لربما سرد بعض مجريات الحرب فيه بعض من التوثيق والتوضيح، قبل البدء بتحليل النتائج واستشراف أركان اللعبة، وما هو قادم على مسرح الأحداث، وأغلب فصول هذا السرد مُستقاة من متابعاتي الشخصية لوسائل الإعلام ووكالات الأنباء والتقارير المتخصصة، والمراجع المذكورة في نهاية المقال.
مع انتهاء الشهر الثالث للعمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران، وحرب إيران على دول الخليج العربي، يمكن القول إن أهداف الحرب قد أصبحت أكثر وضوحًا عما كانت عليه في بدايتها، وذلك بعد أن مرّت بمرحلة من التضارب العلني والتطور المستمر... ولكن هل اكتملت أركان لعبة هذه الحروب في الشرق الأوسط؟؟
عند بدء الهجوم في 28 فبراير 2026، ظهرت مجموعة من الأهداف الطموحة والمتداخلة في تصريحات القادة الأمريكيين والإسرائيليين. أول الأهداف وأكثرها وضوحًا كان إسقاط النظام وإضعافه، إذ دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشعب الإيراني إلى استغلال «فرصة قد لا تتكرر لأجيال» للإطاحة بنظام بلاده (خلال فوضى الحرب).
وبهدف تفكيك القدرات النووية والعسكرية الإيرانية ركزت الضربات الأولية على اغتيال القيادات وتدمير المنشآت النووية، كمنشأة «نطنز» و«فوردو»، بالإضافة إلى تدمير البحرية، وبرنامج إيران الصاروخي، واعتُبر تدمير هذا البرنامج أمنًا وجوديًّا لإسرائيل وأساسيًّا لأمن المنطقة.
أما ردع إيران وحلفائها، متمثلا في إنهاء التهديد الإيراني لإسرائيل من خلال وكلائها بالمنطقة، وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لصالح تل أبيب وواشنطن، فكان الهدف الأوسع.
المهم هو أن تقديرنا سابقًا حول الالتباس في تحديد الأهداف مع بداية الحرب كان تقديرًا سليمًا؛ إذ لم تكن الصورة كاملة منذ البداية بسبب تصريحات متضاربة من الإدارة الأمريكية نفسها. فبينما دعا ترامب إلى الإطاحة بالنظام، قال مساعدون آخرون إن الهدف هو فقط منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو دفع طهران إلى التفاوض... كما تنوعت التقديرات حول المدة الزمنية للحرب من بضعة أسابيع إلى فترة غير محددة.
تطور الأهداف.. ماذا تغير؟
مع تقدم الحرب ودخولها الشهر الثاني بدأت معالم الأهداف تتضح بشكل أكبر وأكثر واقعية، فماذا تغيّر؟
التغيير الأول بدأ في توجّه أمريكا نحو أهداف محدودة، من إسقاط النظام إلى «إضعافه استراتيجيًّا»، إلى درجة تجعله غير قادر على تهديد مصالحها وحلفائها!!! وإجباره على تقديم «استسلام غير مشروط»!!
ولتغليظ العقوبات ضد إيران بدأ توسيع نطاق الأهداف الاقتصادية، فتحولت الضربات من عسكرية بحتة إلى استهداف البنية التحتية الاقتصادية (منشآت الطاقة، ومصانع البتروكيماويات، ومراكز التوزيع الكهربائي)؛ لشل قدرة إيران على تمويل الحرب.
أما إسرائيل فكان لها توجّه نحو أهداف أكثر عمقًا وشمولا؛ إذ بدأ التغيير من إضعاف النظام إلى «تفكيك الدولة»، فلم يعد الهدف الإسرائيلي مقتصرًا على تغيير النظام، بل تجاوزه إلى تفكيك إيران كدولة فاعلة، وتدمير قدراتها الأمنية والعسكرية بشكل جذري. واتسعت الأهداف الإسرائيلية لتشمل البنية التحتية الأمنية؛ وتفكيك «جهاز القمع» الذي يستخدمه النظام لقمع المعارضة، مثل الحرس الثوري وقوات الباسيج، بهدف خلق فجوة أمنية داخلية تعيق النظام.
هذا التطور في الأهداف أدى إلى اتساع رقعة الحرب، إذ تحولت من صراع جوي إلى مواجهة إقليمية شملت البحر الأحمر والخليج العربي (توسع استهداف إيران للسفن والمنشآت النفطية والمدن في الخليج)، وزاد من احتمالية تورط القوات البرية الأمريكية.
وعند المقارنة، نجد أن الأهداف في بداية الحرب كانت أوسع وأقل تحديدًا، بينما مع مرور الوقت أصبحت الأهداف أكثر تحديدًا، إذ ركزت أمريكا على إضعاف استراتيجي لإيران من خلال تدمير برنامجها النووي وقدراتها الاقتصادية؛ وركزت إسرائيل على تفكيك الدولة الإيرانية بشكل جذري، وخاصة أذرعها العسكرية والأمنية... بينما كان تغيير النظام هدفًا أمريكيًّا في البداية، تم التراجع عنه رسميًّا، بينما استمر كهدف إسرائيلي مركزي.
الهدف الأمريكي في إيران عكس أهدافها في احتلال العراق
إنَّ عدم إصرار أمريكا على تغيير النظام في إيران، مقارنةً بما فعلته في العراق، لا يرجع إلى سبب واحد، بل إلى تقاطع معقد من الدروس المُستفادة من الماضي، أهمها درس العراق (2003) وكابوس «تغيير النظام بقوة خارجية»، والتقييم الواقعي للقدرات العسكرية والسياسية الأمريكية، والاعتبارات الجيوسياسية المتغيرة.
كان هدف غزو العراق عام 2003 هو محو الدولة العراقية، والسيطرة على ثروات البلاد النفطية والمعدنية، وثبت ذلك من خلال أول قرار اتخذه الحاكم العسكري للاحتلال بتفكيك مؤسسات الدولة العراقية (الجيش، جهاز الأمن، الإعلام، الدستور) وتحويل البلاد إلى ساحة فوضى وعنف وصراعات طائفية وعرقية، وتغيير نظام الحكم إلى نظام المحاصصة (طائفية وأثنية)، ما مهَّدَ الطريق لولادة «داعش»، كأهم أداة في لعبة الإرهاب الدولية، ومهَّدَ لدخول إيران بأجهزتها القمعية وأذرعها المليشياوية وكامل عتادها إلى العراق لحماية الجيش والوجود الأمريكي أمام تهديد المقاومة العراقية المتصاعد، الذي بدأ منذ اليوم الأول للاحتلال... وقد تركت هذه المقاومة جروحًا عميقة في الوعي الاستراتيجي الأمريكي، ما جعل الإدارة الحالية تعلن بوضوح رفضها الوقوع مجددًا في مستنقعات اجتياح الدول. وقد علّق مساعد وزير الخارجية الأسبق إيلان بيرمان على ذلك قائلا: «ليس لدى الإدارة أي شهية لتغيير النظام بالطريقة التي رأيناها في العراق وأفغانستان». ومن ثم هجرت واشنطن طموحات «تغيير النظام» التقليدية لصالح استراتيجية أكثر تحفظًا تهدف إلى «خلق فرصة» للتغيير من الداخل، بدلا من فرضه بقوة الاحتلال.
وهناك تحديات أخرى في إيران، عسكرية ولوجستية تختلف عن النماذج السابقة، وتتمثل مباشرة في الجغرافيا الإيرانية بتضاريسها الجبلية الوعرة التي تجعل من التوغل البري معركة شاقة، إضافة إلى الاختلاف الديمغرافي المتمثل في 90 مليون نسمة، بجانب القوات القتالية (الحرس الثوري، الباسيج) التي أخذت دروسا من الحروب في أفغانستان والعراق، التي أُنشئت أساسًا على قاعدة فرض القبضة العسكرية والأمنية القمعية على الشعب الإيراني لمنع محاولات تهديد النظام من الداخل.
بعيدًا عن الصعوبات العملية، هناك ثمة اعتبارات استراتيجية أعمق تجعل استقرار النظام الحالي في إيران، ولو كعدو، قد يكون في مصلحة أمريكا، أهمها تجنب «أسوأ السيناريوهات» التي يراهن عليها الخبراء في حال انهيار النظام، الذي قد يفرض تكاليف باهظة على واشنطن، كحرب أهلية وموجات لجوء كبيرة وصراع على السلاح النووي.
الاعتبار الاستراتيجي الآخر هو عامل الردع النووي الذي يتقاطع مع الملف النووي؛ إذ تشير بعض التحليلات إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يعد مجرد خيار عسكري، بل «درعًا استراتيجيًّا» يضمن بقاء النظام، إذ يراهن القادة الإيرانيون على أن امتلاك القدرة على التخصيب يجعل إيران «كوريا شمالية أخرى»، يصعب الإطاحة بها.
خلفية استراتيجية أوسع.. «التهديد المُدار» كمصلحة عليا
من هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أن واشنطن، على مدى سنوات، كانت تتعامل مع إيران كـ«تهديد عالي الكفاءة»؛ واستمرار هذا التهديد حقق لأمريكا مصالح كبرى؛ أهمها أنه استمر كمحرك لاقتصاد الحرب، إذ أدى «الخطر الإيراني» إلى سباق تسلح في الخليج وزيادة التبعية العسكرية لواشنطن، بصفقات أسلحة ضخمة بمليارات الدولارات.
الأمر الآخر هو أن التهديد الإيراني يُعَد مبررًا للوجود العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة، ما مَكّنَها من مراقبة القوى الصاعدة كالصين وروسيا وحماية مصالحها الحيوية.
في المحصلة، يمثل موقف أمريكا من إيران تحولا استراتيجيًّا عميقًا، من هوس تغيير الأنظمة إلى إدارة المخاطر، إذ باتت الأولوية تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية المزعزعة للاستقرار. هذا التحول يبدو جليًّا في إعلان وزير الحرب الأمريكي أنها «ليست حرب تغيير نظام... لن نقع في مستنقعات بناء الدول».
إذن التعامل مع «التهديد الإيراني»، الذي يمثله النظام الحالي، يشكل خلفية استراتيجية أمريكية أوسع، ويُعامل بما يُدعى «التهديد المُدار» (مصطلح مقتبس من مقال للدكتور مجدي شقورة) كمصلحة أمريكية عليا... ولربما يعد هذا أحد أهم الأسباب وراء بقاء واستمرار النظام الإيراني حتى الآن، أو حتى في حال تغييره بنظام جديد يُفرض عليه أن يتعامل مع المنطقة في مساحة «التهديد المُدار».
في المقال القادم سنتناول مفهوم «التهديد المُدار»، لأهمية فهم، أو استشراف، المستقبل الجيوسياسي للمنطقة على الأمد المنظور.
-1 What to know about U.S. shifting targets, new deployments and diplomatic double game as conflict enters Day 30?-Xinhua
-2 Between decapitation and retaliation: where is U.S.-Israel-Iran conflict heading? | South
-3 https://8am.media/eng/why-the-united-states-is-not-truly-seeking-the-collapse-of-irans-regime
-4 إيران كتهديد مُدار: قراءة في صياغة التوازنات الأمريكية بالمنطقة - أمد للإعلام
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك