭ ‬العراقية‭ ‬المتصاعد،‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬للاحتلال‭... ‬وقد‭ ‬تركت‭ ‬هذه‭ ‬المقاومة‭ ‬جروحًا‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الإدارة‭ ‬الحالية‭ ‬تعلن‭ ‬بوضوح‭ ‬رفضها‭ ‬الوقوع‭ ‬مجددًا‭ ‬في‭ ‬مستنقعات‭ ‬اجتياح‭ ‬الدول‭. ‬وقد‭ ‬علّق‭ ‬مساعد‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأسبق‭ ‬إيلان‭ ‬بيرمان‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬ليس‭ ‬لدى‭ ‬الإدارة‭ ‬أي‭ ‬شهية‭ ‬لتغيير‭ ‬النظام‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬رأيناها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬هجرت‭ ‬واشنطن‭ ‬طموحات‭ ‬‮«‬تغيير‭ ‬النظام‮»‬‭ ‬التقليدية‭ ‬لصالح‭ ‬استراتيجية‭ ‬أكثر‭ ‬تحفظًا‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خلق‭ ‬فرصة‮»‬‭ ‬للتغيير‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬فرضه‭ ‬بقوة‭ ‬الاحتلال‭.‬

وهناك‭ ‬تحديات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬عسكرية‭ ‬ولوجستية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬النماذج‭ ‬السابقة،‭ ‬وتتمثل‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الإيرانية‭ ‬بتضاريسها‭ ‬الجبلية‭ ‬الوعرة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬التوغل‭ ‬البري‭ ‬معركة‭ ‬شاقة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاختلاف‭ ‬الديمغرافي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬90‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬بجانب‭ ‬القوات‭ ‬القتالية‭ (‬الحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬الباسيج‭) ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬دروسا‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق،‭ ‬التي‭ ‬أُنشئت‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬فرض‭ ‬القبضة‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬القمعية‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬لمنع‭ ‬محاولات‭ ‬تهديد‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.  ‬

بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الصعوبات‭ ‬العملية،‭ ‬هناك‭ ‬ثمة‭ ‬اعتبارات‭ ‬استراتيجية‭ ‬أعمق‭ ‬تجعل‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬ولو‭ ‬كعدو،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬أمريكا،‭ ‬أهمها‭ ‬تجنب‭ ‬‮«‬أسوأ‭ ‬السيناريوهات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يراهن‭ ‬عليها‭ ‬الخبراء‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬انهيار‭ ‬النظام،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يفرض‭ ‬تكاليف‭ ‬باهظة‭ ‬على‭ ‬واشنطن،‭ ‬كحرب‭ ‬أهلية‭ ‬وموجات‭ ‬لجوء‭ ‬كبيرة‭ ‬وصراع‭ ‬على‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭.‬

الاعتبار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬عامل‭ ‬الردع‭ ‬النووي‭ ‬الذي‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬الملف‭ ‬النووي؛‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬التحليلات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬عسكري،‭ ‬بل‭ ‬‮«‬درعًا‭ ‬استراتيجيًّا‮»‬‭ ‬يضمن‭ ‬بقاء‭ ‬النظام،‭ ‬إذ‭ ‬يراهن‭ ‬القادة‭ ‬الإيرانيون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التخصيب‭ ‬يجعل‭ ‬إيران‭ ‬‮«‬كوريا‭ ‬شمالية‭ ‬أخرى‮»‬،‭ ‬يصعب‭ ‬الإطاحة‭ ‬بها‭.‬

 

خلفية‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭.. ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬‭ ‬كمصلحة‭ ‬عليا

من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬المراقبين‭ ‬أن‭ ‬واشنطن،‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬كانت‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬كـ«تهديد‭ ‬عالي‭ ‬الكفاءة»؛‭ ‬واستمرار‭ ‬هذا‭ ‬التهديد‭ ‬حقق‭ ‬لأمريكا‭ ‬مصالح‭ ‬كبرى؛‭ ‬أهمها‭ ‬أنه‭ ‬استمر‭ ‬كمحرك‭ ‬لاقتصاد‭ ‬الحرب،‭ ‬إذ‭ ‬أدى‭ ‬‮«‬الخطر‭ ‬الإيراني‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬سباق‭ ‬تسلح‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬وزيادة‭ ‬التبعية‭ ‬العسكرية‭ ‬لواشنطن،‭ ‬بصفقات‭ ‬أسلحة‭ ‬ضخمة‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭.‬

الأمر‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬يُعَد‭ ‬مبررًا‭ ‬للوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬الضخم‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ما‭ ‬مَكّنَها‭ ‬من‭ ‬مراقبة‭ ‬القوى‭ ‬الصاعدة‭ ‬كالصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وحماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الحيوية‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يمثل‭ ‬موقف‭ ‬أمريكا‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬تحولا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬عميقًا،‭ ‬من‭ ‬هوس‭ ‬تغيير‭ ‬الأنظمة‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬الأولوية‭ ‬تفكيك‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬المزعزعة‭ ‬للاستقرار‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يبدو‭ ‬جليًّا‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬وزير‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكي‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬ليست‭ ‬حرب‭ ‬تغيير‭ ‬نظام‭... ‬لن‭ ‬نقع‭ ‬في‭ ‬مستنقعات‭ ‬بناء‭ ‬الدول‮»‬‭.‬

إذن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬الإيراني‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يمثله‭ ‬النظام‭ ‬الحالي،‭ ‬يشكل‭ ‬خلفية‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكية‭ ‬أوسع،‭ ‬ويُعامل‭ ‬بما‭ ‬يُدعى‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬‭ (‬مصطلح‭ ‬مقتبس‭ ‬من‭ ‬مقال‭ ‬للدكتور‭ ‬مجدي‭ ‬شقورة‭) ‬كمصلحة‭ ‬أمريكية‭ ‬عليا‭... ‬ولربما‭ ‬يعد‭ ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬وراء‭ ‬بقاء‭ ‬واستمرار‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تغييره‭ ‬بنظام‭ ‬جديد‭ ‬يُفرض‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬‭.‬

في‭ ‬المقال‭ ‬القادم‭ ‬سنتناول‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬،‭ ‬لأهمية‭ ‬فهم،‭ ‬أو‭ ‬استشراف،‭ ‬المستقبل‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬للمنطقة‭ ‬على‭ ‬الأمد‭ ‬المنظور‭.‬

-1‭ ‬What‭ ‬to‭ ‬know‭ ‬about‭ ‬U‭.‬S‭. ‬shifting‭ ‬targets‭, ‬new‭ ‬deployments‭ ‬and‭ ‬diplomatic‭ ‬double‭ ‬game‭ ‬as‭ ‬conflict‭ ‬enters‭ ‬Day‭ ‬30‭?-‬Xinhua

-2‭ ‬Between‭ ‬decapitation‭ ‬and‭ ‬retaliation‭: ‬where‭ ‬is‭ ‬U‭.‬S‭.-‬Israel‭-‬Iran‭ ‬conflict‭ ‬heading‭? | ‬South

-3‭ ‬https‭://‬8am‭.‬media‭/‬eng‭/‬why‭-‬the‭-‬united‭-‬states‭-‬is‭-‬not‭-‬truly‭-‬seeking‭-‬the‭-‬collapse‭-‬of‭-‬irans‭-‬regime

-4‭ ‬إيران‭ ‬كتهديد‭ ‬مُدار‭: ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬التوازنات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالمنطقة‭ - ‬أمد‭ ‬للإعلام

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا